قصيدة
كل ما تبتغيه منا الحياة
العنوان هو المطلع.
جميل صدقي الزهاوي · قافيتها غير موسومة · 210 أبيات
- كل ما تبتغيه منا الحياةهو أن لا تصيبها النكبات
- وهي إن نابها الأذى فتمادىلم يطل للايلاف منها الشكاة
- حسبها أن تكون بين تضاعفأذاها في ساعة لذات
- إنها وحدها السعادة إلاأنها ما لها طويلا ثبات
- إنما في الحياة جمع لما شت وفي الموت للجميع شتات
- غير أن الحياة ليس سواءفهي أما نعم وأما أذاة
- ولها أن راقبتها من قريبحسنات ومثلها سيئات
- حبذا لو كانت لصاحبها قدغلبت سيئاتها الحسنات
- أنا راض عنها وان تك قد حاقت أخيراً منها بي الويلات
- طب بعيش به الحياة تجودإنها إن تصرمت لا تعود
- أغتنمها فأنت بعد قليلجثة تحتوي عليها اللحود
- حبذا أحلام الحياة حساناًوالأماني جمة والوعود
- إنما في الهواء طلقاً لمن يحيا وفي نور الشمس عيش رغيد
- والذي يسمع العنادل تشدوويرى أزهار الربيع سعيد
- أنت في مخصب من العيش ترعىقل فماذا من بعد هذا تريد
- كل ما يبسط الحياة صديقلك أما ما غمها فلدود
- ولقد لا تسر شيخاً حياةهو منها ذاك القريب البعيد
- وإذا ما مللت أرضاً ومنهاسرت تبغي أخرى فأنت الرشيد
- كل شيء إذا نزلت بلاداًلم تطأها قبلا فغض جديد
- لا تقل للجمال في الأرض حدليس في الأرض للجمال حدود
- أبصر الدوح انه فينانوانظر الزهر انه فتان
- وارمق المورقات خضراً جلاهن من الليل عارض هتان
- واسمع الورق فوق أفنانها الملدتغني كأنهن قيان
- ليس ما تبصر العيون بأبقىروعة مما تسمع الآذان
- وكأن الرعد الملعلع ليلاهو ضحك الطبيعة الرنان
- وكأن البرق الملألئ فيههو للحسن باسما عنوان
- وكأن النجوم حين تراهالؤلؤ في السماء أو مرجان
- وكأن الصباح ساعة يبدومسفراً خود جسمها عريان
- وكأن الشمس المضيئة تنور تلظى في جوفه النيران
- كأن الأشياء بعد جفاءقد أرادت أن يسعد الإنسان
- اعترت نفسي هزة الأفراححينما بان لي بياض الصباح
- ولقد كان قبله الليل يدجوقابضاً للقلوب والأرواح
- وتلوح النخيل في عدوتي دجلة للناظرين كالأشباح
- وعليها الحمام يهتف شجواًولعل الهتاف صنو النواح
- حبذا الصبح ماسحاً لظلامالليل عن حر وجهه الوضاح
- وكأن الصباح عذراء فكتعن نصيع قد بض زر الوشاح
- ثم مرت بالروض تنصت فيهلأغاريد البلبل الصداح
- بسمت للاقاح بعد سلامواحتفت بالجورى بعد الاقاح
- أخذت قبضة من النور فياضاً وألقت به على الأدواح
- ما زمان الشباب إلا ربيعفيه نور يزهو ونبت يضوع
- طلعت للسرور فيه نجومثم غابت عني فعز الطلوع
- وكأن الشباب للجذل الدائم واللهو والهوى ينبوع
- لم يزل بي إلى الشباب وأيام له قد ذهبن عنه نزوع
- حبذا لو يكون لي بعد أنولى شبابي يوما إليه رجوع
- ما أحب الحياة عندي وان كانت بأحشائي اليوم منها صدوع
- إنها لا تزال مالكة تأمرني أن أطيعها فأطيع
- هي أفراح مرة وهموموابتسامات تارة ودموع
- لم يحبب إلى عيشي إلاأمل غامض الحدود وسيع
- كل ما حف بالحياة جميلغير أن البقاء فيها قليل
- شجر باسق تغنى طيورفوق أفنانه وظل ظليل
- وعلى مقرب من الدوح يجري جدول سكب ماؤه سلسبيل
- وبساط نسيجه الزهر قد جرت عليه من الرياح ذيول
