قصيدة
شيعوا الشمس ومالوا بضحاها
العنوان هو المطلع.
أحمد شوقي · قافيتها ا · 94 بيتاً
- شَيَّعوا الشَمسَ وَمالوا بِضُحاهاوَاِنحَنى الشَرقُ عَلَيها فَبَكاها
- لَيتَني في الرَكبِ لَمّا أَفَلَتيوشَعٌ هَمَّت فَنادى فَثَناها
- جَلَّلَ الصُبحَ سَواداً يَومُهافَكَأَنَّ الأَرضَ لَم تَخلَع دُجاها
- اِنظُروا تَلقَوا عَلَيها شَفَقاًمِن جِراحاتِ الضَحايا وَدِماها
- وَتَرَوا بَينَ يَدَيها عَبرَةًمِن شَهيدٍ يَقطُرُ الوَردَ شَذاها
- آذَنَ الحَقُّ ضَحاياها بِهاوَيحَهُ حَتّى إِلى المَوتى نَعاها
- كَفَّنوها حُرَّةً عُلوِيَّةًكَسَتِ المَوتَ جَلالاً وَكَساها
- مِصرُ في أَكفانِها إِلّا الهُدىلُحمَةُ الأَكفانِ حَقٌّ وَسُداها
- خَطَرَ النَعشُ عَلى الأَرضِ بِهايَحسِرُ الأَبصارَ في النَعشِ سَناها
- جاءَها الحَقُّ وَمِن عادَتِهاتُؤثِرُ الحَقَّ سَبيلاً وَاِتِّجاها
- ما دَرَت مِصرٌ بِدَفنٍ صُبِّحَتأَم عَلى البَعثِ أَفاقَت مِن كَراها
- صَرَخَت تَحسَبُها بِنتَ الشَرىطَلَبَت مِن مِخلَبِ المَوتِ أَباها
- وَكَأَنَّ الناسَ لَمّا نَسَلواشُعَبُ السَيلِ طَغَت في مُلتَقاها
- وَضَعوا الراحَ عَلى النَعشِ كَمايَلمَسونَ الرُكنَ فَاِرتَدَّت نَزاها
- خَفَضوا في يَومِ سَعدٍ هامَهُموَبِسَعدٍ رَفَعوا أَمسِ الجِباها
- سائِلوا زَحلَةً عَن أَعراسِهاهَل مَشى الناعي عَلَيها فَمَحاها
- عَطَّلَ المُصطافَ مِن سُمّارِهِوَجَلا عَن ضِفَّةِ الوادي دُماها
- فَتَحَ الأَبوابَ لَيلاً دَيرُهاوَإِلى الناقوسِ قامَت بيعَتاها
- صَدَعَ البَرقُ الدُجى تَنشُرُهُأَرضُ سورِيّا وَتَطويهِ سَماها
- يَحمِلُ الأَنباءَ تَسري موهِناًكَعَوادي الثُكلِ في حَرِّ سُراها
- عَرَضَ الشَكُّ لَها فَاِضطَرَبَتتَطَأُ الآذانَ هَمساً وَالشِفاها
- قُلتُ يا قَومُ اِجمَعوا أَحلامَكُمكُلُّ نَفسٍ في وَريدَيها رَداها
- يا عَدُوَّ القَيدِ لَم يَلمَح لَهُشَبَحاً في خُطَّةٍ إِلّا أَباها
- لا يَضِق ذَرعُكَ بِالقَيدِ الَّذيحَزَّ في سوقِ الأَوالي وَبَراها
- وَقَعَ الرُسلُ عَلَيهِ وَاِلتَوَتأَرجُلُ الأَحرارِ فيهِ فَعَفاها
- يا رُفاتاً مِثلَ رَيحانِ الضُحىكَلَّلَت عَدنٌ بِها هامَ رُباها
- وَبَقايا هَيكَلٍ مِن كَرمٍوَحَياةٍ أَترَعَ الأَرضَ حَياها
- وَدَّعَ العَدلُ بِها أَعلامَهُوَبَكَت أَنظِمَةُ الشورى صُواها
- حَضَنَت نَعشَكَ وَاِلتَفَّت بِهِرايَةٌ كُنتَ مِنَ الذُلِّ فِداها
- ضَمَّتِ الصَدرَ الَّذي قَد ضَمَّهاوَتَلَقّى السَهمَ عَنها فَوَقاها
