قصيدة
ألا إنما هذا الذي لك أنقل
العنوان هو المطلع.
جميل صدقي الزهاوي · قافيتها غير موسومة · 102 بيت
- ألا إنما هذا الذي لك أنقلله مثلما أرويه أصل مؤصَّلُ
- قضى أحد الضباط في الحرب نحبهوكانإذا دارت رحى الحرب يبسُل
- وخلَّف زوجاً قلبها رهن حبهوكان له قلب بها متشغِّل
- من اللاء لم يأتين فاحشة ولازُنن بما منه العقائل تخجل
- نوار كشخص للعفاف مجسمفإن ذكر الناس العفاف تمثل
- ترقرق ماء الحسن في وجهها الذيهو البدر ليل التِمِّ أو هو أجمل
- فجلَّ لفقدان الوليّ مصابهاوباتت تناجي الهم والعين تهمل
- وقد كان منها الخد كالورد زاهيافأصبح ذاك الورد بالهم يذبل
- ولازم حمى الدق ناعم جسمهافأمست على رغم الشبيبة تنحل
- ويعرق منها الجسم في كل ليلةوتنفث من سُل دماً حين تسعلُ
- وأنشب في أحشائها الداء ظفرهفظلت له أحشاؤُها تتبزل
- سقام بها أعيا الأطباء برؤهإذا لم يعنها اللَه فالأمر مشكل
- أمكروب داءِ السل هل أنت عارفلمن أنت تؤذي أو بمن أنت تنكل
- أرحها فما أبقيت إلا حُشاشةبها حكمها عما قريب سيبطل
- تجنب فقد مزقت أحشاء صدرهاأَأَنت بها حتى الممات موكل
- وفسّح لها في العمر وارحم شبابهافإنك إن أرجأتها أنت مفضل
- لكِ اللَه من مسلولة حان حينهاوعما قليل للمقابر ترحل
- وفاجأَها فقر فباعت لدفعهِأثاثاً به قد كانت الدار تجمل
- إلى أن تخلى البيت من كل ما بهولم يبق فيه ما يباع ويُنقل
- تجانبها الأدنى وكل لداتهاوأعرض عنها جارها المتمول
- هنالك أبدى الجوع ناجذه لهاوزاد بها الداء الذي هو معضل
- فخارت قواها في غضير شبابهاوحارت فلم تدر الذي هي تفعل
- كذلك جسم المرء يأكله الطوىإذا المرء لم يلف الذي هو يأكل
- فسارت على ريث تؤمُّ محلَّةترجِّى بها خيراً لها وتؤمل
- وتزجي لها طفلاً جميلاً أمامهاكما تستحث الخِشف ادماء مغزل
- لقد أضعف الجوع المبرِّح خطوهفسار وفي أحشائِه النار تُشعل
- يحور إليها بالبكاء فتنحنيعليه وتُسلى قلبه وتقبل
- وتمسح عينيه اللتين أذالتادموعاً على الخدين منه تسلسل
- تحاول أم الطفل منع دموعهولكنها رغما عن الأم تهطلُ
- خبير بقصر الأم يشكو لها الونىبعينيه إلا أنه ليس يسأل
- تروح إلى دار الحكومة تبتغيمعاشاً لها مستأخراً ليس يحصل
- ريالان بعد الزوج قد رُتبا لهاوذلك نزر ليس بالعيش يكفل
- تقول لذي أمر على المال سيديإليك بجاه المصطفى أتوسل
- أنلني معاشي اليوم وارحم فإنناجياع إذا لم نُعطَ من أين نأكل
- فأوسعها شتما ورد سؤالهاوقال لها موتي طوى لست أبذل
- فعادت على يأس لها ملءَ قلبهاوقد خنقتها عبرة تتغلغل
- أمالك أمر المال إنك زدتهاسقاماً على سقم أقلبك جندل
- ألم ترَ أن السل أنحل جسمهاوحملها الإعواز ما لا تحمل
- منكدة قد طالبتك بحقهافلو كنت تقضي سؤلها كنت تعذل
- وآبت إلى المأوى فباتت على طوىتكابد طول الليل والليل أليل
- وأعوزها زيت تنوِّر بيتهابه والدجى سجف على الأرض مسبل
- فجرَّ إليها الليل أجناد همِّهاإذا فرَّ منها جحفل كرَّ جحفل
- تقول ألا مالي أرى الصبح مبطئاًوعهدي به في سالف الدهر يعجل
- فيا ليل ما أدرى وقد طلتَ داجياًأعتبي على الأيام أم أنت أطول
- ألا ليت أمي لم تلدني أو اننينفتني المنايا قبل أنيَ أعقل
- برمت بمالي من حياة فإنهاشقائي وإن الموت منها لأفضلُ
- حياة أمرَّتها الرزايا كأنمايمازجها منهن صاب وحنظل
- وعتبي على الأقدار فهي بما جرتبه لم تكن أستغفر اللَه تعدل
- فيا موتُ زر إن الحياة تعاسةويا نفس جودي إن دهرك يبخل
- وما سفري إن متُّ ينأَى وإنماإلى بطنها من ظهرها اتنقل
