قصيدة
صرحت عن طوية الأصدقاء
العنوان هو المطلع.
ابن الرومي · قافيتها ء · 151 بيتاً
- صرَّحتْ عن طَويّة الأصدقاءِواضحاتُ التجريب والابتلاءِ
- وأبى المخْضُ أنْ يُكَشِّفَ إلاعن صريحٍ مهذَّبٍ أو غُثَاءِ
- ليس للمُضْمَرِ الدخيل من الصَّاحب غير التَّكْشيف والاجتلاءِ
- وخَبيءُ الفؤاد يعلمه العاقلُ قبلَ السماع بالإيماءِ
- ولهذا اكتفى البليغُ من الإســهاب فيما يريد بالإيحاءِ
- وظنونُ الذكيِّ أَنْفذ في الحقــقِ سهاماً من رؤية الأغبياءِ
- وإذا كنت لا تُؤَثِّل إلادرهماً جائزاً على البُصراءِ
- وكذا لستَ تعرفُ الشيء إلابعد فحصٍ من أمره وابتلاءِ
- وهما يُمْتعان وقتاً من الدهــر ويُفنيهما وشيكُ المَضاءِ
- فالصديق المأمون للزمن الفادح والمرتجى لدى البُرَحاءِ
- والذي أنت وهْو في جوهر النفْــس جميعاً مِن تربة وهواءِ
- وكماءٍ مزجتَه بمُدامٍفاستقرّا تَجَنُّساً في وعاءِ
- لم يكن فيهما من الفضل إلافاصلاتُ الألقاب والأسماءِ
- ثم شيءٌ عرفْتَهُ بالتَّجَاريب وأخلصتَه بكشف الغطاءِ
- إنما تُبْرز الجوَاهِرُ ما فيها إذا ما أَمَعْتها بالصِّلاءِ
- لا يَغُرَّنَّكَ المُماذِقُ بالظاهر في حال مدة الالتقاءِ
- من كلام يُوشَى بمدح جميلٍوحديثٍ كالقهوة الصَّهباءِ
- ويمينٍ كَعَطِّكَ البُرْدَ لا تنْــظر في سُقمها وفي الإبراءِ
- عبْدُ عَيْن فإن تغَيَّبْتَ عنهأَكَل اللحم وارتعى في الدماءِ
- وإذا ما أردته لقتيلٍلحق الوُدُّ منه بالعَنْقاءِ
- ولقد قال سَيِّدٌ من أُولي الفضــل ومن سِرِّ صفوة الأصفياءِ
- ليس أهلُ العراق لي بصحابٍإنْ هُمُ جانبوا طريقَ الوفاءِ
- إنما صاحبي المُشارك في القُلــل وذو البذل والندى والحياءِ
- لا يلَهِّيهِ عنه خفضٌ ولا ينساه عند المُرْبَدَّةِ الشَّوْهَاءِ
- مَالُهُ كَنْزُهُ إذا خَفَتَ الغيثُ وضاقت خلائق السُّمَحاءِ
- وانتفى الشيخ من بنيه ولم تعــطف على بَكْرِهَا أعفُّ النساءِ
- حكمةٌ ما ورثتُها عن حكيمٍفيلسوفٍ من عِتْرة الأنبياءِ
- ليس شيء يُفيدُه المرء في الدهــر على حين فقره والثراءِ
- هو خيرٌ من صاحبٍ ورفيقٍمُسْعِدٍ في الجَليَّةِ البَهْماءِ
- ليس بين الصديق والنفس فرقٌعند تحصيل قسمة الأشياءِ
- يَا سَمِيَّ الوصيِّ يا شِقَّ نفسيوأخي في الملمَّة النَّكراءِ
- يا أخاً حَلَّ في المكارم والسؤْدَدِ أعلى مَحَلِّ أهل السَّناءِ
- لم يُقَصِّرْ به اعتيادٌ ولم يقــعد بِه مولدٌ عن استعلاءِ
- وَلَهُ بَعْدُ مِنْ مآثره الزُّهْرِ خِلالٌ تُرْبي على الحصباءِ
- عَجَمَ الدَّهْرُ خلْفَتَيْن وسوَّىبين حالَيْ رخائه والبلاءِ
- كرمُ الخِيْم والنِّجَارِ وتيكُمْشيمَةٌ شارفٌ من النبلاءِ
- وبيانٌ كأنه خرَزُ الناظم في جيد طَفْلةٍ غيداءِ
