قصيدة
إلهي على كل الأمور لك الحمد
العنوان هو المطلع.
البوصيري · قافيتها غير موسومة · 97 بيتاً
- إلهي عَلَى كلِّ الأمورِ لَكَ الحَمْدُفلَيْسَ لِمَا أَوْلَيْتَ مِنْ نِعَمٍ حَدُّ
- لَكَ الأَمرُ مِنْ قَبْل الزَّمانِ وبَعْدَهُوَما لكَ قَبْلٌ كالزَّمانِ وَلا بَعْدُ
- وحُكْمكَ ماضٍ في الخلائِقِ نَافِذٌإذا شئتَ أمراً ليس من كونِهِ بُدُّ
- تُضلُّ وتهدي منْ تشَاءُ منَ الوَرَىوما بِيد الإِنْسَان غَيٌّ ولا رُشْدُ
- دَعُوا مَعْشَرَ الضُلَّالِ عَنَّا حديثكمفلا خَطَأٌ مِنهُ يُجابُ وَلا عَمْدُ
- فلو أنكم خَلْقٌ كَريمٌ مُسِخْتُمبقَوْلِكُم لكن بمَنْ يُمْسَخُ القِرْدُ
- أتانَا حديثٌ ما كَرهْنَا بِمِثلِهِلكُمْ فِتْنَةً فيها لِمِثلِكُمُ حَصْدُ
- غَنِيتُمُ عَنِ التأْويلِ فيه بظاهرٍوَمَنْ تَرَكَ الصَّمْصامَ لم يُغْنِهِ الغِمْدُ
- وَأَعْشَى ضياءُ الحقِّ ضَعْفَ عُقُولِكموشمسُ الضُّحَى تَعْشَى بها الأَعْيُنُ الرُّمْدُ
- ولَنْ تُدْرِكُوا بالجَهْلِ رُشْداً وَإِنمايُفَرِّقُ بَينَ الزَّيْفِ وَالجَيِّد النَّقْدُ
- وُعِظْتُمْ فَزِدْتُمْ بالمواعِظِ قَسْوَةًوَلَيسَ يُفيدُ القدحُ إِن أصلَدَ الزَّندُ
- وما ليَّنَت نارُ الحجازِ قُلوبَكُموَقد ذابَ مِنْ حرٍّ بها الحَجَرُ الصَّلْدُ
- وَما هِيَ إلا عينُ نَارِ جَهنَّمٍتَرَدَّدَ مِنْ أَنفاسِها الحرُّ وَالبَرْدُ
- أتَتْ بِشُوَاظٍ مُكْفَهِرٍّ نُحَاسُهفلُوِّحَ منها للضُّحَى والدُّجَى جِلْدُ
- فما اسْوَدَّ مِنْ لَيْلٍ غَدَا وَهو أبيَضٌوَما ابيضَّ مِنْ صُبْحٍ غَدا وَهْوَ مُسْوَدُّ
- تُدَمِّرُ ما تأتي عليه كعاصفٍمن الرِّيحِ ما إنْ يُسْتَطَاعُ لهُ رَدُّ
- تَمُرُّ عَلَى الأرض الشديد اختلافُهافَتُنْجِدُ غَوْراً أوْ يغورُ بها نَجْدُ
- وَتَرْمِي إلى الجوِّ الصُّخورَ كأنّمابِبَاطِنِهَا غيظٌ على الجَوِّ أَوْ حِقْدُ
- وَتَخْشَى بيوتُ النارِ حَرَّ دُخانِهاوَيَزْدَادُ طُغياناً بها الفُرسُ والهِندُ
- فلو قَرُبَتْ مِنْ سَدِّ يأْجُوجَ بَعْدَمَابَنَى منه ذُو القَرْنَيْنِ دُكَّ بها السَّدُّ
- وَلَمَّا أَساءَ الناسُ جِيرةَ رَبِّهمْوَلَمْ يَرْعَهَا منهم رئيسٌ وَلا وَغْدُ
- أَراهم مَقاماً ليسَ يُرْعَى لِجَارِهِذِمَامٌ وَلَمْ يُحْفَظْ لِساكِنِهِ عَهْدُ
- مدينة نارٍ أُحْكِمَتْ شُرُفاتُهَاوَأَبْراجُهَا والسُّورُ إذْ أُبْدِعَ الوَقْدُ
- وَقَدْ أبصرَتْها أَهْلُ بُصْرَى كأنماهِيَ البَصْرَةُ الجارِي بها الجَزْرُ والمَدُّ
