قصيدة
أطوف على ذاتي بكاسات خمرتي
العنوان هو المطلع.
عبد الغني النابلسي · قافيتها غير موسومة · 125 بيتاً
- أطوف على ذاتي بكاسات خمرتيوأستمع الألحان في حان حضرتي
- وأنفخ مزماري وأصغي لصوتهوأضرب دفي حين ترقص قينتي
- وأنشق من روضي نسيم حقائقيويسرح طرفي في حدائق نشأتي
- وعندي إلى رؤيا جمالي تشوقكثير وما عشقي لغير حقيقتي
- ويالهف أحشاءي على حسني الذيفؤادي به صب ويا فرط لوعتي
- أحن إلى ذاتي صباحاً وفي المساوغاية قصدي في العوالم رؤيتي
- وقد وعدتني اليوم نفسي بوصلهاغداً فمتى مني تقوم قيامتي
- وأرفع عن وجهي خماري مجرداًثيابي عن ذاتي وأهتك سترتي
- أبى الحب إلا أن أكون مولهاًبقلب على طول النوى متفتت
- وشوق كثيرٌ واصطبار ممنعوسقم وأشجان علي شديدة
- وإني لأرجو من حقيقتي اللقاوأطلب منها أن أفوز بنظرة
- فلا عجب أن بحت بالسر للورىوعربدت في هذا الوجود بسكرتي
- وتهت بمحبوبي على كل ناسكوغبت عن الأكوان بل عن هويتي
- وعندي انتظار كل يوم وليلةإلى رؤيتي بل كل وقت وساعة
- وما أنا إلا من أحب وإن منأحب أنا من غير شك وشبهة
- أردت ظهوري لي وما كنت خافياًفطورت في الأطوار من كل صورة
- وقد كنت قدماً في عمى ليس فوقهولا تحته أيضاً هواء بوحدة
- وللقلم الأعلى تنزلت من يديوللوح حتى للذوات الكثيرة
- وقد كنت عرشي واستويت علي منقديم زماني في الوجود برحمتي
- ومنه إلى الكرسي تنزلت بل إلىسمواتي السبع الطباق العلية
- وطورت أملاكي فلي كنت عابداًوطورت أفلا كي فدارت بقدرتي
- وعدت نجوما مشرقات على الورىأزيد ضياء في ظلام الدجنة
- وطورت شمساً في طلوع نهاركموما الليل إلا من نتائج غيبتي
- وصرت هلالاً تحسبون الشهور بيوأجلو عليكم ضوء شمس الظهيرة
- وقد صرت أياماً لكم وليالياًودهراً وساعات وكل دقيقة
- وطورت شكل الجان في الأرض قبلكموجئت لهم رسلاً لإبلاغ حجتي
- وقد كنت تكذيباً لرسلي منهمفصرت لهم أوفى هلاك ونقمة
- وفي كل أطوار الشياطين بينكمظهرت بوسواس لأصحاب شقوة
- وطورت في شكل العناصر ثم فيمواليدها في الأرض تلك الثلاثة
- ففي معدن طوراً وطوراً ظهرت فينبات وحيوان لتتميم حكمتي
- وكنت رياحاً من شمال ومن صباأهب فأروى عن حديث الأحبة
- وكنت بحاراً زاخرات على المدىتفيض فتبدي موجة بعد موجة
- وطورت أرضا ثم صرت جبالهالإرسائها فوق البحار المحيطة
- وإني على ما كنت فيه ولم أزلولي رتبة التنزيه أرفع رتبة
- وما كثرة الأطوار مني غيرتصفاتي ولا ذاتي ولا قدر ذرة
- وهل أنت في تخييل ذاتك باطناًتغيرت عما كنت في كل مرة
- فيجلو عليك الفكر ما قد أردت منزخارف أشباح هنا مستحيلة
- وذاك كهذا غير أن الخيال معتخيله في الغير لا في الهوية
- وما هي إلا أنت لا شيء ههناسواك فحقق سر تلك الحقيقة
- وإياك والتشبيه في كل موضعتوهمت فيه الغير وافطن للبسة
- وخذ كل ما ألقى عليك منزهاًولا تخش عاراً إن فهمت إشارتي
