قصيدة
القصيدة العمرية
حافظ إبراهيم · قافيتها ا · 187 بيتاً
- حَسبُ القَوافي وحَسبي حين أُلْقيهاأَنِّي إلى ساحَةِ الفاروقِ أُهْدِيها
- لا هُمَّ، هَبْ لي بياناً أستَعينُ بهعلى قضاءِ حُقوقٍ نامَ قاضِيها
- قد نازَعَتني نَفسي أن أوَفِّيَهاوليس في طَوقِ مِثلي أنْ يُوَفِّيها
- فمُرْ سَرِيَّ المَعاني أنْ يُواتيَنيفيها فإنِّي ضَعيفُ الحالِ واهيها
- مَولَى المُغيرَةِ، لا جادَتكَ غاديَةمن رَحمَةِ اللـهِ ما جادَتْ غَواديها
- مزَّقتَ منه أديماً حَشُوه هِمَمٌفي ذِمّةِ اللـهِ عاليها وماضِيها
- طَعَنْتَ خاصِرَةَ الفاروقِ مُنتَقِماًمن الحَنيفَةِ في أعلى مَجاليها
- فأصبَحَتْ دولةُ الإسلامِ حائرةًتَشكُو الوَجيعةَ لمّا ماتَ آسيها
- مَضى وخَلَّفَها كالطَّودِ راسِخَةًوزانَ بالعَدلِ والتَّقوَى مَغانيها
- تَنبُْو المَعاوِلُ عنها وهيَ قائِمَةٌوالـهادِمُون كثيرٌ في نواحيها
- حتى إذا ما تَوَلاّها مُهَدِّمُهاصاحَ الزَّوَالُ بها فاندَكَّ عاليها
- واهاً على دَولةٍ بالأمسِ قد مَلأَتجَوانِبَ الشَّرقِ رَغداً من أياديها
- كم ظَلَّلَتْها وحاطَتْها بأجنحةٍعن أعينِ الدَّهرِ قد كانت تُواريها
- مِنَ العِنايةِ قد رِيشَتْ قَوادِمُهاومن صَميم التُّقى رِيشَتْ خَوافيها
- واللـهِ ما غالَها قِدْماً وكادَ لـهاواجتَثَّ دَوْحَتَها إِلاّ مَوالِيها
- لو أنّها في صَميم العُرب قد بَقِيَتْلمّا نَعاها على الأيّام ناعِيها
- يا ليتَهُم سَمعُوا ما قالـه عُمَرٌوالرُّوحُ قد بَلَغَتْ منه تَراقِيها
- لا تُكْثِرُوا من مَواليكُم فإنّ لـهممَطامِعاً بَسَماتُ الضَّعفِ تُخفيها
- رأيتَ في الدِّين آراءً مُوَفَّقَةًفأنزَلَ اللـهُ قرآناً يُزَكِّيها
- وكنتَ أوّلَ من قَرَّت بصُحبتِهعينُ الحَنيفةِ واجتازَت أمانِيها
- قد كنتَ أعدى أعاديها فصِرتَ لـهابنعمةِ اللـهِ حِصناً من أعاديها
- خَرَجتَ تَبغي أذاها في محمَّدهاوللحَنيفةِ جَبّارٌ يُواليها
- فلم تَكَدْ تَسمَعُ الآياتِ بالِغةًحتى انكَفَأْتَ تُناوي من يُناويها
- سَمِعْتَ سُورَةَ طّه من مُرَتِّلِهافزلزلت نِيَّةً قد كنتَ تَنويها
- وقُلتَ فيها مَقالاً لا يُطاولُهقَولُ المُحِبِّ الذي قد بات يُطرِيها
- ويومَ أسلَمتَ عَزَّ الحَقُّ وارتَفَعتْعن كاهِلِ الدِّينِ أثقالٌ يُعانيها
