قصيدة
بين تلك الربى وذاك الورد
العنوان هو المطلع.
الياس أبو شبكة · قافيتها غير موسومة · 133 بيتاً
- بَينَ تِلكَ الرُبى وَذاكَ الوَردِفَوقَ حَصباءِ شاطىءٍ لازوردي
- تَحتَ أُفقٍ كَالخَدِّ أَو كَالفَرَندِأَملَسٍ عَطَّرتَه نَفحَةُ رَندِ
- فَسَرى الطَيبُ في الفَضاءِ زَكِيّاكانَ داودُ دائِماً يَتَرَدَّد
- وَعلى صَخرَةٍ يُهَيِّىءُ مُقعَدفَإِذا مالَتِ الغُصونُ تَنهَّد
- وَاِنجَلى عَنهُ حُزنُهُ وَتَبَدَّدوَتَناسى عَهد الشَقاءِ القَصيّا
- كانَ حلوَ الحَديثِ عَذبَ الطِباعِشاعِراً مُصغِياً لكلِّ التِياعِ
- إِن رَأى أَدمُعاً بَكَت لِدَواعِذَرفَ الدَمعَ من عُيونِ اليراعِ
- راسِماً مَشهَدَ الحَياةِ شَقِيّاكُلَّما كانَ جالِساً يَتَأَمَّل
- في السَواقي ذاتِ الزَلالِ المسلسلكَيفَ تَجري بِدون أَن تَتَمَهَّل
- ثُمَّ تَنصَبُّ جَدولاً إِثرَ جَدوَلبَينَ وَردِ الرُبى فَيَنمو نَدِيّا
- كانَ يَمضي أَمامَهُ اِمرَأَتانِكَرُخامِ القُبورِ صامِتَتانِ
- تَنظُرانِ الرَبيعَ بَعضَ ثَوانِوَوَراءَ الأَدغالِ تَختَفِيانِ
- كَخَيالينِ من سعادٍ وَمَيّاكَهلَةٌ قَد تُناهِزُ الخَمسينا
- وَفَتاةٌ لا تَبلغُ العِشريناحَمَلَت في الضُلوع داءً دَفينا
- فَهيَ تَسلو الآلامَ حيناً وَحيناتُبصِرُ المَوتَ دانِياً يتهَيّا
- مُقلَتَاها ما عادَتا مُقلَتَيهافَهما مَيتَتانِ في جَفنَيها
- وَيَداها في الداءِ غَيرُ يَدَيهاأَيُّها السِلُّ لِم جَنَيتَ عَلَيها
- أَوَلا تَرحَم الفُؤادَ الفَتِيّابَعدَ شَهرٍ كَأَنَّما هُوَ عامٌ
- نَسَجَت فيهِ بُردَها الآلامُشاءَ داودُ أَن يَكونَ سَلامٌ
- وَاِبتِسامٌ ما بَينَهُم وَكَلامُوَحَديثٌ عَن الفَتاةِ فَحَيّا
- وَدَرى بَعدَ ذاكَ أَنَّ أَباهاماتَ بِالداءِ نَفسِهِ وَأَخاها
- فَبَكى راثِياً جَمالَ صِباهاوَاِبتِساماً مُوَدِّعاً في لماها
- وَشَباباً يَموتُ شَيئاً فَشَيّاأُمها وَهيَ أَثكَلُ الأُمَّهاتِ
- بَعدَ تِلكَ المَشاهِدِ الماضِياتِلَم تَكُن تَستَطيعُ بِالبَسماتِ
- رَدعَ مَصدورَة عَن الحَسَراتِفَاِبتِسامُ الحَزينِ كانَ عَصيّا
- طالَما ذِكرَياتُ تِلكَ المَشاهِدعاوَدَتها وَاللَيلُ سَكرانُ ساهِد
- يَومَ كانَت تَبكي أَمامَ الوسائِدحيثُ ماتَ الوَليدُ بَعد الوالِد
- تارِكينَ الداءَ المُخيفَ الخَفِيّاربِّ قالَت يا رَبَّ هذا الوُجودِ
- وَرَجاءَ الشَقِيِّ وَالمَنكودِقَد كَفاني في شَقوَتي وَجُهودي
- موتُ زَوجي الفَتى وَمَوتُ وَحيديفَاِشفِ بِنتي وَكن شَفيقاً عَلِيّا
- ذاتُ حُسنٍ كَالفَجرِ في نيسانِلامَسَتهُ أَنامِلُ الأَحزانِ
- وَبياضٍ كَالثَلجِ في لُبنانِوَحَديثٍ يُذيبُ في الآذانِ