- أضاءتْ عَلَى بُعْدِ المَزَارِ لأهلِهامِنَ الإِبِلِ الأعناقُ وَاللَّيْلُ مُرْبَدُّ
- أشارتْ إلى أنَّ المدينةَ قَصْدُهاقرائنُ منها ليسَ يَخْفَى بها القَصْدُ
- يَرُوحُ ويغْدُو كلُّ هَوْلٍ وَكُرْبَةٍعلى الناسِ منها إذْ تَرُوحُ وَإذ تَغْدُو
- فلمَّا التَجَوْا للمصطفى وَتَحَرَّمُوابِسَاحَتِهِ والأمرُ بالناسِ مُشْتَدُّ
- أَتَوْا بِشَفِيعٍ لا يُرَدُّ وَلَمْ يَكُنْبِخَلْقٍ سوَاهُ ذلك الهَوْلُ يَرْتَدُّ
- فَأُطْفِئَتِ النارُ التي وَقَفَ الوَرَىحَيَارَى لَدَيْهَا لم يُعيدوا ولم يُبْدُوا
- فإنْ حَدَثَتْ مِنْ بَعْدِهَا نارُ فِرْيَةٍفما ذلك الشيءُ الفَرِيُّ وَلا الإِدُّ
- فللَّهِ سِرُّ الكائناتِ وجَهْرُهافكمْ حِكمٍ تَخْفَى وَكَمْ حِكَمٍ تَبْدُو
- وَقِدماً حَمَى مِنْ صاحِبِ الفيلِ بَيْتَهُولمَّا أَتى الحَجَّاجُ أَمْكَنَهُ الهَدُّ
- وَللَّهِ سِرٌّ أنْ فَدَى ابنَ خَلِيلِهِبِذَبْحٍ وَلَوْ لَمْ يَفْدِهِ شُرِعَ الوَأْدُ
- فلا تنْكِرُوا أن يحْرَمَ الحَرَمُ الغِنَىوَساكِنهُ مِنْ فَخْرِهِ الفَقْرُ وَالزُّهْدُ
- وقدْ فُدِيَتْ مِنْ مالِهِ خيرُ أُمَّةٍوَلَو خُيِّروا في ذلكَ الأمرِ لَمْ يَفْدُوا
- فَوا عَجَباً حتى البِقاعُ كَرِيمَةٌلها مثلُ ما للساكِنِ الجاهُ وَالرِّفْدُ
- فإنْ يَتَضَوَّع منه طِيبٌ بِطَيْبَةٍفما هو إِلَّا المَنْدلُ الرَّطْبُ وَالنَّدُّ
- وَإنْ ذَهَبَتْ بالنارِ عنه زَخَارِفٌفما ضَرَّهُ منها ذَهابٌ وَلا فَقْدُ
- أَلا رُبّما زادَ الحَبيبُ مَلاحَةًإذَا شُقَّ عنه الدِّرْعُ وَانتَثَرَ العِقْدُ
- وكم سُتِرَتْ لِلْحُسْنِ بالحَلْيِ مِنْ حُلىًوكم جَسَدٍ غَطَّى مَحَاسِنَهُ البُرْدُ
- وَأهْيَبُ ما يُلْقَى الحُسامُ مُجَرَّداًوَرَوْنقُهُ أَنْ يظْهَرَ الصَّفْحُ وَالحدُّ
- وَما تلكَ لِلإِسْلامِ إِلَّا بَواعِثٌعلى أنْ يجِلَّ الشَّوْقُ أوْ يَعْظُمَ الوَجْدُ
- إلى تُرْبَةٍ ضَمَّ الأَمانَةَ وَالتُّقَىبها وَالنَّدَى وَالفضْلَ مِنْ أَحْمَدٍ لَحْدُ
- إلى سَيِّدٍ لم تأْتِ أُنْثَى بِمِثْلِهِوَلا ضَمَّ حِجْرٌ مِثْلُهُ لا وَلا مَهْدُ
- وَلَمْ يمشِ في نَعْلٍ وَلا وَطِئَ الثَّرَىشَبِيهٌ لَهُ في العالَمِينَ وَلا ندُّ
- وَلَمْ تَخِدِ الكومُ العتاقُ بمثلِهِوَلا عَدَتِ الخَيْلُ المَسَوَّمَةُ الجُرْدُ
- عَلِيمٌ كريمُ الخِيمِ ما فوقَ عِلْمِهِوَلا مَجْدِهِ عِلْمٌ يُرَامُ وَلا مَجْدُ