- وصاحَ فيه بِلالٌ صَيحَةً خَشَعَتْلـها القُلوبُ ولَبَّتْ أمرَ بارِيها
- فأنتَ في زَمَن المُختارِ مُنجِدُهاوأنتَ في زَمَنِ الصِّدِّيقِ مُنْجِيها
- كم استَراكَ رَسُولُ اللـهِ مُغتَبِطاًبحِكمَةٍ لكَ عند الرَأْيِ يُلْفيها
- ومَوقِفٍ لكَ بعد المصطفى افَتَرقَتفيه الصَّحابةُ لمّا غابَ هاديها
- بايَعتَ فيه أبا بَكرٍ فبايَعَهعلى الخِلافَةِ قاصِيها ودانِيها
- وأُطفِئَت فِتَنةٌ لولاكَ لاستَعَرَتبين القَبائِل وانسابَت أفاعيها
- باتَ النبيُّ مُسَجّىً في حَظيرَتِهوأنتَ مُستَعِرُ الأحشاءِ دامِيها
- تَهيمُ بين عَجيج الناس في دَهَشٍمِن نَبْأَةٍ قد سَرَى في الأرضِ ساريها
- تَصيحُ: من قال نَفسُ المصطفى قُبِضَتْعَلَوتُ هامَتَه بالسَّيفِ أَبْريها
- أنْساكَ ، حُبُّكَ طه أنّه بَشَرٌيُجري عليه شُؤُونَ الكَونِ مُجريها
- وأنّه وارِدٌ لا بدّ مَوْرِدَهمِنَ المَنِيَّةِ لا يُعفيه ساقيها
- نَسِيتَ في حَقِّ طه آيةً نَزَلَتْوقد يُذَكَّرُ بالآياتِ ناسيها
- ذَهِلْتَ يوماً فكانت فِتنَةٌ عَمَمٌوَثابَ رُشدُكَ فانجابَتْ دَياجِيها
- فللسَّقِيفَةِ يومٌ أنتَ صاحِبُهفيه الخِلافةُ قد شِيدَتْ أواسيها
- مَدَّتْ لـها الأَوْسُ كَفّاً كي تَناوَلَهافمَدَّتْ الخَزْرَجُ الأيدي تُباريها
- وظَنَّ كلُّ فَريقٍ أنّ صاحِبَهُمأوْلى بها وأتى الشّحْنَاءَ آتيها
- حتى انَبَريتَ لـهم فارتدّ طامِعُهُمعنها وأخَّى أبو بَكرٍ أواخيها
- وقَولَةٍ لعَليٍّ قالَها عُمَرٌأكرِم بسامِعِها أعظِم بمُلقيها!
- حَرَقتُ دارَكَ لا أبقي عليكَ بهاإنْ لم تُبايعْ وبنتُ المصطفى فيها
- ما كان غيرُ أبي حَفصٍ يَفُوهُ بهاأمامَ فارِسِ عَدْنانٍ وحامِيها
- كلاهُما في سَبيلِ الحَقِّ عَزْمَتُهلا تَنْثَني أو يكونَ الحَقُّ ثانيها
- فاذْكُرْهُمَا وتَرَحَّمْ كُلَّما ذَكَرُواأعاظِماً أَلِّهُوا في الكونِ تأليها
- كم خِفتَ في اللـه مَضعُوفاً دَعاكَ بهِوكم أخَفتَ قويّاً يَنثَني تِيها
- وفي حَديثِ فتَى غَسّانَ موعظةٌلكلِّ ذي نَغرَةٍ يأبى تَناسيها
- فما القَوِيُّ قَوِيّاً رغم عِزَّتهعند الخُصومَةِ والفارُوقُ قاضيها
- وما الضَّعيفُ ضعيفاً بعد حُجَّتِهوإنْ تَخاصَمَ واليها وراعيها
- وما أقَلْتَ أبا سُفيانَ حين طَوىعَنكَ الـهديةَ مُعَتّزاً بمُهديها