- نَغَماً لِلحَياةِ موسيقِيّامُقلَتاها رَمزُ الفُؤادِ الوَجيعِ
- وَلماها اِستَعارَ لَونَ الشُموعِهكَذا هِندُ وَهيَ بِنتَ الدموعِ
- كانَ يَبدو شبابُها في الرَبيعِإِنَّ قَلبَ الرَبيعِ كانَ عَتِيّا
- ذاتَ يَومٍ وَقَد تَدانى الغِيابُجَلَست هِندُ في يَدَيها كِتابُ
- قَرَأَت فَترَةً وَجاءَ الضَبابُفَمَضى فيهِ جِفنُها المُرتابُ
- تارَةً ساهِياً وَطوراً بكيّاهِندُ لِم أَنت تَنظُرينَ الضَبابا
- بِعُيونٍ ذابَت وَقَلبٍ ذاباأَفهذي رؤىً تُريكِ الشَبابا
- يَتَلاشى وَيَستَحيل تراباقَبلَ أَن يَبلُغَ الحَياةَ قَوِيّا
- جاءَ هنداً داودُ بَعدَ الظُهورِفَرَآها وَالأُمَّ بَينَ الزهورِ
- في يَدَيها قُماشَةٌ من حَريرِطَرَّزَت بَعضَها بِفَنِّ خَبيرِ
- فَبدا الفَنُ في يَدَي هِندَ حَيّاقالَ هذي لِمَن بِبَعضِ اِبتِسامٍ
- إِنَّها مثلُ برنسٍ لِغلامِفَأَجابَت بِزَفرَةِ الآلامِ
- لِفَتاةٍ تَزَوَّجت مُنذُ عامِفَهَنيئاً لَها الزَواج هَنيّا
- فَأَتاها عِندَ الضُحى فَرَآهاوَكتابٌ يَهتَزُّ في يَمناها
- فَإِذا عَينُها تُعيرُ اِنتِباهاصَفحَةً ودَّ لَو يعي فَحواها
- وَقَفَت عِندَها الفَتاةُ مَلِيّافَمَضى خَلفَ ظَهرِها بِتَأَنِّ
- فَرَآها تَتلو بِبَأسٍ وَحُزنِبيتَ شعرٍ قَد قالَهُ مُنذُ قرنِ
- شاعِرٌ وَهو يا أَبي لا تُمِتنيقَبلَ أَن أَعرفَ الهَوى العُذريّا
- أَبصَرت هِندُ وَهيَ تَفكُر بِالغَدمِن خِلالِ الأَحلامِ قَبراً أَسوَد
- رَقَدَت فيهِ غادَةٌ ما تَنَهَّدصَدرُها في الحَياةِ حَتّى توسَّد
- تُربَةً ضَمَّت الظَلامَ الدَجِيّاوَتَراءَت لَها عَروسُ القَبرِ
- تَنحَني فَوقَ وَجهِها المصفِّرفي يَدَيها باقاتُ وَردٍ وَزَهرِ
- نُثِرَت فَوقَ رَأسِها وَالصَدرِوَأَفاحَت أَريجَها العطريّا
- وَتَراءَت لَها البَناتُ العَذارىراقِصاتٍ بِحُبِّهِنَّ سكارى
- يَتَبارَينَ ما الشَبابُ تَبارىبِجَمالٍ يُهَيِّجُ الأَوتارا
- في يَدَي عازِفٍ جَميلِ المُحَيّاوَفَتىً ناظِرٌ بِعَطفٍ إِلَيها
- رابَه السَقمُ في كلا خَدَّيهاخائِفٌ من دمٍ على شَفَتَيها
- قاءَهُ ما جَنى عَلى رِئَتَيهاوَسُعالٌ بِهِ الرَدى يَتَقَيّا
- وَتَراءى لَها خَيالٌ مُخيفُبَينَ أَهدابِ مُقلَتَيها يَطوفُ
- في يَدَيهِ مَشاعِلٌ وَسُجوفُمُثَّلَت دَورَها عَلَيها الصُروفُ
- فَتَراءى لَها الرَدى عَلَنِيّاوَاِستَفاقَت لَدى اِرتِعاشٍ عَنيفٍ
- دَبَّهُ الخَوفُ في صِباها الضَعيفِفَتَلاشَت كَالحُلمِ رُؤيا الطُيوفِ
- وَتَوارَت أَمامَ دَمعٍ ذَريفِكانَ سِحراً في عَينَيها بابِليّا
- ربِّ قالَت أَلَم تَهِبني المُيولاوَحَديثاً عَذباً وَوَجهاً جَميلا
