قصيدة

أطوف على ذاتي بكاسات خمرتي

العنوان هو المطلع.

عبد الغني النابلسي · قافيتها غير موسومة · 125 بيتاً

  1. أطوف على ذاتي بكاسات خمرتيوأستمع الألحان في حان حضرتي
  2. وأنفخ مزماري وأصغي لصوتهوأضرب دفي حين ترقص قينتي
  3. وأنشق من روضي نسيم حقائقيويسرح طرفي في حدائق نشأتي
  4. وعندي إلى رؤيا جمالي تشوقكثير وما عشقي لغير حقيقتي
  5. ويالهف أحشاءي على حسني الذيفؤادي به صب ويا فرط لوعتي
  6. أحن إلى ذاتي صباحاً وفي المساوغاية قصدي في العوالم رؤيتي
  7. وقد وعدتني اليوم نفسي بوصلهاغداً فمتى مني تقوم قيامتي
  8. وأرفع عن وجهي خماري مجرداًثيابي عن ذاتي وأهتك سترتي
  9. أبى الحب إلا أن أكون مولهاًبقلب على طول النوى متفتت
  10. وشوق كثيرٌ واصطبار ممنعوسقم وأشجان علي شديدة
  11. وإني لأرجو من حقيقتي اللقاوأطلب منها أن أفوز بنظرة
  12. فلا عجب أن بحت بالسر للورىوعربدت في هذا الوجود بسكرتي
  13. وتهت بمحبوبي على كل ناسكوغبت عن الأكوان بل عن هويتي
  14. وعندي انتظار كل يوم وليلةإلى رؤيتي بل كل وقت وساعة
  15. وما أنا إلا من أحب وإن منأحب أنا من غير شك وشبهة
  16. أردت ظهوري لي وما كنت خافياًفطورت في الأطوار من كل صورة
  17. وقد كنت قدماً في عمى ليس فوقهولا تحته أيضاً هواء بوحدة
  18. وللقلم الأعلى تنزلت من يديوللوح حتى للذوات الكثيرة
  19. وقد كنت عرشي واستويت علي منقديم زماني في الوجود برحمتي
  20. ومنه إلى الكرسي تنزلت بل إلىسمواتي السبع الطباق العلية
  21. وطورت أملاكي فلي كنت عابداًوطورت أفلا كي فدارت بقدرتي
  22. وعدت نجوما مشرقات على الورىأزيد ضياء في ظلام الدجنة
  23. وطورت شمساً في طلوع نهاركموما الليل إلا من نتائج غيبتي
  24. وصرت هلالاً تحسبون الشهور بيوأجلو عليكم ضوء شمس الظهيرة
  25. وقد صرت أياماً لكم وليالياًودهراً وساعات وكل دقيقة
  26. وطورت شكل الجان في الأرض قبلكموجئت لهم رسلاً لإبلاغ حجتي
  27. وقد كنت تكذيباً لرسلي منهمفصرت لهم أوفى هلاك ونقمة
  28. وفي كل أطوار الشياطين بينكمظهرت بوسواس لأصحاب شقوة
  29. وطورت في شكل العناصر ثم فيمواليدها في الأرض تلك الثلاثة
  30. ففي معدن طوراً وطوراً ظهرت فينبات وحيوان لتتميم حكمتي
  31. وكنت رياحاً من شمال ومن صباأهب فأروى عن حديث الأحبة
  32. وكنت بحاراً زاخرات على المدىتفيض فتبدي موجة بعد موجة
  33. وطورت أرضا ثم صرت جبالهالإرسائها فوق البحار المحيطة
  34. وإني على ما كنت فيه ولم أزلولي رتبة التنزيه أرفع رتبة
  35. وما كثرة الأطوار مني غيرتصفاتي ولا ذاتي ولا قدر ذرة
  36. وهل أنت في تخييل ذاتك باطناًتغيرت عما كنت في كل مرة
  37. فيجلو عليك الفكر ما قد أردت منزخارف أشباح هنا مستحيلة
  38. وذاك كهذا غير أن الخيال معتخيله في الغير لا في الهوية
  39. وما هي إلا أنت لا شيء ههناسواك فحقق سر تلك الحقيقة
  40. وإياك والتشبيه في كل موضعتوهمت فيه الغير وافطن للبسة
  41. وخذ كل ما ألقى عليك منزهاًولا تخش عاراً إن فهمت إشارتي