- تطلع الشمس في الصباح فتعلوفي سماء زرقاء ثم تميل
- فإذا ما علت يسر غدووإذا ما مالت يطيب الأصيل
- نحن لولا الحياة كنا جماداًما له إحساس ولا معقول
- ولعل الجمال في النفس مناوبها للخفاء عنه ذهول
- وكأن الأشياء قد خلقت ليغير أني عنها بها مشغول
- يا حياتي أنت الحقيقة عنديفيك حتى أموت نحسي وسعدي
- أيها الليل إنني من مكانيلسلامي إلى نجومك أهدي
- أيها البدر كنت تطلع قبليأيها البدر سوف تطلع بعدي
- أيها البرق في السحاب تألقأنت سيف مجرد ذو فرند
- أيها الصبح أنت أجمل شيءلسروري جماً يعيد ويبدي
- أيها اليوم موسم أنت فخمشغل الناس بين أخذ ورد
- أيها الشعر أنت أشجى غناءأنا فيه أبث صادق وجدي
- ليس شعر يقوله شعراءقلدوا من تقدموهم بمجدي
- إنما الشعر ما إذا انشدوهكان يستنهض الشعوب ويهدي
- أو أثار الشعور في سامعيهمثل لحن من ذي أغاني يشدي
- ولقد عاب القوم في سربهم أنني إذا ما طاروا معاً طرت وحدي
- سبقت لي سعادة وشقاءفي حياتي وضحكة وبكاء
- ولقد هونت على النفس منيقبل هذا ضراءها السراء
- غير أني وهنت في كبري عنحمل ما كلفتني الأعباء
- ثم إني ما زلت صباً بهايغلبني يأس تارة ورجاء
- إنني لم أزل أشاء بقائيغير أن الأيام ليست تشاء
- ذهب الصيف والربيع سريعين وجاء الخريف ثم الشتاء
- وخبت للشقاء ناري إذا البرد قريس وليلتي ليلاء
- وسألقى منيتي عن قريبإنني من لقائها مستاء
- ما لنفسي تخشى لقاء المناياولماذا يروع هذا اللقاء
- أ لأني إذا هلكت عداتيكل ما قد أحبت الحوباء
- وإذا الأرض في غد بلعتنيلا تراني ولا أراها السماء
- أبعدوا عني كل شيء فإنيإن أمت لا تفيدني الأشياء
- أيها الموت إنما أنت آتيأنت يوماً مجردي من حياتي
- أيها الموت أنت من بعد حينمخرجي من نورٍ إلى الظلمات
- أيها الموت فيك بعد قليلأيها الموت تنتهي حركاتي
- ما حياتي ألا كسلسلة أنت ستأتي في آخر الحلقات
- وسيأتي يوم سأحرم فيهكل ما في الحياة من طلبات
- وسيبلى في جوف قبري جسميوستفني ذاتي وتفني صفاتي
- أنا من بعد ما سأهبط قبريتتساوى عيشتي وغداتي
- أيها الموت أنت حزن لأصحابي جميعاً وبهجة لعداتي
- أنت للبعض من اجل الرزاياولبعض من أكبر الحسنات
- كم بطفل فجعت أما رؤوماوفجعت الأبناء بالأمهات
- كم تخرمت بين زمر ورقصليلة العرس من فتى وفتاة
- عبثاً قد حاولت أن لا أموتاعبثاً قد رفعت حولي البيوتا
- عبثا قد جمعت خوف ضياعكل ما كان من أموري شتيتاً
- بعد تلك المسومات عراباًليس بدعاً أن اركب التابوتا
- ينكر العقل أن تدوم حياةقد تقصي كتابها الموقوتا
- وهو بعد اختباره موشك أنيتعدى في جحده الملكوتا
- قد بدت لي حقائق غير إنيشئت عن ذكر ما بدا لي السكوتا
- حان لي أن أردى فتحمل نفسيمعها أسراراً ثبتن ثبوتا
- حيثما التفت أشاهد أماميشبح الموت مشبهاً عفريتا
- فأرى النار في يد تتلظىوأرى السيف في يد أصليتا
- أيها الموت إنما أنت قاسيأيها الموت رافة بالناس
- أيها الموت ما لخطبك إن حاق مرد ولا لجرحك آسى
- تعتري الناس إن مررت عليهموقفة في القلوب والأنفاس
- طالما قد أقمت في ردهة الدار المناحات موضع الأعراس
- ونقلت الذين عاشوا بنعممن قصور شمٍ إلى الارماس
