هائمٌ، ... عينان رمليتان. من أين جاء إلى أين يذهب. مشردٌّ سحقتْ أعضاءه كائنات الحنين. يتقدم بعينين محتقنتين لفرط الغبار. الحجر الضاري. يتعثر بقفطانه الطريّ عابراً أقدم المدن تضرعاً وأكثرها عتمة، باحثاً عن النجمة الضائعة. الرحيل حقيقته ودفتره مشحون بالتآويل. بالوهج المجهد في عينيه. يهم بالمديح فتطيش فلذات الهجاء في وجوه الملوك بلا فهرس ولا إشارة. حكمته فضيحة الخزف وهو يشفُّ تحت وطأة الجحيم. ليس ثمة مدينة تحسن القراءة ولا كتباً تشمل النشيد. عينان رمليتان لفرط التحديق في المفازات. أين يضع قدمه في أرخبيل الضباب. كلما طرقَ باباً اندلعتْ قصيدةٌ واشتعلتِ الكلمات في القمصان والقصص. كلما وضع قدميه الداميتين بالذعر في طينٍ يابسٍ تَفَجّرَ ماءٌ وانبثقتِ البقولُ والتراتيل.
ض ب ب
أضبّت السماء، والسماء مضبة. ويوم مضب. وأرض مضبة: كثيرة الضباب. ووقعنا في مضاب منكرة. وضب يضب نحو بضّ يبضّ وهو سيلان قليل، يقال: ضبت يده بالدم، وضبت لثته. قال:
تضب لثات الخيل في حجراتها ... وتسمع من تحت العجاجة أزملا
ومن المجاز: في قلبه ضب: غل داخل كالضب الممعن في حجره. قال سابق البربري:
ولا تك ذا وجهين يبدي بشاشة ... وفي صدره ضب من الغل كامن
وقد أضب عليّ: غل في قلبه. وقال سويد بن الصامت:
أطافت بفحال كأن ضبابه ... بطون الموالي يوم عيد تغدت
أراد طلعاً ضخماً استعار له الضباب ثم شبهه ببطون الموالي وهذا من تناسي المستعير وتجاهله كأن الضباب حقيقة. ومنه: تضبب الصبي وتحلم إذا أخذ فيه السمن. وعن بعض العرب: أخدمت صبياني خادماً فحضنتهم حتى تضببوا. ويقولون: " فلان كف الضب " إذا كان بخيلاً وكف الضب مثل في القصر والصغر. قال:
مناتين أبرام كأن أكفهم ... أكف ضباب أنشقت في الحبائل
ورجل خب ضب: يشبه بالضب في خدعه، يقال: " أخدع من ضب " وامرأة خبة ضبة. وأنشد الجاحظ:
فجاءت تهاب الذم ليست بضبة ... ولا سلفع يلقى مراساً زميلها
وفي مثل " أتعلمني بضب أنا حرشته " إذا أخبره بأمر هو صاحبه ومتولّيه. وعلى بابه ضبة وضبات وضباب، وباب مضبب، وأهل مكة يسمون المزلاج: ضبة. ولسكينة ضبة وهي الجزأة لأنها تشد النصاب. وفلان تضب لثاته لكذا وعلى كذا ويضب فوه إذا اشتد حرصه عليه، كقولهم: يتحلّب فوه، كالرجل يشتهي الحموضة فيتحلب له فوه. قال بشر:
وبنو نمير قد لقينا منهم ... خيلاً تضب لثاتها للمغنم