- وهذا الذي قد قلته كله أناظهرت به لي قاصداً لنصيحتي
- ولما انقضت أطوار ذاتي بمقتضىصفاتي وأسماءي العظام الجليلة
- وتم التباسي بالذي أنا مظهرله من شخوص فصلتها إرادتي
- وسويت جسم الكل بي فهو قابللروحي وتفصيلي استعد لجملتي
- جمعت من الأشياء طينة آدمومنها إلى الكل الرقائق مدت
- وخمرتها حتى تناسق نشؤهاوسويتها حتى لنفخي استعدت
- ولما استتم الأمر واستكمل الذيأردت من الأجمال في البشرية
- ففي تلك من روحي نفخت وقد سرتنسائم أمري في رياض الطبيعة
- فقمت سميعاً باصراً متكلماًمريداً عليماً ذا حياة وقدرة
- فلم يبد مني غير ما هو كائنلدي وبي مني على حكومتي
- فكنت كماء لونه من إنائهوكالشمس تبدي خضرة بالزجاجة
- وأسجدت أملاكي بأمري لمظهريفكان سجودي لي وآدم قبلتي
- ولما أبى إبليس عن تكبراًولم يأت لي من بعد أمري بسجدة
- عن الملا الأعلى له كنت مخرجاًوآب بخسران وطرد ولعنة
- وأسكنته في الأرض أظهر كامناًبه من شقا أصحاب قبضة يسرتي
- وأظهرت في ذاك الملا فضل آدموأنزلته أعلى مقام بجنتي
- وأخرجت حوا منه فهي له كماهو الآن لي من حيث وصفي وصورتي
- وعن بعض أشجار هناك نهيتهولي كان مني النهي عني لحكمتي
- ولما اقتضى فعلي لما كنت عنه قدنهيت كمال الصورة الآدمية
- أتيت بأقسام إلي موسوساًوأوقعت نفسي في غرور وغفلة
- وذقت كما ذاق العدو تباعديوما الأكل إلا الفرق والجمع توبتي
- وقد لاح عصياني علي ومذ بدتطفقت بأوراق أخصف سوءتي
- ومن بعد ذا أهبطت للأرض هيكليوكنت بها في العالمين خليفتي
- وسخرت لي كل الوجود تفضلاًعلى صورتي مني وأتممت منتي
- وعرفت ما بيني وبيني كلاهماعلى عرفات بعد طول التشتت
- فكان نكاح الأمر في الخلق ظاهراًبنا في كلا الشخصين قبل النتيجة
- وأظهرت من صلبي جميع مظاهريبصورة ذر للعهود الوثيقة
- وأشهدتهم عني ألست بربكمفقالوا بلى طراً بنفس مطيعة
- وأوهمتهم غيراً فأنكر بعضهموأوفي بعهدي بعضهم مع لبسة
- وأول أطواري الكاومن أننيلآدم شيئاً كنت وهو عطيتي
- وطورت نوحاً جاء ينذر قومهوكنت له التكذيب منهم ببعثتي
- وألفاً سوى خمسين عاماً لبثت فيجماعتهم أبغي لهم نشر دعوتي
- وهم يعبدون الغير بل يعبدوننيولا غير لكن وهمهم هو سترتي
- ولما أبو واستكبروا كافرين بيدعوت عليهم واستجبت لدعوتي
- وأرسلت طوفاناً عليهم فأغرقواولم ينج إلا من معي في سفينتي
- وطورت إدريساً ولي كنت رافعاًمكاناً عليّاً في أجل مكانة
- وطورت إبراهيم يدعو إليَّ بيعلى قومه آتيته أي حجة
- ومذ قال ذا ربي له كنت كوكباًكذا قمراً أيضاً وشمساً بوجهة
- ولا فرق إلا بالأفول ألم تكنإذا لا أحب الآفلين مقالتي
- كما قلت سموهم لقوم تعلقوابما قيَّد الإمكان من مطلقيتي
- وجئت إلى النمرود أدعوه للهدىفلم يمتثل حتى ثوى بالبعوضة
- وأضرم لي ناراً وأرسلني بهافعادت بأمري لي علي كجنة
- وقد كنت مني طالباً أنني أرىلحق يقيني كيف إحياء ميتة
