قصيدة
أحلام الفارس القديم
صلاح عبد الصبور · قافيتها غير موسومة · 53 بيتاً
- لو أننا كنّا كغُصنيْ شجرهالشمسُ أرضعتْ عروقَنا معا
- والفجرُ روّانا ندىً معاثم اصطبغنا خضرةً مزدهره
- حين استطلنا فاعتنقنا أذرُعاوفي الربيع نكتسي ثيابَنا الملوّنه
- وفي الخريف، نخلعُ الثيابَ، نعرى بدَنَاونستحمُّ في الشتا، يدفئنا حُنوُّنا!
- لو أننا كنا بشطّ البحر موجتينْصُفِّيتا من الرمال والمحارْ
- تُوّجتا سبيكةً من النهار والزبدْأَسلمتا العِنانَ للتيّارْ
- يدفعُنا من مهدنا للحْدِنا معافي مشيةٍ راقصةٍ مدندنه
- تشربُنا سحابةٌ رقيقهتذوب تحت ثغر شمسٍ حلوة رفيقه
- ثم نعودُ موجتين توأمينْأسلمتا العنان للتيّارْ
- في دورة إلى الأبدْمن البحار للسماءْ
- من السماء للبحارْ !لو أننا كنا بخَيْمتين جارتينْ
- من شرفةٍ واحدةٍ مطلعُنافي غيمةٍ واحدةٍ مضجعُنا
- نضيء للعشّاق وحدهم وللمسافرينْنحو ديارِ العشقِ والمحبّه
- وللحزانى الساهرين الحافظين مَوثقَالأحبّه
- وحين يأفلُ الزمانُ يا حبيبتييدركُنا الأفولْ
- وينطفي غرامُنا الطويل بانطفائنايبعثنا الإلهُ في مسارب الجِنان دُرّتينْ
- بين حصىً كثيرْوقد يرانا مَلَكٌ إذ يعبر السبيلْ
- فينحني، حين نشدّ عينَهُ إلى صفائنايلقطنا، يمسحنا في ريشه، يعجبُه بريقُنا
- يرشقنا في المفرق الطهورْ !لو أننا كنّا جناحيْ نورسٍ رقيقْ
- وناعمٍ، لا يبرحُ المضيقْمُحلّقٍ على ذؤابات السُّفنْ
- يبشّر الملاحَ بالوصولْويوقظ الحنينَ للأحباب والوطنْ
- منقاره يقتاتُ بالنسيمْويرتوي من عَرَقِ الغيومْ
- وحينما يُجنّ ليلُ البحرِ يطوينا معاً.. معاثم ينام فوق قِلْعِ مركبٍ قديمْ
- يؤانس البحّارةَ الذين أُرهقوا بغربة الديارْويؤنسون خوفَهُ وحيرتهْ
- بالشدوِ والأشعارْوالنفخ في المزمارْ !
- لو أننالو أننا
- لو أننا، وآهِ من قسوةِ «لو»يا فتنتي، إذا افتتحنا بالـمُنى كلامَنا
- لكنّنا..وآهِ من قسوتها «لكننا»!
- لأنها تقول في حروفها الملفوفةِ المشتبكهبأننا نُنكرُ ما خلّفتِ الأيامُ في نفوسنا
- نودُّ لو نخلعهُنودُّ لو ننساه
- نودّ لو نُعيده لرحمِ الحياهلكنني يا فتنتي مُجرِّبٌ قعيدْ
- على رصيف عالمٍ يموج بالتخليطِ والقِمامهكونٍ خلا من الوَسامه
- أكسبني التعتيمَ والجهامهحين سقطتُ فوقه في مطلع الصِّبا
- قد كنتُ في ما فات من أيّامْيا فتنتي محارباً صلباً، وفارساً هُمامْ
- من قبل أن تدوس في فؤاديَ الأقدامْمن قبل أن تجلدني الشموسُ والصقيعْ
- لكي تُذلَّ كبريائيَ الرفيعْكنتُ أعيش في ربيع خالدٍ، أيَّ ربيعْ
- وكنتُ إنْ بكيتُ هزّني البكاءْوكنتُ عندما أحسُّ بالرثاءْ
- للبؤساء الضعفاءْأودُّ لو أطعمتُهم من قلبيَ الوجيعْ
- وكنتُ عندما أرى المحيَّرين الضائعينْالتائهينَ في الظلامْ
- أودُّ لو يُحرقني ضياعُهم، أودُّ لو أُضيءْوكنتُ إنْ ضحكتُ صافياً، كأنني غديرْ
- يفترُّ عن ظلّ النجومِ وجههُ الوضيءْماذا جرى للفارس الهمامْ؟
- انخلع القلبُ، وولَّى هارباً بلا زِمامْوانكسرتْ قوادمُ الأحلامْ
- يا من يدلُّ خطوتي على طريقِ الدمعةِ البريئه!يا من يدلُّ خطوتي على طريقِ الضحكةِ البريئه!
- لكَ السلامْلكَ السلامْ
- أُعطيكَ ما أعطتنيَ الدنيا من التجريب والمهارهلقاءَ يومٍ واحدٍ من البكاره
- لا، ليس غيرَ «أنتِ» من يُعيدُني للفارسِ القديمْدونَ ثمنْ
- دون حسابِ الربحِ والخسارهصافيةً أراكِ يا حبيبتي كأنما كبرتِ خارجَ الزمنْ
- وحينما التقينا يا حبيبتي أيقنتُ أننامفترقانْ
- وأنني سوف أظلُّ واقفاً بلا مكانْلو لم يُعدني حبُّكِ الرقيقُ للطهاره
- فنعرفُ الحبَّ كغصنيْ شجرهكنجمتين جارتينْ
- كموجتين توأمينْمثل جناحَيْ نورسٍ رقيقْ
- عندئذٍ لا نفترقْيضمُّنا معاً طريقْ
- يضمّنا معاً طريقْ .
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.