قصيدة
يا أخي أين ريع ذاك اللقاء
العنوان هو المطلع.
ابن الرومي · قافيتها ء · 149 بيتاً
- يا أخي أين رَيْعُ ذاك اللِّقاءِأين ما كان بيننا من صفاءِ
- أين مصداقُ شاهدٍ كان يحكيأنك المخلصُ الصحيحُ الإخاءِ
- شاهدٌ ما رأيت فعلك إلاغير ما شاهدٍ له بالذكاءِ
- كشفَتْ منك حاجتي هَنواتٍغُطِّيتْ برهةً بحسن اللقاءِ
- تركتْني ولم أكن سَيِّئَ الظننِ أسيءُ الظنونَ بالأصدقاءِ
- قلت لمّا بدتْ لعينيَ شُنْعاًرُبَّ شوهاءَ في حَشا حسناءِ
- ليتني ما هتكتُ عنكن سِتراًفثويتُنَّ تحت ذاك الغطاءِ
- قلن لولا انكشافُنا ما تجلَّتعنك ظَلمَاءُ شُبْهةٍ قتماءِ
- قلت أعجبْ بكنَّ من كاسفاتٍكاشفاتٍ غَواشِيَ الظلماءِ
- قد أَفدتُنَّني مع الخُبْر بالصّاحِبِ أنْ ربَّ كاسفٍ مُستضاءِ
- قلن أعَجِبْ بمُهْتَدٍ يتمنَّىأنه لم يزل على عمياءِ
- كنتَ في شُبْهَة فزالت بها عنك فأوسعتنا من الإزراءِ
- وتمنيت أن تكون على الحيــرةِ تحت العَماية الطَّخْياءِ
- قلت تاللَّه ليس مثلي مَنْ وَددَ ضَلالاً وحيَرةً باهتداءِ
- غير أنِّي ودِدتُ سترَ صَديقيبدلاً باسْتفادة الأْنباءِ
- قُلْن هذا هوىً فعرّجْ على الحققِ وخلِّ الهوى لقلْبٍ هواءِ
- ليس في الحقِّ أن تودّ لخلٍّأنَّهُ الدهرَ كامنُ الأدواءِ
- بلْ من الحقِّ أن تُنقِّر عنْهننَ وإلَّا فأنت كالبُعَداءِ
- إن بَحْثَ الطَّبيبِ عنْ داءِ ذي الدَّاءِ لَأُسُّ الشِّفاءِ قبل الشفاءِ
- دُونك الكَشْفَ والعتابَ فقوِّمبهمَا كُلَّ خَلَّةٍ عَوْجاءِ
- وإذا ما بدا لَكَ العُرُّ يوْماًفَتَتَبَّعْ نِقابَه بالهِناء
- قُلْتُ في ذاك مَوْتُكُنَّ وما الموتُ بمُستعذب لدى الأحْياءِ
- قُلْن ما الموتُ بالكريه إذا كان بحقٍّ فلا تزدْ في المراءِ
- يا أخي هَبْكَ لم تهبْ ليَ من سَعيك حظاً كسائر البُخلاءِ
- أَفَلا كان منك ردٌّ جميلٌفيه للنّفس راحةٌ من عَناءِ
- أجَزاءُ الصَّديق إيطاؤُهُ العِشــوة حتَى يظلّ كالعشْواءِ
- تاركاً سعْيَه اتِّكالاً على سَعْـيـكَ دون الصِّحاب والشُّفعاءِ
- كالَّذي غرَّه السَّراب بما خيــيَل حتَّى هراق ما في السِّقاءِ
- يا أبا القاسم الذي كنت أرجوه لدهْري قَطَعْتَ مَتْن الرَّجاءِ
- بِكرُ حاجاتِ من يعُدُّك للشِددَةِ طوراً وتارةً للرَّخاءِ
- نمتَ عنها وما لمثلك عُذْرٌعند ذي نُهيةٍ على الإغفاءِ
- قَسَماً لو سألتُ أخرى عَواناًلتَنمَّرْتَ لي مَعَ الأعداءِ
- لا أجازيك من غروركَ إيايَ غروراً وُقِّيت سُوء الجزاءِ
- بل أَرى صِدْقك الحديثَ وما ذاك لبخلٍ عليك بالإغضاءِ
- أنتَ عيني وليس من حق عَينيغَضُّ أَجفانها على الأقْذاءِ
- ما بِأمثالِ ما أتيت من الأمر يَحُلُّ الفتى ذُرا الْعلْياء