- وكأني إذا هلكت جمادلم يكن لي شيء من الإحساس
- بي لا تمشي بعد ذلك رجليفوق ارض ولا يفكر رأسي
- ما لما قد بنيته من صروحللأماني فخمة من أساس
- أنت يا موت بالجميع تحيقما نجا حتى اليوم منك رفيق
- أنت تستهوي كل فرد فيغفيوإذا ما أغفى فلا يستفيق
- رب حر إذا تجاهر بالحق يقولون كافر زنديق
- أيها الموت استبقني للقوافيأنا يا موت بالبقاء خليق
- ليس بي نازعا إلى الهلك يوماًنسب لي في الهالكين عريق
- لست أدري إذا اتبعتك في سيري إلى أين بي سيفضي الطريق
- أي حزن به يحس وبرحعندما يدفن الصديق الصديق
- أنت كاللص قاحم للقصورهاتك في جرأة للستور
- تنزع المثرى السعيد من الأصحاب والمال والفراش والوثير
- تاركا خلفه يتامى صغاراًونساء يلد من بيض الصدور
- ومن القصر تنقل السيد الضخم إلى جوف مظلم من حفير
- أنت ذئب الأكواخ تخطف أطفال ذويها من حضنهم والحجور
- نازعاً للصغير من عضد الأم وللأم من بنان الصغير
- فرويداً يا موت انك قدأسرفت في القتل ثم في التدمير
- تتنزى على الجماجم تدمىساخرا من كرامة الجمهور
- ما لما قد قضيته من مردما لما قد خططت من تغيير
- أنت داء وليس كالأدواءأنت رزء وليس كالأرزاء
- أنت وحش ما زال في كل يوموالغاً من شراسة في الدماء
- أنت أقوى ناب بشدق الرزاياأنت أمضى سيف بأيدي القضاء
- أنت ذو سلطان على كل نفسأنت في الأرض حاكم والسماء
- أنت في الحكم مستبد فلا تنزل يوما فيه إلى الآراء
- أنت في السهل والجبال من الأرض وفي الماء كامن والهواء
- أنت لا يخفي عن عيونك فردفي الدجى أنت مبصر والضياء
- أنت باب يفضي بمن ولجوا فيه إلى اللانهاية السوداء
- منتهى للظهور في مسرح الكون لناس ومبدأ للخفاء
- نكصت عن لقائك الأقوامفإذا أنت الواثب الهجام
- أنت جلاد الناس تسرف في القتل وأنت المفاجئ الهدام
- كلنا في أمواج بحرك نفنيثم لا يفنى بحرك القمقام
- يهلك الشيخ الهم والرجل الكاهل والطفل راضعاً والغلام
- لك في محقنا تمد اللياليوالليالي تمدها الأيام
- وإذا ما انتجعت جسما سليماكثرت من روادك الأسقام
- وإذا كنت نازلا بمكانفهو موبوء ليس فيه سلام
- إن داء به تموت الصعاليك كداء به يموت الهمام
- تبلغ النفس يوم أودى مداهالا سماء ولا نجوم أراها
- وذا ما أوديت كانت حياتيقد أتى من أيامها منتهاها
- أنها من حقيقتي كل شيءكيف صبري عنها وما لي سواها
- في حياتي ذاتي وأما المنايافهي فقدانها فلا أرضاها
- هويت نفسي أن أعيش وان لمتك في يوم حرة في هواها
- وإذا ما نفس أقامت برمسفقد أسود ليلها وضحاها
- إذا ما بانت عن الجسم نفسيتساوى ضلالها وهداها
- ويح نفسي فإنها ستلاقيبغتة حتفها فما أشقاها
- لا أرى عوض الشمس بعد بواريتتجلى في صبح كل نهار
- لا أرى ما يزين جوف اللياليمن نجوم زهر ومن أقمار
- لا أرى الزهر باسماً في رياضطلها قبل الصبح صوب القطار
- من عرار وزنبق واقاحوشقيق ونرجس وبهار
- لا أشم الأريج تحمله الأرواح قد مست جانب الأزهار
- ثم لا أسمع الأغاريد تلقيها من الدوح جوقة الأطياروحفيف الأشجار قد مرت الر
- يح بها في العشي والأبكاروخرير المياه في النهر تجري
- وعلى وجهها ترف القمارىلا سماع لا رؤية لا شميم