- لم يُغنِ عنه وقد حاسَبْتَه حَسَبٌولا مُعاويةٌ بالشامِ يَجبيها
- قَيَّدْتَ منه جَليلاً شاب مَفرِقُهفي عِزِّةٍ ليس من عِزٍّ يُدانيها
- قد نوَّهُوا باسمِه في جاهِلّيتِهوزادَه سَيِّدُ الكَونَينِ تنويها
- في فَتحِ مَكّةَ كانت دارُه حَرَماًقد أمَّنَ اللـهُ بعدَ البيتِ غاشِيها
- وكلُّ ذلك لم يَشفعَ لدى عُمَرٍفي هفوةٍ لأبي سُفيانَ يأْتيها
- تاللـهِ لو فَعَلَ الخَطّابُ فَعلَتَهلمَا تَرَخَّصَ فيها أو يُجازيها
- فلا الحَسابَةُ في حَقٍّ يُجامِلُهاولا القَرابةُ في بُطلٍ يُحابيها
- وتلكَ قُوّةُ نفسٍ لو أراد بهاشُمَّ الجِبالِ لمَا قَرّت رَواسيها
- سَلْ قاهِرَ الفُرسِ والرُّومانِ هل شَفَعَتْلـه الفُتوحُ وهل أغنَى تَواليها
- غَزَى فأبْلى وخَيْلُ اللـهِ قد عُقِدتباليُمنِ والنَّصْرِ والبُشْرَى نَواصِيها
- يَرمي الأعادي بآراءٍ مُسَدَّدَةٍوبالفَوارسِ قد سالَتْ مَذاكيها
- ما واقَعَ الرُّومَ إلاّ فَرَّ قارِحُهاولا رَمَى الفُرسَ إلاّ طاشَ راميها
- ولم يَجُزْ بَلدَةً إلا سَمِعْتَ بهااللـهُ أكبرُ تَدوي في نَواحيها
- عِشرُونَ مَوقِعَةً مَرّتْ مُحَجَّلةًمن بعد عَشرٍ بَنانُ الفَتحِ تُحْصيها
- وخالدٌ في سَبيلِ اللـهِ مُوقِدُهاوخالدٌ في سَبيلِ اللـه صاليها
- أتاهُ أمْرُ أبي حَفصِ فقبَّلَهكما يُقَبِّلُ آيَ اللـهِ تالِيها
- واستَقْبَلَ العَزْلَ في إبّانِ سَطْوَتهومَجْدِه مُسْتَريحَ النَّفسِ هاديها
- فاعجَب لسَيِّدِ مَخُزومٍ وفارِسِهايومَ النِّزالِ إذا نادَى مُناديها
- يَقُودُه حَبَشيٌّ في عِمامَتِهولا تُحرَّكُ مَخزُومٌ عَواليها
- ألْقَى القِيادَ إلى الجَرّاحِ مُمْتَثِلاًوعِزّةُ النَّفْسِ لم تُجْرَحْ حَواشيها
- وانضَمَّ للجُند يَمشي تحتَ رايَتِهوبالحياةِ إذا مالَتْ يُفَدِّيها
- وما عَرَتْه شَكوكٌ في خَليفَتِهولا ارتَضَى إمَرةَ الجَرّاحِ تَمويها
- فخالِدٌ كان يَدري أنّ صاحِبَهقد وَجَه النَّفسَ نحوَ اللـهِ تَوجيها
- فما يُعالِجُ من قَولٍ ولا عَمَلٍإلاّ أرادَ به للنّاسِ تَرفيها
- لذاكَ أوْصَى بأولادٍ لـه عُمَراًلمّا دَعاهُ إلى الفِرْدَوسِ داعيها
- وما نَهَى عُمَرٌ في يومِ مَصرعِهنِساءَ مَخزومَ أن تَبكي بَواكيها
- وقيل : خالَفتَ يا فاروقُ صاحِبَنافيه وقد كان أعطى القَوسَ باريها