- لا ولا يكْسب المحامِد في الناس ولا يشتري جميلَ الثناءِ
- ليس من حلَّ بالمحلِّ الذي أنت به من سماحةٍ ووفاءِ
- بَذَلَ الوعْدَ للأخلَّاءِ سَمْحاًوأبى بعد ذاك بذلَ العطاءِ
- فَغَدا كالْخلافِ يُورقُ للعين ويأبى الإثمار كل الإباءِ
- ليس يرضى الصديقُ منك ببشرتحت مَخْبوره دَفينُ جَفاءِ
- يا أخي يا أخا الدَّماثة والرققَة والظَّرف والحِجا والدهاءِ
- أتُرى الضَّربة التي هي غيبٌخُلْفَ خمسين ضربةً في وَحَاءِ
- ثاقِب الرأي نافذ الفكر فيهاغير ذي فَتْرة ولا إبْطاءِ
- وتُلاقيك شيعةٌ فيظلّون على ظهر آلةٍ حَدْباءِ
- تَهزمُ الجمع أوحديّاً وتُلْويبالصَّناديد أيَّما إلواءِ
- وَتحُطُّ الرِّخَاخَ بعد الفَرازين فتزداد شدةَ استعلاءِ
- رُبَّما هالني وحيَّر عقلِيأخْذُكَ اللّاعبين بالبأساءِ
- ورضاهم هناك بالنِّصف والرُّبع وأَدْنى رضاكَ في الإِرباءِ
- واحتراسُ الدُهاة منك وإعصافُكَ بالأقوياءِ والضعفاءِ
- عن تدابيرك اللِّطاف اللَّواتيهُنَّ أخفى من مُستسرِّ الهباءِ
- بل من السِّر في ضمير مُحبٍّأدَّبتْهُ عقوبةُ الإفْشاءِ
- فإخالُ الذي تُديرُ على القوم حُروباً دوائرَ الأرحاءِ
- وأظُنُّ افتراسَك القِرْنَ فالقرن منايا وشيكةَ الإرداءِ
- وأرى أنّ رقعةَ الأَدَمِ الأحْمر أرْضٌ عَلَّلتها بدماءِ
- غلطَ الناسُ لست تلعب بالشِّطــرنج لكن بأنفُس اللُّعباءِ
- أنت جِدِّيها وغيرك من يلعب إن الرِّجال غيرُ النِّساءِ
- لك مكرٌ يدبُّ في القوم أخفىمن دبيب الغذاء في الأعضاءِ
- أو دبيب المَلالِ في مُسْتهامَيْن إلى غاية من البغضاءِ
- أو مَسيرِ القضاء في ظُلمِ الغيب إلى من يُريده بالتَّواءِ
- أو سُرى الشيب تحت ليل شبابمُستحير في لِمِّة سَحماءِ
- دبَّ فيها لها ومنها إليهافاكْتَسَتْ لون رثَّة شَمْطاءِ
- تَقْتُلُ الشَّاه حيث شِئت من الرُّقعة طَبَّا بالقِتْلة النّكراءِ
- غير ما ناظرٍ بعيْنك في الدَّستِ ولا مقبلٍ على الرُّسلاءِ
- بل تراها وأنتَ مُستدبرُ الظَّهر بقلبٍ مُصوَّرٍ من ذكاءِ
- ما رأينا سِواك قِرْناً يُولِّيوهو يُرْدي فوارس الْهيجاءِ
- رُبَّ قَوْم رأوْكَ رِيعُوا فقالواهل تكونُ العيون في الأقفاءِ
- والفُؤادُ الذكيُّ للمطرق المُعرِضِ عينٌ يَرى بها من وراءِ
- تقرأ الدَّستَ ظاهراً فتُؤديه جميعاً كأحْفظ القُرّاءِ
- وتُلَقَّى الصوابَ فيما سوى ذاك إذا جار جائرُ الآراءِ
- فترى أن بُلغةً معها الرَّاحةُ خيرٌ من ثَروةٍ وشقاءِ
- رؤيةٌ لا خلاج فيها ولولاذاك لم تأبَ صحبة ابنِ بُغاءِ
- وهو موسى وصاحبُ السيف والجيــش ورُكْنُ الخِلافة الغلباءِ
- بعتَه واشتريت عيشاً هنيئاًرابح البيع كيَّساً في الشراءِ