  42. وهذا الذي قد قلته كله أناظهرت به لي قاصداً لنصيحتي
  43. ولما انقضت أطوار ذاتي بمقتضىصفاتي وأسماءي العظام الجليلة
  44. وتم التباسي بالذي أنا مظهرله من شخوص فصلتها إرادتي
  45. وسويت جسم الكل بي فهو قابللروحي وتفصيلي استعد لجملتي
  46. جمعت من الأشياء طينة آدمومنها إلى الكل الرقائق مدت
  47. وخمرتها حتى تناسق نشؤهاوسويتها حتى لنفخي استعدت
  48. ولما استتم الأمر واستكمل الذيأردت من الأجمال في البشرية
  49. ففي تلك من روحي نفخت وقد سرتنسائم أمري في رياض الطبيعة
  50. فقمت سميعاً باصراً متكلماًمريداً عليماً ذا حياة وقدرة
  51. فلم يبد مني غير ما هو كائنلدي وبي مني على حكومتي
  52. فكنت كماء لونه من إنائهوكالشمس تبدي خضرة بالزجاجة
  53. وأسجدت أملاكي بأمري لمظهريفكان سجودي لي وآدم قبلتي
  54. ولما أبى إبليس عن تكبراًولم يأت لي من بعد أمري بسجدة
  55. عن الملا الأعلى له كنت مخرجاًوآب بخسران وطرد ولعنة
  56. وأسكنته في الأرض أظهر كامناًبه من شقا أصحاب قبضة يسرتي
  57. وأظهرت في ذاك الملا فضل آدموأنزلته أعلى مقام بجنتي
  58. وأخرجت حوا منه فهي له كماهو الآن لي من حيث وصفي وصورتي
  59. وعن بعض أشجار هناك نهيتهولي كان مني النهي عني لحكمتي
  60. ولما اقتضى فعلي لما كنت عنه قدنهيت كمال الصورة الآدمية
  61. أتيت بأقسام إلي موسوساًوأوقعت نفسي في غرور وغفلة
  62. وذقت كما ذاق العدو تباعديوما الأكل إلا الفرق والجمع توبتي
  63. وقد لاح عصياني علي ومذ بدتطفقت بأوراق أخصف سوءتي
  64. ومن بعد ذا أهبطت للأرض هيكليوكنت بها في العالمين خليفتي
  65. وسخرت لي كل الوجود تفضلاًعلى صورتي مني وأتممت منتي
  66. وعرفت ما بيني وبيني كلاهماعلى عرفات بعد طول التشتت
  67. فكان نكاح الأمر في الخلق ظاهراًبنا في كلا الشخصين قبل النتيجة
  68. وأظهرت من صلبي جميع مظاهريبصورة ذر للعهود الوثيقة
  69. وأشهدتهم عني ألست بربكمفقالوا بلى طراً بنفس مطيعة
  70. وأوهمتهم غيراً فأنكر بعضهموأوفي بعهدي بعضهم مع لبسة
  71. وأول أطواري الكاومن أننيلآدم شيئاً كنت وهو عطيتي
  72. وطورت نوحاً جاء ينذر قومهوكنت له التكذيب منهم ببعثتي
  73. وألفاً سوى خمسين عاماً لبثت فيجماعتهم أبغي لهم نشر دعوتي
  74. وهم يعبدون الغير بل يعبدوننيولا غير لكن وهمهم هو سترتي
  75. ولما أبو واستكبروا كافرين بيدعوت عليهم واستجبت لدعوتي
  76. وأرسلت طوفاناً عليهم فأغرقواولم ينج إلا من معي في سفينتي
  77. وطورت إدريساً ولي كنت رافعاًمكاناً عليّاً في أجل مكانة
  78. وطورت إبراهيم يدعو إليَّ بيعلى قومه آتيته أي حجة
  79. ومذ قال ذا ربي له كنت كوكباًكذا قمراً أيضاً وشمساً بوجهة
  80. ولا فرق إلا بالأفول ألم تكنإذا لا أحب الآفلين مقالتي
  81. كما قلت سموهم لقوم تعلقوابما قيَّد الإمكان من مطلقيتي
  82. وجئت إلى النمرود أدعوه للهدىفلم يمتثل حتى ثوى بالبعوضة
  83. وأضرم لي ناراً وأرسلني بهافعادت بأمري لي علي كجنة
  84. وقد كنت مني طالباً أنني أرىلحق يقيني كيف إحياء ميتة