- عَجَبي مِنها وَمِن قائِدِهاكَيفَ يَحمي الأَعزَلُ الشَيخُ حِماها
- مِنبَرُ الوادي ذَوَت أَعوادُهُمِن أَواسيها وَجَفَّت مِن ذُراها
- مَن رَمى الفارِسَ عَن صَهوَتِهاوَدَها الفُصحى بِما أَلجَمَ فاها
- قَدَرٌ بِالمُدنِ أَلوى وَالقُرىوَدَها الأَجبالَ مِنهُ ما دَهاها
- غالَ بَسطورا وَأَردى عُصبَةًلَمَسَت جُرثومَةَ المَوتِ يَداها
- طافَتِ الكَأسُ بِساقي أُمَّةٍمِن رَحيقِ الوَطَنِيّاتِ سَقاها
- عَطِلَت آذانُها مِن وَتَرٍساحِرٍ رَنَّ مَلِيّاً فَشَجاها
- أَرغُنٌ هامَ بِهِ وِجدانُهاوَأَذانٌ عَشِقَتهُ أُذُناها
- كُلَّ يَومٍ خُطبَةٌ روحِيَّةٌكَالمَزاميرِ وَأَنغامِ لُغاها
- دَلَّهَت مِصراً وَلَو أَنَّ بِهافَلَواتٍ دَلَّهَت وَحشَ فَلاها
- ذائِدُ الحَقِّ وَحامي حَوضِهِأَنفَذَت فيهِ المَقاديرُ مُناها
- أَخَذَت سَعداً مِنَ البَيتِ يَدٌتَأخُذُ الآسادَ مِن أَصلِ شَراها
- لَو أَصابَت غَيرَ ذي روحٍ لَماسَلِمَت مِنها الثُرَيّا وَسُهاها
- تَتَحَدّى الطِبَّ في قُفّازِهاعِلَّةُ الدَهرِ الَّتي أَعيا دَواها
- مِن وَراءِ الإِذنِ نالَت ضَيغَماًلَم يَنَل أَقرانَهُ إِلّا وِجاها
- لَم تُصارِح أَصرَحَ الناسِ يَداًوَلِساناً وَرُقاداً وَاِنتِباها
- هَذِهِ الأَعوادُ مِن آدَمَ لَميَهدَ خُفّاها وَلَم يَعرَ مَطاها
- نَقَلَت خوفو وَمالَت بِمِنالَم يَفُت حَيّاً نَصيبٌ مِن خُطاها
- تَخلِطُ العُمرَينِ شيباً وَصِباًوَالحَياتَينِ شَقاءً وَرَفاها
- زَورَقٌ في الدَمعِ يَطفو أَبَداًعَرَفَ الضَفَّةَ إِلّا ما تَلاها
- تَهلَعُ الثَكلى عَلى آثارِهِفَإِذا خَفَّ بِها يَوماً شَفاها
- تَسكُبُ الدَمعَ عَلى سَعدٍ دَماًأُمَّةٌ مِن صَخرَةِ الحَقِّ بَناها
- مِن لَيانٍ هُوَ في يَنبوعِهاوَإِباءٍ هُوَ في صُمِّ صَفاها
- لُقِّنَ الحَقَّ عَلَيهِ كَهلُهاوَاِستَقى الإيمانُ بِالحَقِّ فَتاها
- بَذَلَت مالاً وَأَمناً وَدَماًوَعَلى قائِدِها أَلقَت رَجاها
- حَمَّلَتهُ ذِمَّةً أَوفى بِهاوَاِبتَلَتهُ بِحُقوقٍ فَقَضاها
- اِبنُ سَبعينَ تَلَقّى دونَهاغُربَةَ الأَسرِ وَوَعثاءَ نَواها
- سَفَرٌ مِن عَدَنِ الأَرضِ إِلىمَنزِلٍ أَقرَبُ مِنهُ قُطُباها
- قاهِرٌ أَلقى بِهِ في صَخرَةٍدَفَعَ النَسرَ إِلَيها فَأَواها
- كَرِهَت مَنزِلَها في تاجِهِدُرَّةٌ في البَحرِ وَالبَرِّ نَفاها
- اِسأَلوها وَاِسأَلوا شائِنَهالِمَ لَم يَنفِ مِنَ الدُرِّ سِواها
- وَلَدَ الثَورَةَ سَعدٌ حُرَّةًبِحَياتَي ماجِدٍ حُرٍّ نَماها
- ما تَمَنّى غَيرُها نَسلاً وَمَنيَلِدِ الزَهراءَ يَزهَد في سِواها