- فَلِماذا أِرى الشَبابَ بَخيلالا يرى وَجنَتَيَّ حَتّى يَميلا
- عَن جَمالٍ يَذوبُ في وُجنَتَيّايا إِلهي أَلَستُ يَوماً أُلاقي
- عاشِقاً بَينَ مَعشَرِ العُشّاقِراحِماً في فُؤادي المُشتاقِ
- غَيرَ دَمعٍ يَجولُ في آماقيوَعَذاب يُضيءُ في مُقلَتَيّا
- يا اِبنَةَ الدّاءِ يا اِبنَةَ الأَرماسِيا خَيالاً يَسيرُ في دَيماسِ
- إِقتَصِد ما اِستَطَعتَ في الأَنفاسِإِنَّ رَسمَ الآلامِ وَالأَوجاسِ
- عَن قَريبٍ سَيمَّحي سريّاأَنتَ لَم تَدرِ كَيفَ شَيئاً فَشَيّا
- يقضمُ المَوتُ جِسمَكَ الملكيّايا مَلاكاً أَضَلَّكَ الدَهرُ غَيّا
- في زَمانٍ ما كانَ قَطُّ وَفِيّافَاِحيَ فينا وَلا تَكن مَنسِيّا
- سَوفَ تَمضي إِلى دِيار البَقاءِبَعد تِلكَ الأَسقامِ وَالأَدواءِ
- طاهِراً كَالزنابِقِ البَيضاءِحامِلاً مشعَلَ الأَسى وَالبُكاءِ
- في فُؤادٍ قَضى الحَياةَ نقيّاسَوفَ يُغمى عَلَيكَ في ذا الوُجودِ
- بَعدَ حينٍ إِغماءَ روحِ الوُرودِتاركاً في فُؤاد كُلِّ وَدودِ
- راءَ في وَجهِك اِصفرارَ الخدودِذِكرياتٍ شَفّافَةً كَالحَميّا
- قالَ داودُ ذاتَ يَومٍ لِنَفسِهوَهوَ يَجلو بِالفِكرِ غامضَ درسِه
- أَيَّ فَضلٍ يُبقي الفَتى بَعدَ رَمسهإِن أَبى رَحمَةَ التَعيسِ بِتَعسِه
- وَاِنعِطافاً عَلى الشَقيِّ سَخيّالَيسَ أَنقى من زَهرَةِ الأَحسانِ
- فَوقَ صَدرِ المَجاهِد المُتَفانيإِن أَكُن زَوجَ غادَةِ الأَحزانِ
- أَفَلَيسَ الإنسانُ لِلإِنسانِأَفَما كُنتُ في الحَياةِ وَفِيّا
- سَوفَ تَحيا بِالحُبِّ تِلكَ الفَتاةُهكَذا قَد أَرادَتِ التَضحِياتُ
- فَليُضيء بَينَ مُقلَتَيها المَماتُفَالمَنايا عِندَ الهَوى هَيِّناتُ
- فَلتَذُق ذلِكَ الهَوى الكَوثَريّاوَمَضى الشاعِرُ الطَويلُ الأَناةِ
- باسِطاً أَمرَهُ لِأُمِّ الفَتاةِقائِلاً إِنَّ مُهجَتي وَحَياتي
- وَجهادي وَكلّ أُمنِيّاتيتَتَمَنّى لِهِندَ عَيشاً رَخِيّا
- سَوفَ تَحيا هِندُ السِنين الطِوالالَيسَ داءُ الفَتاةِ داءً عضالا
- فَثِقي بي وَأَنعِشي الآمالاأَنا مِثرٍ فَلَستُ أَطلُبُ مالا
- بَل جمالاً عَذباً وَخُلقاً أَبِيّاسَوفَ تَشفى مِن دائِها بَعدَ عامِ
- سَوفَ نَحيا بِغَبطَةٍ وَسَلامِوَثِقي أَنَّ هِندَ ذاتَ السقامِ
- سَتَراني أَخاً مَعَ الأَيّامِلا عَشيقاً لِجسمِها وَحشِيّا
- فَبَكَت أُمُّها لِهذا الكَلامبِعيونٍ تشعُّ بِالأَحلامِ
- وَلدُن أَيقَنَت بِصِدقِ المَرامِشَكَرَتهُ بِمَدمَعٍ بَسّامِ
- كانَ بِالحُزنِ وَالنُواحِ حَريّاهِندُ إِنّي أَهواكِ أَهوى جَمالا
- يَرشِقُ الحُبُّ مِن لماكِ نبالاقالَ هذا وَقد رَأى الآمالا