- وطباعٌ أرقُّ من ظُبَةِ السيف وأمضى من رِيقة الرقشاءِ
- تتراءى له العيون فتلقاه نِقاباً بدائها والدواءِ
- فيصلٌ للأمور يأتي المعاليبارتقاء فيها وحُسْن اهتداءِ
- وغريمٌ أمضى من الأجل الحتْــم عصيمٌ بأُربَةٍ بَزْلاءِ
- وهو إلفُ الحجا وتِرْبُ المساعيوعَقيدُ الندى وحِلف البهاءِ
- وهو بعلٌ للمكرمات فما ينــفكُّ بين العَوَان والعذارءِ
- حافظٌ للصديق إن زَلَّت النعْــلُ به أو هوى عن العَلياءِ
- وجوادٌ عليه بالمال والنفــس وبذلِ العَقيلة الوَفْراءِ
- لا يُؤاتي على اقْتسَارٍ وَلا ينــهَضُ إلا بالعزة القعساءِ
- غير أنَّ الزمان أقْصدَنِي فيــه بسهمَيْ تفرُّقٍ وانْتئَاءِ
- لا أراه إلا على شَحَطِ الدار وإما عن مدة شَقَّاءِ
- فإذا ما رأيْتُهُ فكأنيبين أثناء روضةٍ مَرْجاءِ
- يتجلَّى عن نَاظِرَيَّ عَشَا الجَهْــل بألفاظه العذَابِ الطِّرَاءِ
- وأحاديثَ لو دَعَوْتَ بها الأعْصَمَ لَبَّى من حسن ذاك الدعاءِ
- طِبْتَ خِلّاً فاسلمْ على نَكد الدهر وعش آمناً من الأَسْواءِ
- لا رُزئْنَاكَ عَاتباً طلب العُتــبَى بِإعْفَا مَعَاتِب الأُدَبَاءِ
- بكلام لو أن للدهر سمعاًمالَ من حسنه إلى الإصغاءِ
- ولوَ اَنّ البحارَ يُقذَفُ فيهامنه حرفٌ ما أَجَّ طعم الماءِ
- وهْو أمضى من السيوف إذا هُززَتْ وأَوحَى من مُبْرَمَاتِ القَضاءِ
- وهْو يَشفي الصدور من جنَف الحقد ويُغْضي من مقلة زرقاءِ
- يكْتَسِي مُنشدوه منه رداءًذا جمال أكرِمْ به من رداءِ
- لا تَعَايَى به الرواةُ ولم يُسْــلِمْهُ مَسْمُوعُه إلى استثناءِ
- ليس بالمُعْمِل الهَجين ولا الوَحْــشِيِّ ذي العُنْجُهيَّةِ العَثْوَاءِ
- بل هو الباردُ الزُّلالُ إذا وافق من صائم حلول عَشاءِ
- تَخْلُقُ الأرضُ وهو غضٌّ جديدٌفَلكيٌّ من عنصر الجوزاءِ
- عَتْبُ إلْفٍ أرقُّ من كَلِم الأممِ وإن كان من ذرى خَلْقاءِ
- إن يَكُنْ عَنَّ مِنْ أخيك فَعَالٌجارَ فيه عن مذهب الأوفياءِ
- جَلَّ في مثله العتابُ وعَالَىأن يُوَازَى بزَلَّةِ العلماءِ
- فَبِحقٍّ أقول عَمَّرَكَ اللَّــه طويلاً في رِفْعَةٍ وعلاءِ
- ولَكَ القولُ لا لنا ولك التَّسْــليمُ منَّا لمذهب الحكماءِ
- إن خيراً من التَّقَصِّي على الخِلــلِ سَماحٌ في الأخذ والإعطاءِ
- واغتِفارٌ لهفوةٍ إنْ ألمَّتواطِّرَاحُ التفسير والانتفاءِ
- ليس في كل زلَّةٍ يسع العذْرُ وفي ضِيقهِ انتكَاسُ الإخاءِ
- ما رأيتُ المِراء يوجِبُ إلافُرقةً ما اعتمدتَ طول المراءِ
- وعَرُوسٍ قد جُهِّزتْ بطلاقٍعاتبتْ في وَليدَةٍ شَنْآءِ
- إن طول العتاب يَزْدرِعُ البغــضاءَ في قلب كَاره البَغْضاءِ
- لم أقل ذا لأَنْ عَتبْتُ ولكنشجرُ العَتْبِ مُثْمرٌ للجفاءِ
