قصيدة
وقفت على المستنصرية باكيا
العنوان هو المطلع.
جميل صدقي الزهاوي · قافيتها ا · 54 بيتاً
- وقفت على المستنصرية باكياًربوعاً بها للعلم أمست خواليا
- وقفت بها أبكي قديم حياتهاوأبكي بها الحسنى وأبكي المعاليا
- وقفت بها أبكي بشعري بناتهاوأنعى سجاياها وأنعى المساعيا
- بكيت بها عهداً مضى في عِراصهاكريماً فليت العهد لم يك ماضيا
- بكيت بها المدفون في حجراتهامن العلم حتى بلَّ دمعي ردائيا
- أكفكف بالأيدي بوادر أدمعيويأبين إلا أن يفضن جواريا
- وطأطأت رأسي في ذراها تواضعاًوحييت بالتسليم منها المغانيا
- وسرحت أنظاري بها فوجدتهابناءً لتشييد المعارف عاليا
- بناءً فخيماً عز للعلم مثلهفقلت كذا فليبن من كان بانيا
- والفيت قسماً قد تداعى جدارهوقسماً على ما كان من قبل باقيا
- تهبُّ رياح الصيف في حجراتهافتلبسها ثوباً من النقع هابيا
- وتسعى الجدران منها عناكبتُجِدّ لها فيما تداعى مبانيا
- فالممت فيها بالرسوم دوارساوساءلت منهن الطلول بواليا
- وقلت لدار البحث عظِّمت محفلاوقلت لنادي الدرس حييت ناديا
- أكلية العلم الذي كان روضهنضيراً كما شاء التقدم ناميا
- بأية ريح فيكِ هبت زعازعتصوَّح ذاك الروض فاجتث ذاويا
- لقد كنت فيما قد مضى دار حكمةبها يعلم الناس الحقائق ماهيا
- فكنتِ بأفق الشرق شمساً مضيئةتشعين نوراً للمعارف زاهيا
- وكانت بلاد الغرب إذ ذاك في عمىتقاسى من الجهل الكثيف الدياجيا
- فأين رجال فيك كانوا مشائخاًإليهم يحث الطالبون النواجيا
- وكانوا بحاراً للعلوم عميقةوكانوا جبالاً للحلوم رواسيا
- وكانوا مصابيح الهدى ونجومهابهم يهتدى من كان في الليل ساريا
- يميتون في نشر العلوم يهارهمويحيون في حل العويص اللياليا
- نواحيك من طلابها اليوم أقفرتوكانوا ألوفاً يملأون النواحيا
- فقالت وقاك اللَه لا تسأَلنّنيفمالك نفع في السؤال ولا ليا
- فقلت أجييني كما كنتِ سابقاًتجيبين من قد جاء للعلم راجيا
- فقالت ألمت حادثات عظيمةوجرَّت عَلَى هذي البلاد دواهيا
- هناك استبد الدهر بالناس مُبدلافرفّع مخفوضاً وسفّل عاليا
- هناك اضمحلت دولة عربيةبها كانت الأيام ترفع شانيا
- وعُوّض عنها دولة ثم دولةتُسَرُّ بكون الجهل في الناس فاشيا
- وذاك لأن العلم للمرء مرشديعلمه عن حقه أن يحاميا
- عرت نكبات الدهر بغدادَ بعدمابها رَدَحاً ألقى السلام المراسيا
- فأذهب ما للعلم من رونق الصباتتابعُ أحداثٍ يُشبن النواصيا
- وأدنى الذي قد نابها من نوائبخرابى ولولاها لما كان دانيا
- فكابدت منهن الصروف نوازلاًوقاسيت منهن الخطوب عواديا
- وأبدى على عزى القديم إهانتيرجال لشخص العلم كانوا أعاديا
- وأُهملت حتى انهد مني كما ترىمبانٍ لنشر العلم عزت مبانيا
- وصرت على حكم الذين تحرّزوامن العلم يا هذا إلى ما ترانيا
- فقد ذوىَ الغصن الذي كان ناضراًوقد عطِّل الجيد الذي كان حاليا
- أضاءت قرون بي هي اليوم قد خلتفسل إن تشأ عني القرون الخواليا
- وكنت أرجى أن تعود عمارتيإذا بعث الرحمن للعلم راعيا
- فأمّلت عمراً ذلك العَود باطلاًوعشت له دهراً أُمنَّى الأمانيا
- أرجِّى بها أني ألاقي شبيبتيفأيقنت هذا اليوم أن لا تلاقيا
- لقد نقض الأيام بالعجم مِرّتيومرُّ الليالي يَتبّعن اللياليا
- ورنَّق عدوان الزمان معيشتيفمن ليَ أن ألقى الزمان مصافيا
- ومزَّقني الباغون كل ممزَّقولا أحد عن فعل ذلك ناهيا
- فقد صيروا للحفم بعضى مخازناًوبعضي حوانيتاً وبعضي ملاهيا
- وحُطَّت بساحاتي ابتغاء رسومهابضائع للتجار تشقى الأهاليا
- ولاقيت منهم كل خسف وجفوةٍفماذا عسى من بعد ذا أن أُلاقيا
- أَبِيتُ بِلا ضوء ينير دجنتيوَيدفع عني وحشتي وظلاميا
- أُغل فلا أُسقى من الماءِ شربةودجلة تجري بالنمير أماميا
- فيا ليتني كنت امَّحَوت بأجمعيولا كان في حالي كذا الذل باديا
- كما أنه أختى النظامية امحَّتولم يبقِ من آثارها الدهر باقيا
- وكل جديدٍ سوف يرجع للبِلىإذا لم يكن منه له اللَه واقيا
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.