- ألا إن بطن الأرض للمرء منزلكما أن ظهر الأرض للمرء منزل
- ولم أرَ بين المنزلين تفاوتاًسوى أن ذا أعلى وذلك أسفل
- ولا مثل بطن القبر دار عدالةتساوى بها حالا رؤوس وأرجل
- ولست على الشكوى أدوم إذا دناحمامي إلا ريثما اتحوَّل
- ولكن روحي للسماء رقيهاهنالك من نجم لنجم تجول
- إلى أن تلاقي روح زوجي صادقفتتصل الروحان والبين يخجل
- فلو أبصرت روحي على البعد روحهإذاً لمشت روحي إليه تهرول
- تقبل روحي روحه وتشمُّهوتشكو إليه ما بها كان ينزل
- وتمسك بالأيدي بفضل ردائهوما أن تخلِّى بعد للحرب يرحل
- وقولي له يا روح بعدك عيشناتعسر حتى كاد لا يُتَحمَّل
- أصبح من قد كان بالأمس سائلاًبأحوالنا عما بنا ليس يسأل
- تجنبنا الأدنى ومن كان صاحباًومن كان يطرينا ومن كان يجمل
- وخرّى على أقدامه وتذلليله أن من يبدي الهوى متذلل
- وفي فمها بان ابتسام كأنهاتشاهد شخص الزوج فيما تخيَّلُ
- تراه قريب الأرض في الجو ثابتاًفلا هو يستعلي ولا هو ينزل
- فمدت يداً نحو الخيال مشيرةإليه وقالت وهي في البين تسعل
- بربك أنبئني أإنك صادقيقد ازدرت أم أنت الخيال الممثل
- فإن كنت إياه فقل غير كاتملماذا لماذا أنت لا تتنزل
- أصادق أنت السؤل للنفس فاقتربوأنت لها أنت الرجاء المؤمل
- فإن كان لي ذنب به عفتَ مسكنيفإني لذاك الذنب بالدمع أغسل
- إذا ذكرتكَ النفس جاشت صبابةوفار عليها من غرامك مِرجل
- تبدَّل مني كل شيء عهدتهولكنما حبيك لا يتبدل
- فهل أنت في حبي كما كنت سابقاًوقلبك كالقلب الذي كنت تحمل
- إذا كنت عني أنت وحدك راضيافكل صعوبات الحياة تسهل
- هلم إلى جنبي فإني مريضةبحمى قوى جسمي بها تتزلزل
- وسارع وأحضر لي طبيباً مداوياكما كنت قبلا إن تشكيتُ تفعل
- ولكنني أخطأت فيما طلبتهذهولا ومن قاسى الحوادث يذهل
- فإني لا أبغي سواك مداوياًفأنت طبيبي والشفاء المؤَمل
- أقم عندنا لا ترحلّن فإن تُقمفكل نحوسات الزمان ترحل
- نعيش كما كنا نعيش بغبطةونمرح في ثوب السلام ونرفُل
- فحينئذٍ لا حادث يستفزِّناولا أحد بيني وبينك يفصل
- وغاب فقالت آه بل أنت ميتولكنما روحي إليك ستقبلُ
- وحانت لصوب الطفل منها التفاتةفقالت وفياضٌ من الدمع مهمل
- ولكن صبِّي من يقوم بأمرهإذا زارني حتفي الذي أتعجل
- أَأَترك من بعدي صغيري أحمداًوحيداً بلا حامٍ بهِ يتكفل
- وأحمد ريحاني فإن أَبتعد فمنيشممه بعدي ومن ذا يقبل
- أليست تكاليف الحياة التي لوتجناحي على طفل كأحمد تثقلد
- وأغمى من جوع على الطفل أحمدٍفصاحت أغث ربي عليك المعول
- أطلَّت عليها جارة ذات عيلةلتعلم من في ظلمة الليل يعول
- ونادت من الباكي كذا بحرارةوذيل الدجى الضافي عَلَى الأرض مسدل
- أجابت بصوت راجف متقطعوقالت أنا يا هذه أنا سنبل
- جعادة إن ابني تُغَيَّبُ نفسهمن الجوع إن الجوع ويلي يقتل
- جعادة إن ابني الوحيد هو الذيبهِ في ليالي وحدتي أتعلل
- جعادة أن الأمر جدٌّ فأدركيوللجار حق واجب ليس يغفل
- فجاءت إليها بالسراج وَنبَّهتقوى الطفل حتىّ عادَ يَرنو وَيعقل
- سقته حليباً كان ملءَ ثديِّهافنام وباتت أمه تتململ
- وتذرف عيناها الدموع وقلبهاتظلُّ به الأحزان تعلو وتسفل
- إلى الصبح حتى بان فانطلقت إلىمحلِّ بهِ أهل المبرة تنزل
- عليها ثياب رثة وملاءةكأحشائها في كل آن تبزل
- تكفكف دمعاً بالبنان وكلمامشت خطوة أو خطوتين تمهل
- تمد يميناً بالسؤال ضعيفةوتخجل منهم عند ما هي تسأل
- أأرملة الجندي لا تخجلي فمنحقوق العلى أن الحكومة تخجل
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.