ثمة رواية تقول إن قبيلةَ «بكر» اجتمعتْ على أن تطلبَ من طرفة أن يكون رسولها إلى بلاط «الحيرة». يسعى لدى عمرو بن هند الملك، بالدفع إلى استرضائه، للنظر بعين العدل إلى حال حيِّهم، زاعمين لطرفة أن ذلك من صُلب مهمات الشاعر في قبيلته. وليس من اللائق أن يتخَّلفَ عن ذلك، وعليه أن يرافق المتلمس الذي ظل يقصد بلاط الحيرة منفرداً. غير أن طرفة استنكر طلبَ «بني بكر» واسترابَ في مقاصدهم، وهُم الذين صنعوا به ما صنعوا. فلما أبلغ أمَّه بما يريده القوم. صرختْ برأسٍ محسورةٍ : ... «يا ويلهم ويا ويلكَ معهم. إنهم يبعثون بك إلى مكيدةٍ دبروها مع الملك، فخذ حذرك من الجميع».
قيل، ... بعد أن اطمأن الملك إلى أن قوم الشاعر يستبعدون عنه، وأن قبيلته وأعمامه ضاقوا ذرعاً بسلوكه المتحرر، الذي يشيعه في الناس ويجتذب إليه الفتية ويسحرُ به الجميع، وبعد أن أصابَ مقتلاً بعدم مرافقة المتلمس إلى بلاط الحيرة، اعتبر الملكُ ذلك قمةَ الاستخفاف ونقضاً لاحترام المقام وشذوذاً عن شعراء ذلك الزمان.
ولم يفوّت عمرو بن هند ذلك لكي يحكم قبضته فيهم وتحقيق نيته المبيتة في التنكيل بطرفة بأيدي قبيلته وأدوات قومه. حتى قيل إن أعيان قبيلة «بكر» قد وعدتْ الملك أنها ستعمل على دفع طرفة لمرافقة المتلمس للقدوم إلى القصر.. وهي القبيلة التي عُرفَتْ باعتدال صلتِها بالحيرة، وميلها إلى التفاهم والمهادنات مع الملوك اللخميين والتواطؤ معهم، حتى قيل إن طرفة هو الاستثناء الأبرز في «بكر» لمعارضته سياسة عمرو بن هند، الأمر الذي سيشكل الشذوذ المحرج للبكريين في علاقاتهم التقليدية مع الملك، إذ إن أول ما سيُضربُ في تلك العلاقات هي المصالح التجارية لشيوخ البكريين، وذلك لما يعرفُ عن ملوك الحيرة من أنهم عصب التجارة، حيث تجوبُ لطائمُهم أرجاءَ جزيرة العرب والشام. ... قيل،
قبل
القاف والباء واللام أصلٌ واحدٌ صحيحٌ تدلُّ كلمهُ كلُّها على مواجهةِ الشَّيء للشَّيء، ويتفرع بعد ذلك.
فالقُبُل من كلِّ شيء: خلافُ دُبُره وذلك أنَّ مقْدِمَه يُقْبِلُ على الشَّيء.
والقَبيل: ما أقبَلَتْ به المرأةُ من غَزْلها حين تَفتِله. والدَّبير: ما أدبرَتْ به. وذلك
ق ب ل
ذهب قبل السوق. ولي قبلك حقّ، وأصبت هذا من قبلك أي من جهتك وتلقائك. ولقيته قبلاً وقبلاً وقبلاً: مواجهة وعياناً. وافعل ذلك لعشر من ذي قبلٍ وقبلٍ: من قوتٍ مستقبلٍ. ورأيت بذلك القبل شخصاً وهو ما استقبلك من نشزٍ أو جبلٍ. وبه قبلٌ: خلاف حولٍ. ورجلٌ أقبل، وامرأة قبلاء، وعينٌ قبلاء، وقوم قبلٌ. وجاء من قبلٍ ومن دبرٍ. وما تصنع لو أقبل قبلك، ولو أقبل قبلك لسكتّ أي لو استقبلت بما تكره. وهم قبلي وقبلائي: جمع قبيلٍ وهو الكفيل. وقبل به يقبل وتقبّل به، وهو قبيل القوم: لعريفهم. ونحن في قبالة فلان. وكلّ من تقبّل بشيء مقاطعةً وكتب عليه بذلك الكتاب فعمله: القبالة، وكتابعه المكتوب عليه هو: القبالة. وقبلت القابلة الولد تقبله قبلاً وقبالة، وصناعتها: القبالة. وقبل الدلو من يد الماتح يقبلها. وقبلت الماشية الوادي تقبله. وأقبلتها الوادي. قال:
أقبلتها الخلّ من شوران مصعدة ... إني لأزري عليها وهي تنطلق
أي أعيب عليها الإبطاء. وقال الجعديّ:
يتواصون بقتلى بينهم ... مقبلي نحري أطراف الأسل
وأقبلت الإناء مجرى الماء إذا استقبلت به جريته. وقال ابن أحمر:
شربت الشكاعى والتددت ألدّةً ... وأقبلت أفواه العروق المكاويا
وقعدت قبالة الكعبة. وجار مقابل ومدابر. قال:
حميت نفسي ومعي جاراتي ... مقابلاتي ومدابراتي
وتقول: وربّ هذه البنيّة ما قبل منها وما دبر ما فعلت كذا. واقتبل الأمر واستقبله: استأنفه. وتقابلوا واقتبلوا. قال أبو النجم:
غير رماد النار والأثفيّ ... مقتبلات قعدة النّجيّ
ورأيت قبيلاً من الناس وقبلاً. وكادت تصدّع قبائل رأسي: من الصداع وهي شعبة. وقبل الهبة، وقبل منه النصح. وقبل الله من عبده التوبة، " وهو الذي