- سالَتِ الغابَةُ مِن أَشبالِهابَينَ عَينَيهِ وَماجَت بِلَباها
- بارَكَ اللَهُ لَها في فَرعِهاوَقَضى الخَيرَ لِمِصرٍ في جَناها
- أَوَ لَم يَكتُب لَها دُستورَهابِالدَمِ الحُرِّ وَيَرفَعُ مُنتَداها
- قَد كَتَبناها فَكانَت صورَةًصَدرُها حَقٌّ وَحَقٌّ مُنتَهاها
- رَقَدَ الثائِرُ إِلّا ثَورَةًفي سَبيلِ الحَقِّ لَم تَخمُد جُذاها
- قَد تَوَلّاها صَبِيّاً فَكَوَتراحَتَيهِ وَفَتِيّاً فَرعاها
- جالَ فيها قَلَماً مُستَنهِضاًوَلِساناً كُلَّما أَعيَت حَداها
- وَرَمى بِالنَفسِ في بُركانِهافَتَلَقّى أَوَّلَ الناسِ لَظاها
- أَعَلِمتُم بَعدَ موسى مِن يَدٍقَذَفَت في وَجهِ فِرعَونَ عَصاها
- وَطِأَت نادِبَةً صارِخَةًشاهَ وَجهُ الرِقِّ يا قَومُ وَشاها
- ظَفِرَت بِالكِبرِ مِن مُستَكبِرٍظافِرِ الأَيّامِ مَنصورِ لِواها
- القَنا الصُمُّ نَشاوى حَولَهُوَسُيوفُ الهِندِ لَم تَصحُ ظُباها
- أَينَ مِن عَينَيَّ نَفسٌ حُرَّةٌكُنتُ بِالأَمسِ بِعَينَيَّ أَراها
- كُلَّما أَقبَلتُ هَزَّت نَفسَهاوَتَواصى بِشرُها بي وَنَداها
- وَجَرى الماضي فَماذا اِدَّكَرَتوَاِدِّكارُ النَفسِ شَيءٌ مِن وَفاها
- أَلمَحُ الأَيّامَ فيها وَأَرىمِن وَراءِ السِنِّ تِمثالَ صِباها
- لَستُ أَدري حينَ تَندى نَضرَةًعَلَتِ الشَيبَ أَمِ الشَيبُ عَلاها
- حَلَّتِ السَبعونَ في هَيكَلِهافَتَداعى وَهيَ مَوفورٌ بِناها
- رَوعَةُ النادي إِذا جَدَّت فَإِنمَزَحَت لَم يُذهِبِ المَزحُ بَهاها
- يَظفَرُ العُذرُ بِأَقصى سُخطِهاوَيَنالُ الوُدُّ غاياتِ رِضاها
- وَلَها صَبرٌ عَلى حُسّادِهايُشبِهُ الصَفحَ وَحِلمٌ عَن عِداها
- لَستُ أَنسى صَفحَةً ضاحِكَةًتَأخُذُ النَفسَ وَتَجري في هَواها
- وَحَديثاً كَرِواياتِ الهَوىجَدَّ لِلصَبِّ حَنينٌ فَرواها
- وَقَناةً صَعدَةٌ لَو وُهِبَتلِلسِماكِ الأَعزَلِ اِختالَ وَتاها
- أَينَ مِنّي قَلَمٌ كُنتُ إِذاسُمتُهُ أَن يَرثِيَ الشَمسَ رَثاها
- خانَني في يَومِ سَعدٍ وَجَرىفي المَراثي فَكَبا دونَ مَداها
- في نَعيمِ اللَهِ نَفسٌ أوتِيَتأَنعُمَ الدُنيا فَلَم تَنسَ تُقاها
- لا الحِجى لَمّا تَناهى غَرَّهابِالمَقاديرِ وَلا العِلمُ زَهاها
- ذَهَبَت أَوّابَةً مُؤمِنَةًخالِصاً مِن حَيرَةِ الشَكِّ هُداها
- آنَسَت خَلقاً ضَعيفاً وَرَأَتمِن وَراءِ العالَمِ الفاني إِلَها
- ما دَعاها الحَقُّ إِلّا سارَعَتلَيتَهُ يَومَ وَصيفٍ ما دَعاها
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.