  85. فجاء جوابي لي بأربعة فخذمن الطير واجعل في العلا كل قطعة
  86. وناديهمُ يأتين سعياً وبعد ذافكن عالماً لا شيء إلا بقدرتي
  87. وطورت إسماعيل لما بلغت معأبي السعي ذبحي قد رأيت بنومة
  88. وناديت لما أسلما حين تلَّهأصدّقت حتى كان بالكبش فديتي
  89. وطورت إسحق الغيور ولم تكنعلى غير تحريم الفواحش غيرتي
  90. وطورت يعقوباً بليت بيوسفوأسلمني حبي له كل محنة
  91. وفرقت ما بيني زماناً وبينهوواأسفى ناديت من طول فرقتي
  92. وعيناي من حزن قد ابيضّتا وقدمننت بجمع الشمل بعد التشتت
  93. ويوسف قد طورت زاد ملاحةبوجه سبى كل الوجوه المليحة
  94. وبالثمن البخس اشتراني مشتروفي الجب ألقتني من الكيد إخوتي
  95. وقد عشقت حسنى زليخاء والهوىأضر بها حتى هممت وهمت
  96. وطورت هوداً كان يشهد قومهعلى أنه من شركهم ذو براءة
  97. ولوطاً لقد طورت أيضاً وصالحاًأتيت إلى قومي لإبلاغ دعوتي
  98. فزاغوا وعن أمري عتوا وتكبرواوقد عقروا لما عصوني ناقتي
  99. وطورت موسى ضارب البحر بالعصاوقد شق حتى قومه فيه مرّت
  100. وآنس ناراً من جوانب طورهفرام ليأتي الأهل منها بجذوة
  101. فنال الهدى في شكل مقصده وقدتجلى له من مظهر الأحدية
  102. وقد حاز منه رؤية بسؤالهولكنها الأطواد بالصعق دكت
  103. وعيسى لقد طورت يبرئ أكمهاًوأبرص والأموات يحيي بدعوة
  104. وأرسلت روحي طبق ما هو عادتيإلى الأم حتى كان مظهر نفختي
  105. وأظهرت ما قد كان في الأب مضمراًوبينت للأقوام سر الأمومة
  106. فضلوا وزاغوا عن مثال ضربتهلفهم علوم في الوجود دقيقة
  107. وقالوا بأني قد غدوت له أباًوقد خص من دون الورى ببنوتي
  108. وأين الوجودان اللذان تبايناوما عزُّ خلاق كذلِّ خليقة
  109. ومن بعد هذا جئت في طور كل مامضى من رسول أونبيٍّ لأمة
  110. وأصبحت في شكل النبي محمدإلى الله أدعو الناس في أرض مكة
  111. فآذتني الأقوام بغياً وحاولوابأفواههم إطفاء نور النبوة
  112. وأظهرت دين الحق بعد خفائهفأصبحت الكفار في سوء حالة
  113. ونكست أصنام الضلال وفي الورىأزلت ظلام الظلم من فرط سطوتي
  114. وطورت أصحاباً ومن هو تابعلهم بالهدى مثل الكرام الأئمة
  115. ومن بعد ذا ما زلت أظهر دائماًعلى أمد الأزمان في كل هيئة
  116. وطورت أهوال القيامة والذييكون غداً في يوم عرض الخليقة
  117. وإياك من قولي بأن تفهم الذيتدين به الكفار بين البرية
  118. فإني بريء من حلولٍ رمت بهعقول تغذت بالظنون الخبيثة
  119. وما بانحلال واتحاد أدين فيحياتي وإن دانتهما شرُّ أمة
  120. وكل الذي أبديته لك ناظماًفَمِنْ فوق أطوار العقول السليمة
  121. فإن كنت من أهل المعارف لم تلملأنك تلقاه بنفس تزكت
  122. وإن كنت مطموس البصيرة جامداًعلى ما ترى من صورة بعد صورة
  123. فإنك معذور بقلة فهم ماأقول لضعف في قواك الكليلة
  124. فواظب على التنزيه وادأب عليه لاتكن من أناس بالتشبه ضلت
  125. ودع عنك تجسيماً ولا تَكُ جاهلاًبأوصاف من أبداك في كل حالة

المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.