قصيدة
البكاء بين يدي زرقاء اليمامة
أمل دنقل · قافيتها غير موسومة · 46 بيتاً
- أيتها العرافة المقدَّسةْ ..جئتُ إليك .. مثخناً بالطعنات والدماءْ
- أزحف في معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدّسةمنكسر السيف، مغبَّر الجبين والأعضاءْ.
- أسأل يا زرقاءْ ..عن فمكِ الياقوتِ عن، نبوءة العذراء
- عن ساعدي المقطوع.. وهو ما يزال ممسكاً بالراية المنكَّسةعن صور الأطفال في الخوذات.. ملقاةً على الصحراء
- عن جاريَ الذي يَهُمُّ بارتشاف الماء..فيثقب الرصاصُ رأسَه .. في لحظة الملامسة !
- عن الفم المحشوِّ بالرمال والدماء !!أسأل يا زرقاء ..
- عن وقفتي العزلاء بين السيف .. والجدارْ !عن صرخة المرأة بين السَّبي. والفرارْ ؟
- كيف حملتُ العار..ثم مشيتُ ؟ دون أن أقتل نفسي ؟ ! دون أن أنهار ؟ !
- ودون أن يسقط لحمي .. من غبار التربة المدنسة ؟ !تكلَّمي أيتها النبية المقدسة
- تكلمي .. باللهِ .. باللعنةِ .. بالشيطانْلا تغمضي عينيكِ، فالجرذان ..
- تلعق من دمي حساءَها .. ولا أردُّها !تكلمي ... لشدَّ ما أنا مُهان
- لا اللَّيل يُخفي عورتي .. كلا ولا الجدران !ولا اختبائي في الصحيفة التي أشدُّها ..
- ولا احتمائي في سحائب الدخان !.. تقفز حولي طفلةٌ واسعةُ العينين .. عذبةُ المشاكسة
- ( - كان يَقُصُّ عنك يا صغيرتي .. ونحن في الخنادْقفنفتح الأزرار في ستراتنا .. ونسند البنادقْ
- وحين مات عَطَشاً في الصحَراء المشمسة ..رطَّب باسمك الشفاه اليابسة ..
- وارتخت العينان !)فأين أخفي وجهيَ المتَّهمَ المدان ؟
- والضحكةَ الطروب : ضحكتهُ..والوجهُ .. والغمازتانْ ! ؟
- * * *أيتها النبية المقدسة ..
- لا تسكتي .. فقد سَكَتُّ سَنَةً فَسَنَةً ..لكي أنال فضلة الأمانْ
- قيل ليَ "اخرسْ .."فخرستُ .. وعميت .. وائتممتُ بالخصيان !
- ظللتُ في عبيد ( عبسِ ) أحرس القطعانأجتزُّ صوفَها ..
- أردُّ نوقها ..أنام في حظائر النسيان
- طعاميَ : الكسرةُ .. والماءُ .. وبعض الثمرات اليابسة .وها أنا في ساعة الطعانْ
- ساعةَ أن تخاذل الكماةُ .. والرماةُ .. والفرسانْدُعيت للميدان !
- أنا الذي ما ذقتُ لحمَ الضأن ..أنا الذي لا حولَ لي أو شأن ..
- أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان ،أدعى إلى الموت .. ولم أدع الى المجالسة !!
- تكلمي أيتها النبية المقدسةتكلمي .. تكلمي ..
- فها أنا على التراب سائلٌ دميوهو ظمئُ .. يطلب المزيدا .
- أسائل الصمتَ الذي يخنقني :" ما للجمال مشيُها وئيدا .. ؟! "
- أجندلاً يحملن أم حديدا .. ؟!"فمن تُرى يصدُقْني ؟
- أسائل الركَّع والسجوداأسائل القيودا :
- " ما للجمال مشيُها وئيدا .. ؟! "" ما للجمال مشيُها وئيدا .. ؟! "
- أيتها العَّرافة المقدسة ..ماذا تفيد الكلمات البائسة ؟
- قلتِ لهم ما قلتِ عن قوافل الغبارْ ..فاتهموا عينيكِ، يا زرقاء، بالبوار !
- قلتِ لهم ما قلتِ عن مسيرة الأشجار ..فاستضحكوا من وهمكِ الثرثار !
- وحين فُوجئوا بحدِّ السيف : قايضوا بنا ..والتمسوا النجاةَ والفرار !
- ونحن جرحى القلبِ ،جرحى الروحِ والفم .
- لم يبق إلا الموتُ ..والحطامُ ..
- والدمارْ ..وصبيةٌ مشرّدون يعبرون آخرَ الأنهارْ
- ونسوةٌ يسقن في سلاسل الأسرِ،وفي ثياب العارْ
- مطأطئات الرأس.. لا يملكن إلا الصرخات الناعسة !ها أنت يا زرقاءْ
- وحيدةٌ ... عمياءْ !وما تزال أغنياتُ الحبِّ .. والأضواءْ
- والعرباتُ الفارهاتُ .. والأزياءْ !فأين أخفي وجهيَ المُشَوَّها
- كي لا أعكِّر الصفاء .. الأبله.. المموَّها.في أعين الرجال والنساءْ !؟
- وأنت يا زرقاء ..وحيدة .. عمياء !
- وحيدة .. عمياء !
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.