- ليس كلُّ الإخوان يجمع ما يُرْضيكَ من كل خلَّةٍ حسناءِ
- فيه ما في الرجال من خَلَّةٍ تُحْــمدُ يوماً وخَلَّةٍ سَوآءِ
- أيُّ خلٍّ تراه كالذهب الأحمر أو كالوذِيلة الزهراءِ
- أين من يحفظ الصديقَ بظَهْرِ الــغيب من سوء قِرفة الأعداءِ
- فات هذا فلن تراه يد الدَهر فَأنْعِمْ في إثْره بالبكاءِ
- مثلاً ما ضَرْبتُه لك فاسمعوتَثَبَّتْ جُزيتَ خيرَ الجزاءِ
- كلُّ شيء بالحس يُعرف أو بالــسَمع أو بالأدلَّة الفُصحاءِ
- فله موضعٌ وفيه طَباخٌلبلاغٍ ذي مدة وانقضاءِ
- ولكل من الأخلاء حالٌهوَ فيها كفءٌ من الأكفاءِ
- أي شيء أجلُّ قدراً من السيــفِ ليوم الكريهة العزَّاء
- فأبِنْ لي هل يصلح السيفُ في العززَاءِ إلا للضربةِ الرَّعلاءِ
- والوَشيجُ الخَطِّيُّ وهو رِشاءُ الــموتِ يومَ الزلزال والبأساءِ
- هل تراه يُراد في حومة المأقِطِ إلا للطعنة النجلاءِ
- فكذاك الصديقُ يصلح للساعة دون الإصباح والإمساءِ
- فتمسَّكْ به ولا تَدَعنْهُفتراه خَصماً من الخُصماءِ
- وهما يُذْخران للحال لا الإحْــوال بين الفؤاد والأحشاءِ
- وصغار الأمور رِدْفٌ لذي الرُّتبة منها والفخرِ والكبرياءِ
- وملوكُ الأنام قد أحوج اللَّــهُ عُرا ملكها إلى الدَّهماءِ
- ولوَ اَنَّ الملوكَ أفردها اللَّــه من التابعين والوُزَعاءِ
- لَبدتْ خَلَّةٌ وثُلَّثْ عُروشــواسْتوت بالأخِسَّة الوُضعاءِ
- ولَمَا كان بين أكمل خلق الــلاهِ فرقٌ وبين أهل الغباءِ
- حَلقُ الدرعِ ليس يُمسكُ منهاسَرْدها غيرُ شكَّة الحِرباءِ
- ولهذا الإنسانِ قد سخَّر الرحمنُ ما بين أرضه والسماءِ
- وبحَسْب النعماءِ يُطَّلَبُ الشكــرُ كِفاءً لواهب النعماءِ
- ثم لم يُخْلِهِ من النقص والحاجة والعجز قِسمةً بالسَّواءِ
- ليكونَ الإنسانُ في غاية التعْـديلِ بين السراء والضراءِ
- فاصْطبرْ للصديق إن زلَّ أو جارَ برجلٍ عن الهُدى نَكْباءِ
- فهو كالماء هل رأيتَ مَعين الــماء يُعْفَى من نُطفةٍ كَدْراءِ
- وتَمتَّع به ففيه مَتاعٌــوادّخارٌ لساعةٍ سَوْعاءِ
- أيُّ جسم يَبقى على غِيَر الدهــر خَلِيَّاً من قاتل الأدواءِ
- أيّما روضةٍ رأيتَ يدَ الأيــيام في عبقريةٍ خضراءِ
- أوَ ما أبصرتْ لك الخيرُ عيناك رُباها مُصفَرَّةَ الأرجاءِ
- إنما هذه الحياةُ غرورٌوشقاءٌ للمَعْشر الأشقياءِ
- نحن فيها رَكبٌ نؤمُّ بلاداًفكأْن قد أُلْنا إلى الإنتهاءِ
- ما عسى نَرتجي ونحن مع الأموات يُحْدَى بنا أَحَثَّ الحُداءِ
- فإذا أعرض الصديقُ وولَّىلِقِفار لا تُهْتَدى فَيْفَاءِ
- ورمى بالإخاء من رأس عَلْياءَ إلى مُدْلَهِمَّة ظَلْماءِ
- لم يُراقب إلّاً ولم يَرجُ أن يأتيَ يوماً يمشي على استحياءِ
- فاتركَنْهُ لا يهتدى لمبيتٍبنُباحٍ ولا بطولِ عُواءِ
