قصيدة
هدم الليل ما بناه النهار
العنوان هو المطلع.
صالح الشرنوبي · قافيتها غير موسومة · 100 بيت
- هدمَ الليلُ ما بناه النهارُواستكانت للظلمةِ الأنوار
- ومضى الكون يشرب الليل كأساًعبقريّا حبابه الأقمار
- واستحال الضجيج صمتاً رهيباًزحمته الأشباحُ والأسرار
- أين راح النهار كيف أتى الليلُ وفيم الإشراقُ فيم السرار
- هي حرب البقاء تنتظم الخُلق سواءً صغارهم والكبار
- وتداعت في الخافقين قلوبحين طارت في الخافقين قلوب
- عالم جامح وحظٌّ مشِتٌّوصراعُ يشيب منه المشيب
- فهنا قلب عابد الخبز والماءِ جراحٌ أحلامه وندوب
- يتنزّى دما فلا يجد الدمع يعزّى به الغريب الغريبُ
- فإذا اشتاق ما يعاف سواهفالرياض المنضرات جدوب
- وهناك المعربِدُ النشوانُقد تولّى تربيبَهُ الشيطان
- مستحيلات غيره ممكناتٌفي يديه وقوله الفرقان
- ولديه الحياة كأسٌ وحوراء وبحرٌ أمواجه ألحان
- وله الأمرُ كلما شاء أمراًوإرادات عقله سلطان
- فإذا شاء فالحياة اضطرابوإذا شاء فالحياة أمان
- قلت يا نفس إن هذا قضاءقدّرته قبل الوجود السماء
- ما أردت الوجود قبلَ وجوديوبرغمي بعد الوجود الفناء
- وأرى القصرَ توأمَ الكوخ لولاأن هذا فقرٌ وذاك ثراءُ
- وأراني لصاحب القصر نوراولو أني في عينه ظلماء
- أنا إن متُّ مات فنٌّ رفيعٌوهو إن مات طين وماء
- قالت النفس إن دنيا الأمانيهي دنيا الخلود للإنسان
- عش به تنس أنّ عمرَك ولّىفي جحيم من الهوى والهوان
- وتريك الكوخ المحطّم قصراشائع الظلِّ سامِقَ البنيان
- والكساء الرديم يمسي حريراًكسروىّ الظلال والألوان
- قلتُ والواقع المرير فقالتذاك داء يطَبُّ بالنسيان
- فطويت الأعوام والأياماحلماً رائعَ السنا بسّاما
- وجهلتُ الزمان فهو هباءٌونسيت المكان والأحجاما
- حين شفّت روحي فشاهدتُ قصراًيتحدّى جمالُه الأحلاما
- ورياضاً تُغَرد الطير فيهاوتريق الألحان تندى غراما
- وعبيداً يشدون شتّى لحونٍفي حمى القصر سجّداً وقياما
- وتبعتُ الحادي وكان خيالاعاش في عالم المنى أجيالا
- أيُّ فنٍّ سامٍ وأيُّ ابتداعٍجملّ من صاغ حسنه وتعالى
- التماثيلُ كالأناسيّ كادتتتهادى رشاقة ودلالا
- والريوم الخرساء تهتف بالرائي فيجثو أمامهنّ جلالا
- نفخ الفن روحه في حلاهاوكساها جلالةً وجمالا
- عشتُ في الفَقرِ كالأمير المطاعشاعريّ الرغاب والأطماع
- كلّ دنياي لذّةٌ وجمالٌوانبعاثٌ إلى الهوى والمتاع
- بين حورٍ عينٍ وأكواب خمرٍوأغانٍ علويّة الإيقاع
- وندامى كالزهر يرجون صفوىويخافون ثورتي واندفاعي
- قاسموني مجدي وظنّوا نعيميخالداً غير مؤذنٍ بضياع
- يا نداماي والليالي تجورُبي حنينٌ إلى البكا وشعور
- أفرِغوا أكؤس المدام فإنيكاد قلبي مما يخاف يطيرُ
- أنا أخشى انهيار مجدي وأرجوأن يقينا أحداثَه المقدور
- يا نداماي يا لقلبي وعقليها هي الأرض بالبناء تدور
- يا لقصرى إذ عربد الريح في الجوّوشقّت لساكنيه القبور
- هبّت الريح عاصفاً مكفَهرّاًفأحال القصر المُمَرَّد ذكرى
- رب ما كان ذلك القصر إلاحلماً لم يطل نعيما وعمرا
- خدعتني نفسي بما قد تمنّيتُ فهل كان ما تمنيتُ شراً
- أم تراني جبلت من طينة البؤسِ فروحي ترى الفراديس قفرا
- أم تراني نهبتُ أحلام غيريولنفسي منىً على الدهر أُخرى