- فقال: خِفتُ افتِتانِ المُسلمين بهوفِتنةُ النَّفسِ أعيَت مَن يُداويها
- هَبوه أخطَأَ في تَأْويلِ مَقصِدِهوأنّها سَقطَةٌ في عينِ ناعيها
- فلن تَعيبَ حَصيفَ الرأيِ زَلّتُهحتى يَعيبَ سُيوفَ الـهِندِ يَطويها
- تاللـهِ لم يَتَّبعْ في ابنِ الوَليد هَوىًولا شَفَى غُلَّةً في الصَّدْرِ يَطويها
- لكنّه قد رأى رَأياً فأتبعَهعَزيمَةً منه لم تُثْلَمْ مَواضيها
- لم يَرعَ في طاعَةِ المولى خُؤُولَتَهولا رَعى غيرَها فيما يُنافيها
- وما أصابَ ابنُه والسَّوْطُ يأخُذُهُلَدَيه من رَأْفَةٍ في الحَدِّ يُبديها
- إنّ الذي بَرَأَ الفاروقَ نَزَّهَهعن النَّقائِصِ والأغراضِ تَنْزيها
- فذاكَ خُلقٌ مِنَ الفِردَوسِ طينَتُهاللـهُ أوْدَعَ فيها ما ينَقِّيها
- لا الكِبْرُ يَسْكُنُها، لا الظُّلمُ يَصحَبُها،لا الحِقدُ يَعرِفُها، لا الحِرصُ يُغويها
- شاطَرتَ داهَيةَ السُّوَاس ثَرَوتَهولم تَخَفه بمِصرٍ وهو والِيها
- وأنتَ تَعِرفُ عَمراً في حَواضِرِهاولستَ تَجهَلُ عَمراً في بَواديها
- لم تُنبِت الأرضُ كابن العاصِ داهيةًيَرمي الخُطوبَ بَرأيٍ ليسَ يُخطِيها
- فلم يُرِغ حِيلَةً فيما أمَرتَ بهوقامَ عَمروٌ إلى الأجمالِ يُزجِيها
- ولم تُقِلْ عامِلاً منها وقد كَثُرَتْأموالُه وفَشا في الأرضِ فاشيها
- وما وَفى ابنُكَ عبدُ اللـهِ أَيْنُقَهلمّا اطَّلَعْتَ عليها في مَراعيها
- يَنها في حِماهُ وهي سارِحَةٌمِثلَ القُصور قد اهتَزَّت أعاليها
- فقلتَ: ما كان عبدُ اللـه يُشبِعُهالو لم يكن وَلَدي أو كان يُرويها
- قد استعانَ بجاهي في تِجارَتِهوباتَ باسمِ أبي حَفصٍ يُنَميِّها
- رُدّوا النِّياقَ لبيتِ المالِ إنّ لـهحَقَّ الزِّيادَةِ فيها قَبل شاريها
- وهذه خُطّةٌ للـهِ واضِعُهارَدَّتْ حُقوقاً فأغنَت مُستَميحيها
- ما الإشتراكيَّةُ المُنشودُ جانِبُهابين الورى غيرَ مَبنىً من مَبانيها
- فإنْ نكن نحن أهليها ومنبِتَهافإنّهم عَرَفُوها قبل أهليها
- جَنَى الجَمالُ على نَصرٍ فغَرَّبَهعَنِ المَدينةِ تَبكِيه ويَبكيها
- وكم رَمَت قَسماتُ الحُسنِ صاحِبَهاوأتعَبَتْ قَصَبَاتُ السَّبقِ حاويها
- وزهرةُ الرَّوضِ لولا حُسنُ رونقِهالمَا استَطالَتْ عليها كفُّ جانيها
- كانت لـه لِمَّةٌ فَينانَةٌ عَجَبٌعلى جَبينٍ خَليق أنْ يُحَلّيها