- لا مذاق لا لمس ما في جواريأنا بعد الردى لفقدان حسي
- حجر جامد من الأحجارتتوالى حوادث الدهر فوقي
- ثم أني في حفرتي غير داريوستبقى آثار فكري بعدي
- ثم تفني كغيرها آثاريإن أفارق حسي فماذا اعتياضي
- عن شعوري وذكريات الماضيكلما عاودت فؤادي ذكرى
- ما مضى لي انتفضت أي انتفاضوعن الآمال التي لي تبدو
- كنجوم من نورها في بياضيوم كان الشباب غضاً فأمشي
- مرحا في ثوب له فضفاضفسلام على الشباب الذي قد
- بان عني وعهده الفياضشهق البلبل المتيم لما
- أبصر الورد دائم الأعراضوإذا البلبل المهان تولى
- فسلام على عروس الرياضأتراني أعنو لحكم المنايا
- إن أرادت اخذي بغير اعتراضأنا بالموت إن تيقنت كوني
- بعده واجداً حياتي راضيغير أني أشك فليتأن
- الدهر في بته لما هو قاضيأنا بالشعر بعد أن هد صرف
- الدهر صرحي أبكي على الأنقاضالمنايا لها سهام وإني
- غرض واحد من الأغراضبعد موت لهذه الأجساد
- ليس يبقى منهن غير جمادأيها الموت أنت في كل حين
- واقف للحياة بالمرصادهي تبني وأنت توسع هدماً
- إنها في واد وأنت بواديأيها الموت لا أبالك لا أن
- ت خفي عني ولا أنت باديقد من الناس من تشاء تجده
- لك رخو العنان سهل القيادرب ناس ماتوا جميعا وناس
- ذهبوا في أرض الهلاك بدادوقبور بنين فوق قبور
- وبلاد أقمن فوق بلادأزف الوقت أن أصير إلى ما
- صار قبلا أمي أبي أجداديوأخال الزمان ذا دوران
- فتعود الآزال في الآبادويعود الإنسان يوما كما كا
- نت جماعاته مع الأفرادإنني لم أخلد إلى غير حق
- فلماذا قد غاظهم أجلاديأيها الناس إن أردتم خلودا
- فاقتلوا الموت وادفنوه بعيداواجعلوا في يديه غلا ثقيلا
- وبرجليه مثل ذاك قيوداواسكبوا فوقه نحاساً مذاباً
- ورصاصا وجلمدا وحديداوابتنوا حوله من الصخر سورا
- واجعلوا السور عاليا ممدوداارفعوه إلى السماء وردو
- ه إلى الأرض ثم كروا صعوداوارصدوه من البعيد نهارا
- وارصدوه ليلا وكونوا شهودافعسى أن يبقى بذلك عما
- كان يأتيه من أذى مصدودابين ما قلت والحقيقة بعد
- ما لحي من المنية بدإنها في يوم تجيء فان جا
- ءت فما أن لها يكون مردإنها ثلمة الحياة التي قد
- وسعت وهي ثلمة لا تسدولعلي إذا رقدت بقبري
- بعد موتي يطيب لي فيه رقدإنني إن رقدت فيه فلا يز
- عجني كالأحياء حر وبردولعل الحياة ضرب من الفع
- ل خفي والموت للفعل ردأو هي الكهرباء حشو الخلايا
- وهو للكهرباء منهن فقدلم تزل هذه الطبيعة تبني
- ولما كانت قد بنته تهدان بين الحياة والموت حربا
- هو يبغي سحقا لها وهي تأبىولقد يجمع الجراثيم أجنا
- داً لها صولة فتزحف إلباًوتذوب الحياة عنها بجمع
- من كرياتها وجند معبىويكون الصدام بين الفريق
- ين عنيفاً وتلهب النار لهباتلك حرب بين الخلايا واعدا
- ء الخلايا تجد طعنا وضرباوهنالك القتلى تمزق أشلاء
- وتلك الأشلاء تؤخذ نهباولقد تحرز الحياة ظهوراً
- بعد لأي وقد تهادن غضبىوإذا الموت بعد ذلك ألفى
- خوراً في الحياة يهجم وثباوتظل الحياة تدرأ عنها
- الشر حتى تعيا فقضي نحباًربما كان الموت أجدى لناس
- ركبوا مركبا من الذل صعباأي خير من الحياة لعان
- كل يوم فيها يعالج كربا
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.