- وإذا هاتفٌ يهزُّ سكونيأنت أخطأت في التمني ظنوني
- قلتُ يا نفس قالت النفس دعنيما تمنيت غير ماءٍ وطين
- ذلك القصرُ والندامى هباءٌحين تصحو على صراخِ المنونِ
- فاسم عن بهرَجِ الدنى وتطهّربألوهيّةِ الهوى والفنون
- إن في الفن قوّتي وخلوديويقيني إذا افتقدتُ يقيني
- وكما يحلُم الصبا بالغراموتهيم الزهور بالأنسام
- رحتُ أبنى في عالمِ الوهم مجديفوق ما خلّف الهوى من حطامي
- وسرَرَت بي الأوهام تخترِق الحجبَ إلى عالم من النور سامِ
- حيثُ قام الأولمب تمرح فيهآلهاتُ الأقداس والآثام
- والقرابين من بني الفنّ تزجىمن بنات الأفكار والأحلام
- يا منايَ اخلدي ويا نفسُ طيبيأصبحَ الفنّ كلّه من نصيبي
- أين لي بالإله رب الأغاريد أبولّو يملأ من الخلد كوبى
- ويتوَّج رأسي بما ضفّرتهيده من أزاهر وطيوب
- فتناهى إليّ من جانب الأفقِ نداءٌ كوسوسات الحبيب
- يا غريب الفؤاد لا قيت أهلاًإنّ ضيف الأولمب غير غريب
- رنّ هذا النداءُ في أُذُنيّاوسرى كاللهيب في أصغريّا
- فكأني مزّقتُ ثوبَ تُرابيوطويتُ السماء روحاً عليّا
- وكأني أصبحت في خاطر التاريخ معنى مجنّحا قدُسِيّا
- حين ألفيتُني أنادِمُ أحلامى رحيقَ الخلود طهرا نديّا
- وعذارى فينوس يرقصن حوليويمجّدن فنّىَ الأبديّا
- ثم يمّمن معبد الأربابحيث توّجن بالخلود شبابي
- وتغنّين للإله أبولوآيةً خلّدت على الأحقاب
- كل ما في الوجود آيات فنٍّسوف تفنى والملك للوهّاب
- غير أنّ الحياة بالفكر ربّانيَّةٌ طلقةٌ بغير حساب
- كلُّ عبدٍ فيها إلهٌ صغيرٌيتسامى ما جدّ في الأسباب
- لتمنّيت أن أعيش حياتيبين تلك الفرادس الوارفات
- بيد أن القيدَ الترابيّ أضناني فخلّفتُ عالمَ الالهات
- وهبطتُ الأرض الشقية كالناسِك يغشى مواطن الشهوات
- وبدأت الصراع في زحمة الأحياء سعيا وراء هذا الفتاتِ
- وعمادي خواطرٌ عبقريّاتٌ ووحيٌ من السماوات آت
- لم يكن يخطر الشقاء بباليلا ولا الخوف من صروف الليالي
- كنت كالطفل رقّةً وحياءًونزوعاً إلى سماء الخيال
- أحسبُ الأرض جنّتي أنا وحديلي فيها ما شئت من آمال
- فإذا جنّتي سرابٌ وآمالِيَ بيدٌ تضجُّ بالأهوال
- وإذا بي أُجابِهُ الدهر فرداًأرهقته الأيام بالأثقال
- هذه الأرض لم تزد بوجوديغير طير يسمو على التقييد
- همّه الحبّ والينابيع والوكرُ ونجوى رفيقه الغريد
- وأنا طائر الفنون فما ذنبي حتى أحيا حياة الطريد
- ألِأنّي أعيشُ للفنّ أعرىوأخو الطين ناعمٌ في البرود
- ما أذلّ الحياةَ إن كان دنبيهو زهدي في الجوهر المعبود
- روّعَت هذه التهاويلُ حسّيفاستوى عندها رجائي ويأسي
- وانتبهنا أنا ونفسي من الحُلمِ وكم ضاع فيه يومى وأمسي
- ليت يا نفسُ والحقائقُ تبكينا وجدنا في الحلم ما كان ينسى
- ليت يا خاطري ودنياي بحرٌكنت ترسي حيث الحقائقُ ترسى
- رُبَّ حلمٍ ودِدتُ لو عاش دهراًثم ولّى فكان ميلاد بؤس
- أنت يا نفسُ سرُّ هذا الشقاءشدت مجدي على أساسٍ هباء
- من سماء الخيال عدتُ لأقتاتَ ترابَ الحقيقة النكراء
- وهنا الكوخ فانعمى بحماهبجمال الطبيعة العذراء
- إن هذا الوجود قصرٌ بناه الله ما بين أرضه والسماء
- فدعيني أعش كما شاءت الأقدار حيّا بقاؤُه للفناء
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.