- وكان أنَّى مَشَى مالَتْ عَقَائِلُهاشَوقاً إليه وكادَ الحُسنُ يَسبيها
- هَتَفَنَ تحتَ اللّيالي باسمِه شَغَفاًوللحِسانِ تَمّنٍّ في لَياليها
- جَزَزتَ لِمَّتَه لمّا أُتِيتَ بهففاقَ عاطِلُها في الحُسنِ حاليها
- فَصِحْتَ فيه تَحَوَّلْ عن مَدينَتِهِمفإنّها فِتنَةٌ أخشى تَماديها
- وفِتنةُ الحُسنِ إنْ هَبَّتْ نَوافِحُهاكفِتنَةِ الحَربِ إنْ هَبَّتْ سَوافيها
- وراعَ صاحبُ كسرى أنْ رأى عُمَراًبين الرَّعيّةِ عُطلاً وهو راعيها
- وعَهدُه بمُلوكِ الفُرسِ أنّ لـهاسُوراً من الجُندِ والأحراسِ يَحميها
- رآه مُستَغرقاً في نَومِه فَرأىفيه الجَلالَة في أسمَى مَعانيها
- فوقَ الثَّرَى تحتَ ظِلِّ الدَّوحِ مُشتَمِلاًبُبردَةٍ كادَ طُولُ العَهدِ يُبليها
- فهانَ في عَيِنه ما كان يُكبِرُهمِنَ الأكاسِرِ والدّنيا بأيديها
- وقال قَوَلَةَ حَقٍّ أصبَحَتْ مَثَلاًوأصَبَحَ الجيلُ بعدَ الجيلِ يَرويها:
- أمِنتَ لمّا أقَمتَ العَدلَ بينهُمُفنِمتَ نَومَ قَريرِ العَينِ هانيها
- يا رافِعاً رايةَ الشُّورَى وحارِسَهاجَزاكَ رَبُّكَ خَيراً عن مُحِبِّيها
- لم يُلـهِكَ النَّزْعُ عن تأييدِ دَولَتهاوللمَنِيَّةِ آلامٌ تُعانيها
- لم أنسَ أمركَ للمِقدادِ يَحمِلُهإلى الجَماعةِ إنذاراً وتَنبيها
- إِنْ ظَلَّ بعد ثَلاثٍ رأْيُها شُعَباًفجَرِّدِ السَّيفَ واضرِبْ في هَواديها
- فاعجَبْ لقوّةِ نَفسٍ ليسَ يَصرِفُهاطَعمُ المَنِّيةِ مُرّاً عن مَراميها
- دَرَى عميدُ بني الشُّورَى بمَوضِعِهافعاشَ ما عاشَ يَبنيها ويُعليها
- وما استَبَدَّ برأْيٍ في حُكومَتِهإنّ الحُكومَةَ تُغري مُستَبِدِّيها
- رأيُ الجّماعةِ لا تَشقَى البِلادُ بهرغم الخِلافِ ورَأْيُ الفَردِ يُشقيها
- يا مَن صَدَفتَ عن الدُّنيا وزِينَتهافلم يَغُرَّكَ من دُنياكَ مُغريها
- ماذا رأيتَ بباب الشامِ حين رَأوْاأنْ يُلبِسُوكَ مِن الأثوابِ زاهيها
- ويُرْكِبُوكَ على البِرذَونِ تَقدمُهُخَيلٌ مُطَهَّمَةٌ تَحلُو مَرائيها
- مَشى فهَملَجَ مُختالاً براكبِهوفي البَراذِينِ ما تُزهى بعاليها
- فصِحتَ: يا قوم، كادَ الزَّهوُ يَقتُلُنيوداخَلَتنِيَ حالٌ لستُ أدْريها
- وكادَ يَصبُو إلى دُنياكُمُ عُمَرٌويَرتَضي بَيعَ باقيهِ بفانيها
- رُدُّوا رِكابي فلا أبغي به بَدَلارُدُّوا ثيابي فحَسبي اليومَ باليها
