قصيدة
الجنوبي
أمل دنقل · قافيتها غير موسومة · 59 بيتاً
- صورةهل أنا كنت طفلاً
- أم أن الذي كان طفلاً سوايهذه الصورة العائلية
- كان أبي جالساً، وأنا واقفُ .. تتدلى يدايرفسة من فرس
- تركت في جبيني شجاً، وعلَّمت القلب أن يحترسأتذكر
- سال دميأتذكر
- مات أبي نازفاً أتذكرهذا الطريق إلى قبره
- أتذكرأختي الصغيرة ذات الربيعين
- لا أتذكر حتى الطريق إلى قبرهاالمنطمس
- أو كان الصبي الصغير أنا ؟أم ترى كان غيري ؟
- أحدقلكن تلك الملامح ذات العذوبة
- لا تنتمي الآن ليو العيون التي تترقرق بالطيبة
- الآن لا تنتمي ليصرتُ عني غريباً
- ولم يتبق من السنوات الغريبةالا صدى اسمي
- وأسماء من أتذكرهم -فجأة-بين أعمدة النعي
- أولئك الغامضون : رفاق صباييقبلون من الصمت وجها فوجها فيجتمع الشمل كل صباح
- لكي نأتنس.وجه
- كان يسكن قلبيوأسكن غرفته
- نتقاسم نصف السريرونصف الرغيف
- ونصف اللفافةوالكتب المستعارة
- هجرته حبيبته في الصباح فمزق شريانه في المساءولكنه يعد يومين مزق صورتها
- واندهش.خاض حربين بين جنود المظلات
- لم ينخدشواستراح من الحرب
- عاد ليسكن بيتاً جديداًويكسب قوتاً جديدا
- يدخن علبة تبغ بكاملهاويجادل أصحابه حول أبخرة الشاي
- لكنه لا يطيل الزيارةعندما احتقنت لوزتاه، استشار الطبيب
- وفي غرفة العملياتلم يصطحب أحداً غير خف
- وأنبوبة لقياس الحرارة.فجأة مات !
- لم يحتمل قلبه سريان المخدروانسحبت من على وجهه سنوات العذابات
- عاد كما كان طفلاًسيشاركني في سريري
- وفي كسرة الخبز، والتبغلكنه لا يشاركني .. في المرارة.
- وجهومن أقاصي الجنوب أتى،
- عاملاً للبناءكان يصعد "سقالة" ويغني لهذا الفضاء
- كنت أجلس خارج مقهى قريبوبالأعين الشاردة
- كنت أقرأ نصف الصحيفةوالنصف أخفي به وسخ المائدة
- لم أجد غير عينين لا تبصرانوخيط الدماء.
- وانحنيت عليه أجس يدهقال آخر : لا فائدة
- صار نصف الصحيفة كل الغطاءو أنا ... في العراء
- وجهليت أسماء تعرف أن أباها صعد
- لم يمتهل يموت الذي كان يحيا
- كأن الحياة أبدوكأن الشراب نفد
- و كأن البنات الجميلات يمشين فوق الزبدعاش منتصباً، بينما
- ينحني القلب يبحث عما فقد.ليت "أسماء"
- تعرف أن أباها الذيحفظ الحب والأصدقاء تصاويره
- وهو يضحكوهو يفكر
- وهو يفتش عما يقيم الأود .ليت "أسماء" تعرف أن البنات الجميلات
- خبأنه بين أوراقهنوعلمنه أن يسير
- ولا يلتقي بأحد .مرآة
- -هل تريد قليلاً من البحر ؟-إن الجنوبي لا يطمئن إلى اثنين يا سيدي
- البحر و المرأة الكاذبة.-سوف آتيك بالرمل منه
- وتلاشى به الظل شيئاً فشيئاًفلم أستبنه.
- ..
- -هل تريد قليلاً من الخمر؟-إن الجنوبي يا سيدي يتهيب شيئين :
- قنينة الخمر و الآلة الحاسبة.-سوف آتيك بالثلج منه
- وتلاشى به الظل شيئاً فشيئاًفلم أستبنه
- ..
- بعدما لم أجد صاحبيلم يعد واحد منهما لي بشيئ
- -هل نريد قليلاً من الصبر ؟-لا ..
- فالجنوبي يا سيدي يشتهي أن يكون الذي لم يكنهيشتهي أن يلاقي اثنتين:
- الحقيقة و الأوجه الغائبة.
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.