قصيدة
مكاني الهادئ البعيد
العنوان هو المطلع.
إبراهيم ناجي · قافيتها غير موسومة · 68 بيتاً
- مكانيَ الهادئ البعيدكُن لي مجيراً من الأنام
- قد أمَّكَ الهارب الطريدفآوِه أنتَ والظلام
- يا حسنها ساعة انفصاللا ضنك فيها ولا نكد
- يا حقبة الوهم والخيالهلا تمهلتِ للأبد
- يا أيها العالم الأخيرماذا ترى فيك من نصيب
- أراحةٌ فيك للضميرأم موعدٌ فيك من حبيب
- كم يَعذُب الموت لو نراهُأو كان فيك اللقاءُيُرجى
- ينفض عن عينه كراهُويقبل الراقد المسجَّى
- لكن شكّاً بما تجنخيّم فوق العقول جمعَا
- عجبتُ للمرء كم يئنويستطيب الحياةَ مَرعَى
- قد صار حبُّ الحياة منايقنع بالجيفة السباع
- وعلم السمحَ أن يضنَّاوثبّت الجبن في الطباع
- طال بنا الصمت والجمودلا البدر يوحي ولا الغدير
- يا عالم الضيم والقيودبرَّحت بالطائر الأسير
- هربتُ من عالمٍ أضرَّاوجئت يا كعبتي أزور
- هاتي خيالاً إذن وشعراًأسكبه في فم الدهور
- هرَبتُ من عالم الشقاءوجئت عليَّ لديكِ أحيا
- أشرب من روعة السماءشعراً وأسقي الفؤادَ وحيا
- مللتُ في هاته العوالممهزلةَ الموت والحياه
- وصورة القيد في المعَاصمووصمةَ الذل في الجباه
- هياكلٌ تعبر السنينواحدة العيش والنظام
- واحدة السخط والأنينواحدة الحقد والخصام
- وواحد ذلك الطلاءيسترُ خزياً من الطباع
- افنى البلى أوجه الرياءولم يذُب ذلك القناع
- بعينها كذبة الدموعبعينها ضحكة الخداع
- ومُنحنَى هاته الضلوععلى صوادٍ بها جياع
- كأن صدر الظلام ضاقمن كَثرةِ البثِّ كل حين
- يا ويحه كيف قد أطاقشكوى البرايا على السنين
- كأنما ينفث الشهبتخفيف كربٍ يئنّ منهُ
- كالقلب إن ضاق واكتأبتخفف الذكريات عنهُ
- كم زفرة في الضلوع قرّتيحوطها هيكلٌ مريض
- مبيدة حيثما استقرتفإن نبح سميت قريض
- كم في الدجى آهة تطولتسري إلى أذنه وشعر
- لو يفهم النجم ما نقولأو يفهم الليل ما نُسر
- ما بالها أعين الفلكمنتثرات على الفضاء
- تطل من قاتم الحلكبغير فهمٍ ولا ذكاء
- ألا وفيّ ألا معينفي مدلهم بلا صباح
- وكلّما جَدَّ لي أنينتسخر بي أنّة الرياح
- هبنا شكونا بلا انقطاعما حظ شاكٍ بلا سميع
- وحظ شعرٍ إذا أطاعيا ليته عاش لا يطيع
- يضيع في لجة الزمنمبدداً في الورى صداه
- ولن ترى في الوجود مَنيدري عذاب الذي تلاه
- يا أيها النهر بي حسدلكل جارٍ عليك رف
- أكُلُّ راجٍ كما يوديروي ظماه ويرتشف
- ومن حبيب إلى حبيبترنو حناناً وتبتسم
- وكل غادٍ له نصيبمن مائك البارد الشبم
- يا نهرُ روّيت كل ظاميفراح ريّان إن يذُق
- فكن رحيماً على أواميفلي فمٌ بات يحترق
- يا نهر لي جذوة بجنبيهادئة الجمر بالنهار
- فإن دنا الليل برّحت بيوساكن الليل كم أثار
- وقفت حرّان في إزائكفهل ترى منك مسعدُ
- وددت ألقي بها لمائكلعلها فيك تبردُ
- عالج لظاها فإن سكنفرحمةٌ منك لا تحد
- وإن عصت نارها فكنقبراً لها آخر الأبد
- ترينيَ الهاجر الشتيتوقربه ليس لي ببال
- وكلّما خلتني نسيتمَرَّ أمامي له خيال
- تمر ذكرى وراء ذكرىوكل ذكرى لها دموع
- وتعبر المشجيات تترىمن كل ماضٍ بلا رجوع
- ماضٍ وكم فيه من عثارومن عذابٍ قد انقضى
- كم قلت لا يرفع الستارولا ادكارٌ لما مضى
- يا من أرى الآن نصب عينيخياله عطَّر النسم
- بالله ما تبتغيه منيولم تدع لي سوى الألَم
- في ذمة الله ما أضعتممن مهجٍ أصبحت هباء
- لم نجزكم بالذي صنعتمإنَّا غفرنا لمن أساء
- لا تحسبوا البرء قد ألَمّفلم يزل جرحنا جديدا
- يخدعنا أنّه التأمولم يزل يخبأ الصديد
- يا أيها الليل جئتُ أبكيوجئتُ أسلو وجئت أنسى
- طال عذابي وطال شكيومات قلبي وما تأسَّى
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.