- ومَن رآهُ أمامَ القِدْرِ مُنبَطِحاًوالنارُ تَأْخُذُ منه وهو يُذْكيها
- وقد تَخَلَّلَ في أثناءِ لِحَيتِهِمنها الدُّخانُ وَفُوهُ غابَ في فيها
- رأى هُناكَ أميرَ المُؤمنين علىحالٍ تَرُوعُ ـ لَعَمرُ اللـهِ ـ رائيها
- يَستَقبِلُ النارَ خَوفَ النارِ في غدِهِوالعَينُ من خَشيَةٍ سالَتْ مَآقيها
- إنْ جاعَ في شِدّةٍ قَومٌ شَرِكتَهُمفي الجوعِ أو تَنجلَي عنهم غَواشيها
- جُوعُ الخَليفَةِ ـ والدُّنيا بقَبضَتِه ـفي الزُّهدِ مَنزِلَةٌ سبحانَ مُوَليها
- فمَن يُباري أبا حَفصٍ وسيرَتَهأو مَن يُحاولُ للفاروقَ تَشْبيها
- يومَ اشتَهَتْ زَوجُه الحَلوى فقال لـهامن أينَ لي ثَمَنُ الحلوى فأشريها
- لا تَمتَطي شَهَواتِ النَّفسِ جامِحَةًفكِسرَةُ الخُبز عن حَلواكِ تَجزيها
- وهل يَفي بيتُ مالِ المُسلمينَ بماتُوحي إليك إذا طاوَعتِ مُوحيها
- قالت: لكَ اللـهُ إنِّي لستُ أَرزَؤُهمَالاً لحاجَةِ نفسٍ كنتُ أبغيها
- لِكنْ أُجنِّبُ شيْئاً مِن وَظِيفَتناَوفي كُلِّ يْومٍ عَلَى حَالٍ أُسَوِّيهاً
- حتى إذا ما مَلَكنا ما يُكافِئُهاشَرَيتُها ثُمّ إنِّي لا أُثَنِّيها
- قال: اذهبي واعلَمي إنْ كنتِ جاهِلَةًأنَّ القَناعةَ تُغني نفسَ كاسيها
- وأقبلَت بعدَ خَمسٍ وهي حامِلَةٌدُرَيهِماتٍ لتقضي من تَشَهِّيها
- فقال: نَبَّهتِ منِّي غافلاً فدَعيهذي الدَّراهِمَ إذْ لا حَقَّ لي فيها
- وَيلي على عُمَرٍ يَرضى بمُوفِيَةٍعلى الكفافِ ويَنهَى مُستَزيديها
- ما زادَ عن قُوتنا فالمُسلمونَ بهأوْلى فقُومي لبيتِ المالِ رُدِّيها
- كذاكَ أخلاقُه كانت وما عُهِدَتْبعد النُّبُوّةِ أخلاقٌ تُحاكيها
- في الجاهليّةِ والإِسلامِ هَيبَتُهتَثْني الخُطوبَ فلا تَعدُو عَواديها
- في طَيِّ شِدَّته أسرارٌ مَرحَمَةٍللعالَمينَ ولكن ليس يُفْشيها
- وبين جَنَبيه في أوفى صَرامتِهفُؤادُ والدةٍ تَرعى ذَراريها
- أغنَتْ عن الصَّارِمِ المصقولِ دِرّتُهفكم أخافَت غَويِّ النَّفسِ عاتيها
- كانت لـه كعصا مُوسى لصاحِبهالا يَنزِلُ البُطلُ مُجتازاً بِوادِيها
- أخافَ حتى الذَّراري في ملاعِبِهاوراعَ حتى الغواني في مَلاهيها
- أرَيتَ تلكَ التي للـه قد نَذَرَتْأنشودَةً لرسولِ اللـه تُهديها
- قالت: نَذَرْتُ لئن عادَ النَّبيُ لنامن غزوةٍ لَعَلى دُفِّي أُغَنِّيها