- نبيُّ هُدىً أَهْدَى به اللَّهُ رَحْمَةًلنا لَمْ يَنَلْهَا السَّعْيُ منَّا وَلا الْكَدُّ
- وبَصَّرَهُ حتى رأى كلَّ غائبٍوصار سواءً عندهُ القُرْبُ وَالبُعْدُ
- وحتى رأَى ما خَلْفَهُ وَهو مُقْبِلٌبِقَلْبٍ تساوَى عندهُ النَّومُ والسُّهْدُ
- فيا لَيْلَة أَسْرَى الإِلهُ بِعَبْدِهِلقد نالَ فيه ما يُؤَمّلهُ العَبْدُ
- وفاءٌ وَلا وعْدٌ وَوُدٌّ ولا قِلىًوقُرْبٌ ولا بُعْدٌ ووصْلٌ وَلا صَدُّ
- وجاءهُم بالبيِّنَاتِ التي بَدَتْبراهنها كالشَّمسِ لَمْ يُخْفِها الجَحْدُ
- وذِكْرٍ حَكَى معْناه في الحُسْنِ لَفْظُهُويُشْبِهُ ماءَ الورْدِ في طِيبِهِ الورْدُ
- وقد أُحْكِمَتْ آياتُهُ وتشابَهَتْفَلِلْمُبْتَدِي وِرْدٌ وَلِلْمُنْتَهِي وِرْدُ
- وإنْ كانَ فيها كالنُّجومِ تَناسخٌفطالِعُهَا سَعْدٌ وغاربُها سعْدُ
- وَإنْ قَصُرتْ عَنْ شَأْوِهَا كلُّ فِكْرَةٍفَلَيْسَتْ يَدٌ للأنْجُمِ الزُّهْرِ تَمْتَدُّ
- فلمَّا عَمُوا عنها وصَمُّوا أَراهُمسُيوفاً لها بَرْقٌ وَخَيْلاً لها رَعْدُ
- وَمَنْ لَمْ يَلِنْ منهُ إلى الحَقِّ جانِبٌبِقَولٍ أَلانَتْ جَانِبَيهِ القَنا المُلْدُ
- وقد يُعْجِزُ الدَّاءُ الدَّواءَ مِن امرِئٍوَيَشْفِيهِ مِنْ داءٍ به الكيُّ والفَصْدُ
- فَغَالَبَهمْ قَوْمٌ كَأَنَّ سِلاحَهُمْنُيُوبٌ وَأظْفَارٌ لهُمْ فَهُمُ أُسْدُ
- ثِقاتٌ مِنَ الإِسلامِ إنْ يَعِدُوا يَفُواوإنْ يُسْأَلُوا يُهْدُوا وإنْ يُقْصَدُوا يُجْدُوا
- وَأَمَّا مَكانُ الصِّدقِ منهم فإنّهمقالُهُم وَالطَّعْنُ والضَّرْبُ والوعدُ
- إذا درَعُوا كانتْ عُيُونُ دُرُوعِهِمقلوباً لها في الرَّوْعِ مِنْ بَأْسِهِمْ سَرْدُ
- يَشُوقُكَ منهم كلُّ عِلْمٍ وَنَجْدَةٍتَحَلَّتْ بِكلٍّ مِنهُما الشِّيبُ وَالمُرْدُ
- بهاليل أمَّا بَذْلُهُمْ فِي جِهادِهمْفأنْفُسُهُم وَالمالُ والنُّصْحُ وَالْحَمْدُ
- فللَّهِ صِدِّيقُ النبيِّ الَّذي لهُفضائلُ لمْ يُدْرَكْ بِعَدٍّ لها حَدُّ
- فإنْ يَتَخَلَّلْ بالعباءَةِ إنهبذلك في خُلَّاتِهِ العَلَمُ الفَرْدُ
- ومَنْ لَمْ يَخَفْ في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍوَلَمْ يُعْيِهِ قِسْطٌ يُقامُ وَلا حَدُّ
- وَلا راعَهُ في اللَّهِ قَتْلُ شَقِيقِهِألا هكذا في اللَّهِ فلْيَكُن الجَلْدُ
- ومنْ جَمَعَ القرآنَ فاجْتَمَعَتْ بهفضائلُ منهُ مِثْلَ مَا اجْتَمَعَ الزُّبْدُ
- وجَهَّزَ جَيشاً سار في وقت عُسْرَةٍتَعَذَّرَ مِنْ قوتٍ به الصَّاعُ والمُدُّ