- وقديماً رغْبتَ عن كل مَصْحوبٍ من المُتْرفينَ والأمراءِ
- ورَفَضْتَ التجارةَ الجمَّة الرِّبــحِ وما في مِراسها من جَداءِ
- وهَذَى العاذلُونَ من جهة الرِّبــحِ فخلَّيتهم وطولَ الهُذاءِ
- أعْرَضَتْ عنهُمُ عَزَائمُك الصُمــمُ بأُذنٍ سميعة صمّاءِ
- حين لم تكْترثْ لقول أخي غِششٍ يُرى أنه من النُّصحاءِ
- وإذا صحَّ رأيُ ذي الرأي لم تنــظر بعيني مَشُورةٍ عَوْراءِ
- لمْ تبعْ طيب عيشةٍ بفضولٍدُوَنها خبثُ عيشةٍ كدْراءِ
- تعبُ النَّفس والمهانةُ والذللَةُ والخوفُ واطِّراحُ الحياءِ
- بل أطعتَ النُّهى فَفُزت بحظٍّقَصُرتْ عنه فِطنةُ الأغْبياءِ
- راحةُ النفس والصِّيانةُ والعفــفَةُ والأمنُ في حياء رَواءِ
- عالماً بالذي أخذتَ وأعطيتَ حكيماً في الأخذ والإعْطاءِ
- جَهبَذَ العَقل لا يفوتك شيءٌمِثلُهُ فاتَ أعينَ البُصَراءِ
- غيرَ مُستنزِلٍ عن الوضَح الأطــلس بالزائف الصبيح الرُّواءِ
- قائلاً للمشيرِ بالكدحِ مهلاًما اجتهادُ اللَّبيبِ بعد اكتفاءِ
- قرّبَ الحِرْصُ مركباً لشقيّإنما الحرصُ مركبُ الأشقياءِ
- مرحباً بالكفافِ يأتي هنيئاًوعلى المُتعِبات ذيلُ العفاءِ
- ضَلةً لامرئٍ يُشمِّرُ في الجمــع لعيش مُشَمِّرٍ للفناءِ
- دائباً يكنز القناطير للوارِث والعُمرُ دائباً لانقضاءِ
- حبذا كثرةُ القناطير لو كانت لربِّ الكنوزِ كنزَ بقاءِ
- يَغْتدي يَرْحم الأسيرُ أسيراًجاهلاً أنه من الأُسَراءِ
- لا إلى الله يذهب الحائرُ البائرُ جهلاً ولا إلى السراءِ
- يَحسَبُ الحظَّ كله في يديهوهو منه على مدى الجَوزاءِ
- ليس في آجلِ النَّعيم له حظظٌ وما ذاقَ عاجلَ النَّعماءِ
- ذلك الخائبُ الشقي وإن كان يُرى أنّهُ من السُّعداءِ
- حَسْبُ ذي إرْبةٍ ورأيٍ جَليٍّنَظَرتْ عينه بلا غُلواءِ
- صحةُ الدينِ والجوارح والعرْضِ وإحرازُ مُسكة الحوباءِ
- تلك خيرٌ لعارِف الخير ممايجمعُ الناسُ من فضولِ الثراءِ
- ولها من ذَوي الأصالة عُشَّاقٌ وليسوا بتابِعي الأهواءِ
- ليس للمكثر المُنغَّص عيشٌإنما عيشُ عائشٍ بالهَنَاءِ
- يا أبا القاسم الذي ليس يخفَىعنه مكنُونُ خُطَّةٍ عَوْصاءِ
- أتَرَى كل ما ذكرتُ جليّاًوسواهُ من غامض الأنحاءِ
- ثم يَخْفَى عليك أنّي صديقٌرُبَّما عزَّ مِثلُه بالغَلاءِ
- لا لَعَمرُ الإله لكن تعاشيتَ بصيراً في ليلةٍ قَمراءِ
- بل تعامَيْتَ غير أعمى عن الحققِ نهاراً في ضَحوةٍ غرّاءِ
- ظالماً لي مع الزمانِ الذي ابتَززَ حقوقَ الكرام للُّؤماءِ
- ثَقُلتْ حاجتي عليك فأضحتْوهي عبءٌ من فادحِ الأعباءِ
- ولها محمِلٌ خفيفٌ ولكنكان حظّي لديك دونَ اللَّفاءِ
