قصيدة
قبل أن يبصر الظلام الضياء
صالح الشرنوبي · قافيتها غير موسومة · 72 بيتاً
- قبل أن يبصر الظلام الضياء وتكون الحياة والأحياء
- كان من كان بدؤه بدء دنياهومن لا يحده الانتهاء
- كان والفكرة العظيمة حلمبعضه الأرض والسما والفضاء
- حلمٌ يعجزُ الخيال سموّاً حققته الإراده العصماء
- وصحا الكون بعد غفوتهالكبرى وفي جفنه رؤى عذراء
- واستخف الوجود حسن مجاليهوهامت بكلها الأجزاء
- ورأى الله كل شيء كما شاءولله أن يرى ما يشاء
- وتراءى فاهتز قلب الروابي وتجلىفاستغشت الأنحاء
- وتسامت إليه من كل أفقصلوات ينساب فيها الدعاء
- رب هذا الوجود من صنع كفيك فأنت الباني ونحن البناء
- رب والكون كله صفحات لكفيها الأسرار والآلاءُ
- رب هذا الجمال جوهر معناكفمعناه مستسِرٌّ خفاءُ
- ربّ والكائنات روحك فيها فمداها صيرورةٌ لا فناءُ
- ربّ كل الأشياء تبنض فيها حيَواتٌ لكنّها خرساءُ
- رب أعجزت فليُذع سرّ إعجازك صوتٌ تشيعه الأصداء
- رب هذا الإنسان ظلّك في الأرضشعور وحكمةٌ وذكاء
- رب والناس كالقطيع وهذي الدارالدنيا لها صحراء
- رب فاختر من القطيع حداةًيتناهى بهم إليك الحداء
- دينه أنت والحقيقة والحبفكل الأديان فيه سواء
- واسقه خمر المقدّس حتىتتناسى كيانَها الأعضاء
- وتُنَوّر له الطريق فقد يعثرفيها وقصده الاهتداء
- واحبه من عوالم السحر ناياتتناغى بهمسه الأرجاء
- ويراعا مؤلّمها أبدياً تتساقىرحيقه الآناء
- وليكن في اسمه من الخلد معنىتتمنّى جماله الأسماء
- قالت الحكمة القديمة هذامطلبٌ لا يجيبه الأرجاء
- فلتهنأ بما تحب البرايافبحولي الإيجاد والإنشاء
- بع حين تجرى المقادير بالدهروفيها السراء والضراء
- بعد حين ينوح من خانه الحظويشدو بالفرحة السعداء
- لم يكن من تناقض الخلق بدٌّفمحال أن تيتوى الأشياء
- كل شيء مسخر لسواهفلنور الصباح كان المساء
- وشقاءٌ مميّزٌ بهناء وهناءيدبّ فيه الشقاء
- وقلوب مخمورة بالأمانيوقلوب إلى الأماني ظماء
- والذي يجمع الشتات مثال عشقته الأضدادُ والنظراء
- ذلك الخالق الذي أنا فيهقوة يشتفى بها الضعفاء
- شاعر الكون لا يقيده الكونوإن ضمه تراب وماء
- ساحر النور والظلام وكم يسموفتفنى في نوره الظلماء
- هو قلب الحياة يشدو إذا غنّتويبكى إذا شجاها البكاءُ
- هو روح مجسدٌ روحه اللهوفكر عقل هويّه إسراء
- صورته مشاعر الناس أفقاًتتلاشى في جوه الأجواء
- قلقٌ كالحياة تقتله الأغلالوهو المُقَيّد العداء
- ساكن كالفناء يخلق بالأحلاممالا يجرى عليه القضاء
- يستلذّ الآلام في نشوة الوحيوفيها الدواء والأدواء
- طائر عشّه الزمان ومهوىجانِحَيه القلوب والأهواء
- مِزهرٌ لحنُه الحياة وينبوع أغنيه ما تظل السماء
- غنوةٌ ذابت الأحاسيسفيها وصداها القلوب والأهوان
- قلبه العالم الكبير ونجواه حنانورحمة وإخاء
- خلقه كالضياء في كل حالفهو في الحان والمصلى ضياء
- عقله مسرح بنته المقادير ووشّت ظلاله الأضواء
- مسرح مخرج الرواياتفيه من إليه الإحياء والإفناء
- أزليّ ممثّلوه رؤاه والأمانيالمجنونة الحسناء
- يشهد الليل والنهار عليهاقصة جنّ دونها العقلاء
- قصّة الموت والحياة وكم حارتلديها وضلّت الآراء
- شغلته عن الحياة معانيها وأغراه بالدفين الطلاء
- فاستحال الظهور فيه خفاءًواحتوى الكون كونه الوضاء
- وانتشت روحه الطليقة في الدهربخمر مزاجها الإيحاء
- ومضى كالشعاع يستبق العمرودنياه ثورة وامتلاء
- جامح الفكر مستثار الخيالاتقصاراه لذّة وانتشاء
- لذّة الخالق الصغير إذا ماأشهدته الحقيقة العلياء
- يسأل الله وهو في ذاته الحيرى وجود مشعشع لألاءُ
- فيناديه لا تُرَع إن تعامتعن سناك الظواهر الجوفاء
- أنت منّى منذ استوى الكون طفلاواستقلّت عن ذاتها الأشلاء
- فأنر للأنام ما تحجب الأغلالعنهم والشهوة الرقطاء
- رسلٌ كلهم وأنت كتابيولساني والوحي والأنباء
- سوف تشقى وسوف تسعد كالناسوكل الذي تراه ابتلاء
- فاحي للناس لا لنفسك يا شاعرواصدح حتى يموت الغناء
- فإذا مات وانطلقت من القيدفعندي لأصغريك الجزاء
- جنّة عرضها السماوات والأرضوخلدٌ يناله الأصفياء
- لا يهولنك الحديث عن النارفإني الرحيم والرحماء
- فأدر لولب السفين كما شئتولا تقهرنك الأنواء
- فهنا الشاطىء المغلف بالأسرارحيث المسيرُ والإرساء
- وغداً تلتقى بذاتك ذاتي لتقول الحياة والأحياء
- مات فردٌ ممّن شدا الحقفيهم أنتم الناس أيّها الشعراء
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.