- راسِماتٍ في مُقلَتَيها خَيالاطاهِراً في جَمالِهِ ملكِيّا
- فَأَجابَت وَقد عَراها السُكوتُبَعضَ حينٍ كَأَنَّهُ هاروتُ
- كَيفَ تَهوى أَلا تَراني عييتُمُقلَتي تَنطَفي وَقَلبي يَموتُ
- وَيَجولُ التُرابُ في خديّاقالَ لا بَل تَحيَينَ عُمراً طروبا
- وَتَرَينَ الحَياةَ عيشاً خصيبافَأَنا عاقِلٌ سَأَلتُ الطَبيبا
- قالَ لي هِندُ سَوفَ تَشفى قَريباوَتَرى لَونَ خَدِّها الوَردِيّا
- مرَّ بِالعاشِقينِ أُسبوعانِهَيَّئا فيهِما جِهازَ القرانِ
- وَالرَبيعُ الجَميلُ في نيسانِكانَ يَزهو بِالفُلِّ وَالريحانِ
- ساكِباً ذلِكَ النَدى اللُؤلُؤيّابِحَريرٍ مُزَركَشٍ وَمُخَرَّم
- وَطِرازٍ عَلى النَوافِدِ مُعلمهكَذا غُرفَةُ الزَفافِ الأَقتَم
- بَرَزَت وَهيَ تَستعدُّ لِمَأتمبِجَمالِ العرسِ الرَهيبِ تزيّا
- وَسَريرٍ أُعدَّ فيها صَغيرأُلقِيَت فَوقَه سُتورُ الحَريرِ
- لَعبت أَنملُ النَسيم الطهورِبِجَنايا رِدائِه المَنشورِ
- فَاِستَطارَ الرِداءُ نَشراً وَطيّاوَهنا بَعدَ عرسِها الملكيِّ
- ظَهَرت هِندُ كَالصَباحِ البَهِيِّبِنَقاءٍ ككلِّ قَلبٍ نَقِيِّ
- وَبَياضٍ كَثَوبِها الزَنبَقيِّوَدَلالٍ يَفوح طهراً وَريّا
- ما لِتِلكَ الفراشَةِ السَوداءِتَتَغَنّى في الغُرفَةِ البَيضاءِ
- جَنحُها حالكٌ كَقطعِ الرجاءِوَغناها الرَهيبُ رَمزُ البُكاءِ
- خالهُ المُبتَلي غناءً شَجِيّاذاتَ يَومٍ وَقد تَدانى الظَلامُ
- خَفَقَت في ضُلوعِها الآلامُفَتَرامَت وَقد تَراءى الحمامُ
- مُستَفيضاً في عينها لا يَنامُيَنتَحي عالَمَ الدُجى الأَبدِيّا
- وَاِستَفاقَت قَبلَ المَماتِ الرَهيبِفَرَأَت زَوجَها كَثيرَ الشحوبِ
- يا حَبيبي قالَت لهُ يا حَبيبيحانَ مَوتي وَجاءَ وَقتُ مَغيبي
- فَعَذابي يثورُ في رئَتيّاغَيرَ أَنّي أَمضي لِدارِ البقاءِ
- بِسُرورٍ وَغِبطَةٍ وَصَفاءِفَأَنا رُغمَ عِلَّتي وَبَلائي
- ذُقتُ طعمَ الهَوى كَباقي النِساءِوَعَرَفتُ التَآلفَ الذهبِيّا
- وَاِرتَمى رَأسُها اِرتِماءَ يَدَيهاوَتلاشى اللهاثُ في مُرشَفَيها
- فَبَدَت وَالدماءُ في شَفَتَيهامِثلَ شاةٍ بَيضاء أَلقى عَلَيها
- شِرسُ القَلبِ سهمَه الدموَيّاأَيُّ ذَنبٍ جنَته تِلكَ الصبيّه
- ليجازى شَبابُها بِالمنِيَّهربِّ إِن كانَ أَصلُ تِلكَ الضَحِيَّه
- والدٌ أَورَثَ السُمومَ الخَفِيَّهفَصباها لَم يَأتِ أَمراً فَريّا
- ربِّ لِم أَنتَ تظلمُ الأَبرِياءَوَتَزيدُ العاني الشَقِيَّ شَقاءَ
- هُم يَقولونَ هكَذا اللَهَ شاءَفَاِحتَرَم فيهِ حكمَةً عَلياءَ
- وَاِحبُهُ الشُكرَ بِكرَةً وَعَشِيّا
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.