رُويَ أنه لما طار غضبُ الملكِ عمرو بن هند شَراراً، التفتَ إلى المتلمس الماثل أمامه، يسألُه عن ابن أخته المترفِّع المتمنِّع عن البلاط دونَ سائر الشعراء. ولما كان في سؤالِ الملكِ غيظٌ لم يرحمْ النفس الصغيرة التي ينطوي عليها المتلمس، شَعرَ هذا أنَّه ليس في مقدورِه حمل وزرَ طرفة في حضرة ملكٍ تفجَّرَتْ نيرانُ غضبِه، وليس لأحدٍ الصبر على أسبابه. قيلَ إن المتلمس في ذلك الموقف تشبَّثَ بتلابيبِ كيانِه الهشّ، وصَفَـنَ برهةً محملقاً في مَنْ حوله، محدّقاً في الوجوه المسمّرة عليه. ثم استجْمَعَ أشلاءَ روحِه التي بَدَتْ كأنهّا تتفَسَّخ في مسكنها، وتتحدَّرُ من بدنِه. ثم بدأ ينهضُ من جثوتِه ببطءِ المذبوحِ كمنْ عزمَ على أمرٍ ذاهبٍ به لا محالة. وما إن اكتملتْ وقفتُه وخرجَ من صفنَتِه، استدارَ على عقبيه دورةً كاملةً، ماسحاَ بنظره الوجوهَ الشاخصةَ، لكي يصلَ أخيراً بعينين ذاويتين إلى الملك، الذي كان يرقبُ من مكانه لحظةَ التحولات العنيفةِ، التي كان المتلمس يكابدها بقدرٍ محسوسٍ من العويل المكتوم. فيما يكمل دورته، كأنه يريدُ أن ينتقلَ بكاملِ كيانِه وحواسِه، من كوكبِ الشِعرِ إلى حضيضِ الوشايةِ، مستعيناً بأقصى ما يمتلكه من فذلكةِ الطهاةِ الدهاةِ، وهُمْ يُولِمُونَ بأقربِ من يَحِبّونَ في مائدة أقصى مَنْ يَرهَبُونْ. ورُويَ عمَنْ جاوَرَ موضع المتلمس في تلك الوقفة، أنه سَمعَ ما يُشبُه صوتَ زُجاجٍ يتهشَّمُ، صادرٍ عن جسد المتلمس ويتحَرك حوله، في حَتٍّ وفي شظايا، وأن صَريراً انبثقَ لحظتها من أعطافِه، يُضاهي صريخَ الكواحلِ منحولةً بفعل صليلِ أصفادٍ باهظةٍ حول العظام البشرية، وقيل إنَّ بعضَهم سَمِعَ المتلمس يكتمُ صوتاً غريباً هو مزيجٌ من النحيب والتضرَّع، فيما يُخرِجُ رقعةً مُهَـلْهَـلةً من ثنايا قفطانه ويرفعها في فضاء الأحداق المترقبة، كمن ينشر أرشيفاً حائلَ اللون والطبيعة، متوجهاً بجماع حضوره إلى الملك: ... «مولاي، لا أعرف كيف تكترثون بشاعرٍ مثله كل هذا الوقت، وهو الذي قالَ فيكم وفي آلِكم ما تمنعني الخشيةُ من مجرد ذكره في حضرتكم».
افتح مادةً تجد نصّها وموضعها، ثم انسخ سطر الاستشهاد أسفلها.
