قصيدة
إليك تتوق أيتها السماء
العنوان هو المطلع.
جميل صدقي الزهاوي · قافيتها ء · 73 بيتاً
- إليك تتوق أيتها السماءُنفوسٌ قد أضرَّ بها الشقاء
- ومضَّتها على الأرض الرزاياوأسأمها بمحبسها الثواءُ
- أَحِقِّي يا سماء مُنى نفوسإليك لها إليك لها التجاء
- ترجِّي فيك بعد الموت عيشاًفوا أسفاه إن خاب الرجاءُ
- عِدينا ثم إن شئت امطلينافإنا بالوعود لنا اكتفاءُ
- وإنا نحن قوم قد أُهنَّاوإنا نحن قوم أبرياءُ
- وإنا قد عشقنا الموت لماسمعنا ذكره فمتى اللقاء
- إذا أمست حياة المرء داءًفليس سوى الحمام لها دواءُ
- يشاء المرء أن يحيا سليماًولكنَّ الحوادث لا تشاءُ
- وما حب المعيشة في ديارٍلأحرار النفوس بها جفاءُ
- فلا سقيا ولا رعيا لأرضٍتُراق على جوانبها الدماءُ
- وما سلمت عليها قبل هذامن الأرزاء حتى الأنبياء
- أنفسي إن جزعت من المنايافإني منكِ يا نفسي براءُ
- عبدتِ الأدنياءَ رجاءَ دنياحوتها بالخداع الأدنياءُ
- وأُوردت الهوان فلم تُعافىفأين تحدثي أين الإباءُ
- أَبيني يا سماء وخبرينابما لم ندر دام لكِ العلاءُ
- ولا زالت على مرِّ الليالينجومك يستضئ بها الفضاءُ
- هل الأرواح بعد الموت منالها في جوِّك السامي بقاءُ
- أم الأرواح تابعة جسوماًلنا تبلى فيلحقها الفناءُ
- فضاؤُك هل يصير إلى انتهاءٍأم الأبعاد ليس لها انتهاءُ
- وحقٌّ أن للإجرام حداًأم الحدُّ الذي يعزى افتراءُ
- وبعد نهاية الأجرام قوليخلاءٌ في الطبيعة أم ملاءُ
- يحيرني امتدادك في الأعاليويبهجني بزرقتك الصفاءُ
- أُحبُّ ضياء أنجمك الزواهيفأحسنُ ما بأنجمك الضياءُ
- نجومك في دوائر سابحاتٍيحف بها المهابة والبهاءُ
- تَراءى في تحركها بطاءًوما هي في تحركها بطاءُ
- ولا هي في الجسامة لو علمناولا في بعدها عنا سواءُ
- أبيني يا سماء وخيِّرينيوإلّا دام في قلبي امتراءُ
- أيبقى المكثرون من الخطاياإذا ماتوا وليس لهم جزاءُ
- لعمركِ لا تريد النفس هذافما الجاني وذو التقوى بواءُ
- رأَيت البعض يخشع للمنايافيذكرها ويغلبه البكاءُ
- مخافة أن يُلمَّ الموت يوماببنيته فينهدم البناءُ
- ويضرب عن وراء الموت صفحاًكأن الموت ليس له وراءُ
- فإن تسأل يقل ما الموت إلانهاية كل من لهم ابتداءُ
- أضاءَتك الحياة وكنتَ قبلابليلٍ حشو ظلمته العماءُ
- وجودُك بعد ذاك الليل صبحوهذا الصبح يعقبه المساءُ
- رقيت من الجماد فصرت حياًتميِّره الدراية والذكاءُ
- أقول كذا ولم أزدد يقيتايما في الأمر لو كشف الغطاءُ
- فقلت له وبعض القول حقٌّصريح لا يجوز به المراءُ
- أليس يركِّب الأحياء طراعناصرُ أوضحتها الكيمياءُ
- فقال بلى فقلت له أليس العناصر لا تحسُّ ولا تشاءُ
- فقال بلى فقلت إذن فماذاجرى حتى استتب لها النماءُ
- وصارت بعد في الإنسان جسماًيفكِّر عاقلا وله دهاءُ
- فقال السر في التركيب أن المركَّب قد يقوم به ارتقاءُ
- إذا اتحدت عناصر في بناءٍتغيَّر وصفه ذاك البناءُ
- وجدَّ له خصائص ذات شأنٍعناصر جسمه منها خلاءُ
- وإن حياتنا والموت فاعلمأجيجٌ في العناصر وانطفاءُ
- ولكن التعصب في أناسٍأضلَّهم الهوى داء عياءُ
- وإفهام الجهول الحق مرّاًعناءٌ ليس يشبهه عناءُ
- وفي الأصل الجواهر لو علمناقوى منها الأثير له امتلاءُ
- تلاقى بينها فتكون منهاجواهر في النفار لها ولاءُ
- صغيرات الحجوم محقراتٌومنها الكائنات لها ابتناءُ
- تَضمّن قوتي جذب ودفعكما يبديه هذا الكهرباءُ
- وإن الشمس والاجرام طرّاًمن الحركات ولَّدَها السماءُ
- لكل مقولة منها إليهاعلى الدور ابتداءٌ وانتهاءُ
- فإن برزت فذاك لها وجودوإن خفيت فذاك لها فناءُ
- سماؤك هذه تحوي نجوماًلأكثرها عن البصر اختفاءُ
- فتحسب ما يريك الليل منهاشموعاً في الصباح لها انطفاءُ
- وما هي لو تعي إلا شموساًبها ليدَى منوِّرها اعتناءُ
- شموس قد أضاء الجوُّ منهاوزال بها عن الكون العماءُ
- يصغرها بعينك حين ترنولها بعدٌ هنالك واعتلاءُ
- أهمَّ بأن أعدّ الأرض منهاكواحدة فيمتعني الحياءُ
- فإن الأرض تابعة لشمسٍإلى أمّ النجوم لها انتماءُ
- فتيهي يا نعماء فليس شيءتكون فيك عنك له غناء
- فأنت لكل موجودٍ وجودٌوأنت لكل موجودٍ وعاء
- وهذا الجو أنت له امتدادٌوهذي الأرض أنت لها غطاء
- وإن وجود ما في الكون طراًعليك إذا تأملنا ثناء
- يليق يليق ما استعليت كبراًبشأنك يا سماء الكبرياء
- فقبل القبل كنت كذا سماءًولا شمسٌ هناك ولا ضياء
- ستفنى الكائنات وليس إلالوجه اللَه ثم لك البقاء
- فقلت له رعاك اللَه هذاعلى ما جاء في العلم اعتداء
- فإن حقائق الأشياء سرُّخفي ما لغامضه انجلاء
- وأبدت قبلنا الحكماء فيهاأقاويلاً فما برح الخفاء
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.