- فجاء جوابي لي بأربعة فخذمن الطير واجعل في العلا كل قطعة
- وناديهمُ يأتين سعياً وبعد ذافكن عالماً لا شيء إلا بقدرتي
- وطورت إسماعيل لما بلغت معأبي السعي ذبحي قد رأيت بنومة
- وناديت لما أسلما حين تلَّهأصدّقت حتى كان بالكبش فديتي
- وطورت إسحق الغيور ولم تكنعلى غير تحريم الفواحش غيرتي
- وطورت يعقوباً بليت بيوسفوأسلمني حبي له كل محنة
- وفرقت ما بيني زماناً وبينهوواأسفى ناديت من طول فرقتي
- وعيناي من حزن قد ابيضّتا وقدمننت بجمع الشمل بعد التشتت
- ويوسف قد طورت زاد ملاحةبوجه سبى كل الوجوه المليحة
- وبالثمن البخس اشتراني مشتروفي الجب ألقتني من الكيد إخوتي
- وقد عشقت حسنى زليخاء والهوىأضر بها حتى هممت وهمت
- وطورت هوداً كان يشهد قومهعلى أنه من شركهم ذو براءة
- ولوطاً لقد طورت أيضاً وصالحاًأتيت إلى قومي لإبلاغ دعوتي
- فزاغوا وعن أمري عتوا وتكبرواوقد عقروا لما عصوني ناقتي
- وطورت موسى ضارب البحر بالعصاوقد شق حتى قومه فيه مرّت
- وآنس ناراً من جوانب طورهفرام ليأتي الأهل منها بجذوة
- فنال الهدى في شكل مقصده وقدتجلى له من مظهر الأحدية
- وقد حاز منه رؤية بسؤالهولكنها الأطواد بالصعق دكت
- وعيسى لقد طورت يبرئ أكمهاًوأبرص والأموات يحيي بدعوة
- وأرسلت روحي طبق ما هو عادتيإلى الأم حتى كان مظهر نفختي
- وأظهرت ما قد كان في الأب مضمراًوبينت للأقوام سر الأمومة
- فضلوا وزاغوا عن مثال ضربتهلفهم علوم في الوجود دقيقة
- وقالوا بأني قد غدوت له أباًوقد خص من دون الورى ببنوتي
- وأين الوجودان اللذان تبايناوما عزُّ خلاق كذلِّ خليقة
- ومن بعد هذا جئت في طور كل مامضى من رسول أونبيٍّ لأمة
- وأصبحت في شكل النبي محمدإلى الله أدعو الناس في أرض مكة
- فآذتني الأقوام بغياً وحاولوابأفواههم إطفاء نور النبوة
- وأظهرت دين الحق بعد خفائهفأصبحت الكفار في سوء حالة
- ونكست أصنام الضلال وفي الورىأزلت ظلام الظلم من فرط سطوتي
- وطورت أصحاباً ومن هو تابعلهم بالهدى مثل الكرام الأئمة
- ومن بعد ذا ما زلت أظهر دائماًعلى أمد الأزمان في كل هيئة
- وطورت أهوال القيامة والذييكون غداً في يوم عرض الخليقة
- وإياك من قولي بأن تفهم الذيتدين به الكفار بين البرية
- فإني بريء من حلولٍ رمت بهعقول تغذت بالظنون الخبيثة
- وما بانحلال واتحاد أدين فيحياتي وإن دانتهما شرُّ أمة
- وكل الذي أبديته لك ناظماًفَمِنْ فوق أطوار العقول السليمة
- فإن كنت من أهل المعارف لم تلملأنك تلقاه بنفس تزكت
- وإن كنت مطموس البصيرة جامداًعلى ما ترى من صورة بعد صورة
- فإنك معذور بقلة فهم ماأقول لضعف في قواك الكليلة
- فواظب على التنزيه وادأب عليه لاتكن من أناس بالتشبه ضلت
- ودع عنك تجسيماً ولا تَكُ جاهلاًبأوصاف من أبداك في كل حالة
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.