قصيدة
مرثية رجل عظيم
صلاح عبد الصبور · قافيتها غير موسومة · 43 بيتاً
- كان يريد أن يرى النظام في الفوضىو أن يرى الجمال في النظام
- و كان نادرَ الكلامكأنه يبصر بين كل لفظتين
- أكذوبة ميّتة يخاف أن يبعثها كلامُهُناشرة الفودين, مرخاة الزمام
- و كان في المسا يطيل صحبةَ النجومليبصر الخيط الذي يلمُّها
- مختبئا خلف الغيومثم ينادي اللهَ قبل أن ينام
- الله, هب لي المقلة التي ترىخلف تشَتُّتِ الشكول و الصور
- تغيُّر الألوان و الظلالخلف اشتباه الوهم و المجاز و الخيال
- و خلف ما تسدله الشمس على الدنياو ما ينسجه القمر
- حقائقَ الأشياء و الأحوالو تسألونني: أكان صاحبي؟
- هل صحبة تقوم بين سيدٍ عظيمو خادمٍ محتال؟
- مرثية صديق كان يضحك كثيراكان صديقي
- حين يجىء الليلحتى لا يتعطَّن كالخبز المبتل
- يتحول خمراتتلامس ضحكته الأسيانة في ضخكته الفرحانة
- طينا لمَّاعاً أسودأو بلورا
- و يخشخش في صوت الضحكات المرسَلصوت كتكسُّر قشر الجوز المثقل
- كنا نتلاقىأو بالأحرى نتوحد, كل مساء
- في قاع الحانةكالأكواخ المتقاربة المنهارة
- و الريح من الشباك المترب للشباك المتربتتسكّع بين فراغات الأشياء
- يتنحَّى كلٌّ منا عن موضعه للجار الأقربلا عن أدب و حياء
- بل خوفا أن تختل الدورةإذ نتصادم أو نتلاقى
- كلمات, أو أذرعة, أو آلاما, أو أهواءحذرا أن نهتز و نتفتَّح
- يتقارب كلٌّ منا في داخله كالأجَمِ الفارغفإذا مال تنحنح
- كان صديقي في ساعات الليل الأولىيتجول في بلدتهِ
- كانت بلدتُه ساعات الليل الأولىو يجمِّع من مهجته المنثورة
- أو من بهجته المكسورةما ذاب نهارا في أسفلت الطرقات
- يترشَّفُه قطرات...قطراتحتى يمتلىء كما تمتلىء القارورة
- يتعمَّمُ بالختم الطينيِّ اللمَّاع على عينيه الطيبتينينقش فوق نداوته المحبورة
- صورةَ كون فياض بالضحكاتيتدحرج نحو الحانة
- يتعثَّر في أيدينا مختارايهوي مسفوحا
- يتأرَّج عطرا, ريحا, روحايجعلنا أحيانا نضحك كالخمر الصفراء
- إذ ندرك أان الأشياء المبذولة, مبذولةو الأشياء العادية, عادية
- و الأشياء الملساء, مجرد أشياء ملساءيجعلنا أحيانا نضحك, إذ يضحك كالخمر السوداء
- إذ يبصر في ورق الشجر المتهاويموتَ البذرة
- أو يتحسَّسُ بلسان الحكمة, و اللامعنىحين يمصُّ ثنايا امرأة في قُبلتها الأولى
- جدرانَ الجمجمة النخِرةكنا, و صديقي, في آخر ساعات الليل
- نتحول عاصفة مخمورةتتخدد فوق ملامحنا
- تجعلنا نهتزُّ و نتفتَّحتجعلنا نتكسَّر
- حتى نبدو كتلا متشابهة, متكررة, متآلفةًمن إنسان فرد متكثِّر
- مات صديقي أمسإذ جاء إلى الحانة, لم يُبصر منا أحدا
- أقعى في مقعدهِ مختوما بالبهجةحتى انتصف الليل
- لم يُبصر منا أحداسالت من ساقيهِ البهجة
- و ارتفعت حكمته حتى مسَّت قلبَهفتسمَّم بالحكمة
- غاب الندماء, فلم يقدر أن يتحول خمراو تفتَّت مثل رغيف الخبز .
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.