العينج3 ص178
حدر: الحَدْر: ما تحدِرُه من علو إلى سفل، والمطاوعة منه الأنْحدار، وحَدَرْتُ السَّفينة في الماء حُدوراً. والحَدور اسم مُنحَدَر الماء في انحطاط صبَبَه، وكذلك الحَدور في سَفْح جَبَل. وحَدَرْتُ القرِاءةَ حَدْراً، وحَدَرَتْ عيَنْي الدَّمْعَ، وانحدَرَ الدمعُ. وناقةٌ حادرةُ العينين أي ممتلئتهما «١» نقيا قد ارتوتا وحَسُنَتا «٢» . وكل رَيّان حَسَن الخَلْق حادر، وقد حَدُرَ حدارة، قال: «٣»
وعسير «٤» أدماء حادرة العين ... خَنُوفٍ عَيْرانةٍ شِمْالال
وقال: «٥»
أُحِبُّ صَبيَّ «٦» السَّوْء من أجل أُمِّه ... وأُبْغِضُه من بُغْضِها وهو حادِرُ
وامرأةٌ حَدْراءُ، ورجل أحْدَرُ. والحَدْرة (جزم) «٧» : قَرْحةٌ تخرج بباطن جَفْن العَيْن (وقد) «٨» حَدَرتْ عينه حَدْراً. ويقال: الحَدْر في نعت العَيْن في حسنها خاصة مثل الحادرة، قال: «٩»
وأنكرْتَ من حَدْراءَ ما كنت تعرف
[حدر] الحادِرُ من الرجال: المجتمع الخَلْق، عن الأصمعيّ. تقول منه: حَدُرَ بالضم يَحْدُرُ حَدْراً. وعين حَدْرَةٌ، أي مكتنِزة صُلبة. قال امرؤ القيس: وعَيْنٌ لها حَدْرَةٌ بَدْرَةٌ * شُقَّتْ مآقيهِما من أُخُرْ - وناقةٌ حادِرَةُ العينين، إذا امتلأتا. والحُدْرَةُ: من الإبل بالضم: نَحو الصرمة. والحادور: القرط، في قول الشاعر (١) :
الصحاح، مادة «حدر»، ج2، ص624.
معجم مقاييس اللغةج2 ص32
حدر
الحاء والدال والراء أصلان: الهبوط، والامتلاء.
فالأوّل حَدَرْتُ الشّئَ إِذا أَنزَلْتَه (¬١). والحُدور فعل الحادر. والحَدُور، بفتح الحاء: [المكان (¬٢)] تَنْحدِر منه.
والأصل الثانى قولُهم للشَّئ الممتلئ حادر: يقال عَينٌ حَدْرَة بَدْرَة: ممتلِئة. وقد مضى شاهدُه (¬٣). وناقةٌ حادرةُ العينين، إذا امتلأَتَا. وسُمِّيت حَدْراءَ لذلك. ويقال الحيدرة الأسد * ويمكن أن يكون اشتقاقُه من هذا. ومنه حَدَر جلْدُه تورّم يَحدُر حُدورا (¬٤). وأحدرتُه، إذا ضربتَه حتَّى تؤثر فيه. والحَدْرة، بسكون الدال: قُرْحَةٌ تخرج بباطن جَفْن العين. ويقال [حَىٌّ (¬٥)] ذو حُدورة، أى ذُو اجتماعٍ وكَثْرة. قال:
وإنِّى لَمِنْ قومٍ تصيدُ رِماحُهمْ … غَداةَ الصَّباحِ ذَا الحُدورة والحَرْدِ (¬٦)
والحُدْرَة: الصِّرمة (¬٧)؛ سُمِّيت بذلك لتجمُّعها.
ومما شذَّ عن الباب الحادُور: القُرْط. ويُنشد:
* بائِنةُ المَنْكِبِ مِنْ حادُورِها (¬٨) *
ح د ر
حدرته من علو إلى سفل فانحدر، ونظرت إليه وإن دموعه لتتحادر على لحيته. وهبطنا في حدور صعبة، وحدروا السفينة من أعلى واد أو نهر إلى أسفله، وحدر الحجر من الجبل: دحرجه وكأنه الحيدرة أي الأسد.
ومن المجاز: غلام حادر: قصير لحيم، كما قيل له حطائط، وفيه حدارة، وقد حدر. وحدرت الثوب: فتلت أطراف هدبه، لأن تقصره بالفتل، وتحط من مقدار طوله. وضربه حتى أحدر جلده أي ورّمه، وجعله حادراً غليظاً. وقد حدر الجلد بنفسه حدوراً. قال عمر بن أبي ربيعة:
لو دب ذر فوق ضاحي جلدها ... لأبان من آثارهنّ حدور
وحدر القراءة: أسرع فيها فحطها عن حال التمطيط. والعين تجدر الدمع، والدمع يحدر الكحل، وحدرتهم السنة: حطتهم إلى الأمصار. وحدر الدواء بطنه: أمشاه. وشرب الحادور وهو خلاف العاقول ورماه الله بالحيدرة أي بالداهية الشديدة، كأنها الأسد في شدّتها. وحدرج السوط فتله، وهو من حدر الثوب بضم الجيم إليه، وسوط محدرج. وقنعه المحدرجة السمر.