- إنما تُرْتجى البقيّةُ ممنفيه بُقيا وموضعٌ للبقاءِ
- واشدُدَنْ راحتيكَ بالصاحب المُســعِدِ يومَ البَليسة الغمّاءِ
- والذي إن دُعي أجاب وإن كان قِراعَ الفوارِس الشجعاءِ
- كأبي القاسم الذي كلُّ ما يملكُ للمعتفينَ والخُلطاءِ
- والذي إن أردتَه لمَقامٍجاء سَبْقاً كاللِّقوةِ الشَّغواءِ
- وإذا ما أردتَهُ لجِدالٍجاء كالمُصْمَئلَّة الدَّهياءِ
- فإذا دَلَّ جاء بالحُجّةِ الغَررَاء ذاتِ المعالم الغراءِ
- مُنْجحُ القيل ما علمتُ وحاشالخليلي من تَرْحةِ الإكداءِ
- أرْيَحيٌّ بمثلهِ يُبْتنى المجــدُ وتسمو به فروعُ البناءِ
- باسطُ الوجهِ ضاحكُ السن بسَّامٌ على حين كُرْهِهِ والرّضاءِ
- وثَبيتُ المَقام في الموقف الدَّحــض إذا ما أضاق رحبُ الفضاءِ
- وله فكرةٌ يعيد بها الأمــوات في مثل صورة الأحياءِ
- فتراها تَفْري الفَرِيَّ وكانتقَبله لا تُحيرُ رجعَ النداءِ
- ليس يرضى لها التحرُّك أو يُبــرِزُها في زلازلِ الهيجاءِ
- فترى بينها مُقارعة الأبطالِ راحت من غارةٍ شعواءِ
- بتدابيرَ تَفلِقُ الحجرَ الصلْــد وتَشفي من كل داء عياءِ
- يَهزم الجيشَ ذكرهُ فتراهمجَزَرَ الهام عُرْضةَ الأصداءِ
- يتلقّاهُمُ بسيفٍ من الفكــرِ ورمح من صَنعة الآراءِ
- وسيوفُ العقول أمضى من الصَّمــصام في كفِّ فارسِ الغبراءِ
- فترى القوم في قليبٍ من الموت أسارى لدَلوه والرِّشاءِ
- وله حَرْشَفٌ يُديرُ قُداماهُ زحافاً كالفَيلَق الشهباءِ
- والمغاويرُ بالياتٌ كما عايَنْتَ مَوْرَ الكتيبة الجأواءِ
- وهي خُرْسُ البيان من جهة النُّطــق فصاحُ الآثار والأنباءِ
- أيُّ شيءٍ يكونُ أحسنَ منهفارساً ماشياً على العَفْراءِ
- في حروبٍ لا تُصطَلى لتراتٍوقتال بغير ما شَحْناءِ
- وقتيلٍ بغير جُرمٍ جناهوجريحٍ مُسَلَّمِ الأعضاءِ
- وصريعٍ تحت السنابك ينجوبرِماقٍ ولات حين نجاءِ
- وهْو في ذاك ناعمُ البال لا يفــصل بين القتيل والأُسَراءِ
- وتراهُ يحثُّ كأسَ طِلاءٍباقتراحٍ لقُبْلةٍ أو غناءِ
- لا يُدانيه في الشجاعة بِسطامُ بن قيس وفارسُ الضحياءِ
- حلَّ من خُلَّتي محلَّ زُلالِ الــماء من ذات غُلَّةٍ صَدْياءِ
- بودادٍ كأنه النرجسُ الغضــضُ عليلاً بمِسكةٍ ذَفْراءِ
- راسياً ثابتاً وإن خَلَت الدارُ جنابا وامتدَّ عهدُ اللقاءِ
- لستُ أخشى منه الغيابَ ولا تخــشاه في حال قربنا والعَداءِ
- حبذا أنتُما خليلا صفاءٍلا يُدانيكما خليلا صفاءِ
- لكما طوعُ خُلَّتي وقِياديما تغنت خَطباءُ في شَجْراءِ
- ذاك جُهدي إذا وَدِدتُ وإن أقــدر أكافِئْكُما بخيرِ كِفاءِ
- وحباءُ الوداد بالمنطق الغضــضِ يُجازَى به أَجلُّ حِباء
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.