- ويَمَّمَتْ حَضَرَةَ الـهادي وقد مَلأَتْأنوارُ طَلعتِه أرجاءَ ناديها
- واستأذَنَت ومَشَت بالدُّفِّ واندَفَعَتتُشجي بألحانِها ما شاءَ مُشجيها
- والمصطفى وأبو بَكرٍ بجانِبهلا يُنكِرانِ عليها من أغانيها
- حتى إذا لاحَ من بُعدٍ لـها عُمَرٌخارَت قُواها وكادَ الخَوفُ يُرديها
- وخَبَأَتْ دُفَّها في ثَوبِها فَرَقاًمنه ووَدَّتْ لو أنّ الأرضَ تَطويها
- قد كانَ حِلمُ رسولِ اللـهِ يُؤْنِسُهافجاءَ بَطشُ أبي حَفصٍ يُخَشِّيها
- فقالَ مَهِبطُ وَحيِ اللـهِ مُبتَسِماًوفي ابتِسامَتِهِ مَعنىً يُواسيها
- قد فَرَّ شيطانُها، لمّا رأى عُمَراًإنّ الشياطينَ تَخشى بأسَ مُخزيها
- وفِتيَةٍ وَلِعُوا بالرَّاحِ فانَتَبَذُواالـهم مَكاناً وجَدُّوا في تَعاطِيها
- ظَهَرتَ حائِطَهُم لمّا عَلِمتَ بهموالليلُ مُعتَكِرُ الأرجاءِ ساجيها
- حتى تَبَيَّنْتَهُم والخَمرُ قد أخَذَتتَعلو ذُؤابَةَ ساقيها وحاسيها
- سَفَّهتَ آراءَهُم فيها فما لَبِثواأن أوسَعُوكَ على ماجِئتَ تَسفيها
- ورُمتَ تَفقيهَهُم في دينِيهِم فإذابالشَّربِ قد بَرَعُوا الفاروقَ تَفقيها
- قالوا: مَكانَكَ قد جِئنا بواحِدَةٍوجِئتَنا بثَلاثٍ لا تُباليها
- فأْتِ البيوتَ من الأبوابِ يا عُمَرٌفقد يُزَنُّ من الحِيطانِ آتيها
- واستأْذِن الناسَ أنْ تَغشى بُيوتَهُمُولا تُلِمّ بدارٍ أو تَحَيِّيها
- ولا تَجَسَّس فهذي الآيُ قد نَزَلَتْبالنَّهْي عنه فلم تَذكر نَواهيها
- فعُدتَ عنهم وقد أكبَرتَ حُجَّتَهُملمّا رَأيتَ كِتابَ اللـهِ يُمليها
- وما أنِفتَ وإنْ كانوا على حَرَجٍمن أن يَحُجَّكَ بالآياتِ عاصيها
- وسَرحَةٍ في سماءِ السَّرحِ قد رَفَعَتببيعَةِ المُصطَفى من رأسِها تيها
- أزَلتَها حين غَالوْا في الطَّوافِ بهاوكان تَطوافُهُم للدِّينِ تَشويها
- هذي مناقِبُه في عهدِ دولتِهِللشّاهِدِينَ وللأعقابِ أحكيها
- في كلِّ واحدةٍ منهنّ نابِلَةٌمن الطبائعِ تَغذو نفسَ واعيها
- لَعَلَّ في أمّةِ الإسلامِ نابتَةًتَجلُو لحاضِرِها مِرآةَ ماضيها
- حتى تَرَى بعضَ ما شادَت أوائِلُهامن الصُّروحِ وما عاناهُ بانيها
- وحَسبُها أن ترى ماكانَ من عُمَرٍحتى يُنَبِّهَ منها عينَ غافيها
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.