- كان مقدارُ حُرمتي بك في نفــسك شيئاً من تافِه الأشياءِ
- فتَوانَيْت والتواني وَطيءُ الــظَهرِ لكنَّه ذَميمُ الوِطاءِ
- كنت ممن يرى التشيُّعَ لكنْمِلتَ في حاجتي إلى الإرْجاءِ
- ولعَمْرِي لقد سعيتَ ولكننَك عذّرت بعد طول التواءِ
- فتَنزَّه عن الرياء فتعذيــرُك في السعيِ شُعبةٌ من رِياءِ
- ليس يُجدي عليك في طلب الحاجاتِ إلا ذو نيةٍ ومضَاءِ
- ظلمت حاجتي فلاذتْ بحقْوَيْــك فأسلمتها بكف القضاءَ
- وقضاءُ الإله أَحوط للناس من الأمهات والآباءِ
- غير أن اليقين أضحى مريضاًمرضاً باطِناَ شديدَ الخفاءِ
- ما وجدتُ امْرَأً يرى أنه يوقِن إلّا وفيه شَوْبُ امْتِراءِ
- لو يصحُّ اليقينُ ما رَغِبَ الراغبُ إلّا إلى مَليكِ السماءِ
- وعَسيرٌ بلوغُ هاتِيكَ جداًتلك عُليا مَراتِب الأنبياءِ
- كنتُ مستوحشاً فأظهرتَ بَخساًزادني وحشةً من الخلطاءِ
- وعزيزٌ عليَّ عَضِّيكَ باللوم ولكنْ أصبتَ صدري بداءِ
- أنت أدْوَيتَ صدر خِلِّك فاعذرهُ على النَّفثِ إنه كالدواءِ
- لا تلومنَّ لائماً وضع اللَّوماءَ في كُنه موضع اللَّوماءِ
- إنْ تكن نفحةٌ أصابتك من عَذلي فعمّا قدحتَ في الأحشاءِ
- يا أبا بكرٍ المُشارَ إليهبانقطاعِ القَرين في الأُدباءِ
- قد جعلناك حاكماً فاقض بالحققِ وما زلتَ حاكم الظرفاءِ
- تأخذ الحقَّ للمُحقِّ وتنهىعن ركوب العَداء أهلَ العداءِ
- ليس يؤتى الخَصمانِ من جَنَفٍ فيــك ولا من جهالةٍ وغباءِ
- هل ترى ما أتى أخوكَ أبو القاسم في حاجتي بعينِ ارتضاءِ
- لي حقوقٌ عليه أصبح يلْويــها فَطالِبْهُ لي بوشْك الأداءِ
- لست أعتدُّ لي عليه يداً بيــضاءَ غير المودة البيضاءِ
- تلك أو أنني أخٌ لو دعاهلمُهمٍّ أجاب أُولى الدعاءِ
- يتقاضى صديقَهُ مثل ما يبــذل من ذات نفسه بالسواءِ
- وأُناديك عائذاً يا أبا القاسم أفديك يا عزيزَ الفداءِ
- قد قضينا لُبانةً من عتابوجميلٌ تَعاتُبُ الأكفاءِ
- ومعَ العَتْب والعتابِ فإنيحاضرُ الصفح واسعُ الإعفاءِ
- ولك الوُدُّ كالذي كان من خِلــلك والصدرُ غيرُ ذي الشّحناءِ
- ولك العذر مثل قافيتي فيــك اتساعاً فإنها كالفضاءِ
- وتأمّلْ فإنها ألِفُ المددِ لها مَدّةٌ بغيرِ انتهاءِ
- والذي أطلق اللسان فعاتَبْتُك عَدِّيكَ أوَّلَ الفُهماءِ
- لم أخفْ منك غلطةً حين عاتبتُك تدعو العتابَ باسم الهجاءِ
- وأنا المرءُ لا أسومُ عتابيصاحباً غيرَ صَفوةِ الأصفياءِ
- ذا الحِجا منهُمُ وذا الحِلمِ والعلــمِ وجهلٌ ملامةُ الجُهَلاءِ
- إن من لام جاهلاً لَطَبيبٌيتعاطى علاج داءٍ عياءِ
- لستُ ممّن يظلُّ يربَع باللوْمِ على منزلٍ خلاءٍ قَواءِ
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.