- وَمَنْ لَمْ يُعَفَّر كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُجَبينٌ لغيرِ اللَّهِ منه ولا خَدُّ
- فَتَى الحَربِ شَيخُ العِلْمِ وَالحِلْمِ وَالحِجَىعَلِيُّ الذي جَدُّ النبيِّ لهُ جَدُّ
- ومَن كانَ مِنْ خيرِ الأَنَامِ بِفَضلِهِكهارونَ مِن موسَى وذلِكُمُ الجَدُّ
- إذا غَمَزَتْ كَفُّ الخطوبِ قَناتَهُتَوَهَّمْتَ أَنَّ الخَطْبَ ليس لهَ زَنْدُ
- وإنْ عَجَمَتْ أَفواهُها عُودَ بأْسِهِأَفادَتْكَ عِلْماً أنَّ أَفواهَها دُرْدُ
- يُوَرِّدُ خَدَّيْهِ الجِلادُ وسَيْفَهُفذَاكَ إذَا شَبَّهْتَهُ الأَسَدُ الوَرْدُ
- وعِنْدِي لكمْ آل النبيِّ مَوَدَّةٌسَلَبْتُمْ بها قلبي وصارَ له عِنْدُ
- عَلَى أنَّ تَذْكَارِي لِمَا قدْ أَصابكميُجَدِّدُ أَشجاني وإنْ قَدُمَ العَهْدُ
- فِدىً لكُم قَوْمٌ شَقُوا وَسَعِدْتُمُفدارُهُمُ الدُّنيا ودارُكم الخلدُ
- أَتَرجونَ مِن أَبناءِ هِند مَوَدَّةًوَقَد أَرضَعتهُم دَرَّ بِغضَتِها هِندُ
- فَلا قَبِلَ الرَّحْمنُ عُذْرَ عُداتِكمفإنهم لا يَنْتَهُون وإنْ رُدُّوا
- إليكَ رسولَ اللَّهِ عُذْرِي فإنَّنيبِحُبِّكَ في قَوْلِي ألِينُ وَأَشْتَدُّ
- فإنْ ضاعَ قَوْلِي في سِوَاكَ ضلالَةًفما أنَا بالماضي مِنَ القَوْلِ مُعْتَدُّ
- وَمَا امْتَدَّ لِي طَرْفٌ ولا لانَ جَانِبٌلِغَيْرِكَ إلا ساءني اللِّينُ والمَدُّ
- أأشْغَلُ عَنْ رَيْحَانَتَيْكَ قَرِيحَتِيبِشيحٍ ورَنْدٍ لا نَما الشِّيحُ وَالرَّنْدُ
- وأَدْعُو سِفاهاً غيرَ آلِكَ سادتيوهلْ أنا إنْ وُفِّقتُ إِلَّا لهُمْ عَبْدُ
- فلا راحَ مَعنِيّاً بِمَدْحِيَ حاتِمٌولا عُنِيَتْ هند بِحبِّي ولا دَعْدُ
- ولا هَيَّجَتْ شَوْقِي ظِباءٌ بِوَجْرَةٍولا بَعَثَتْ وصْفِي نَقَانِقُها الرُّبْدُ
- ويا طِيبَ تَشْبِيبي بِطَيْبَةَ لا ثَنَىعِنانَ لِساني عنكَ غَوْرٌ ولا نَجْدُ
- فَهَبْ لِي رسولَ اللَّهِ قُرْبَ مَوَدَّةٍتَقَرُّ بِهِ عَيْنٌ وتَرْوَى بِهِ كبدُ
- وإني لأَرْجو أنْ يُقَرِّبَني إِلَىجَنَابِكَ إرُقالُ الرَّكائِبِ والوخْدُ
- وَلَولا وُثُوقِي منكَ بالفوزِ في غَدٍلما لذَّ لِي يَوْماً شَرابٌ ولا بَرْدُ
- عَلَيْكَ صلاةُ اللَّهِ يُضْحِي بطيبَةٍلَدَيْكَ بها وفْدٌ ويُمْسِي بها وفْدُ
- ودامَتْ كأَنْفَاسِ الوَرَى في تَرَدُّدٍعَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ التَّحِيَّةُ والرَّدُّ
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.