قصيدة
شربناها على ذكر الوليد
العنوان هو المطلع.
أبو الفضل الوليد · قافيتها غير موسومة · 108 أبيات
- شَرِبناها على ذكرِ الوليدِوليلُ الهمِّ يثقلُ كالحديدِ
- فَخفَّ وشفَّ عن صبحٍ جميلٍكما شفَّ الحريرُ عن القدود
- مُسخَّنةٌ وفاترةٌ تراءتلنا في الكأسِ ناراً في جَليد
- هي الصّهباءُ رَمزُ الحبِّ فيهاوفي لمعانِها كذبُ الوعود
- ونكهتُها كأنفاسِ العذارىإذا فاغَمتَهنَّ على صدود
- وأما طعمُها فاسكُب وذقهُلتعرفَه بمختصرٍ مفيد
- تَشوقُ العاشقين بريحِ شيحٍولونٍ من دُجى ولظى قديد
- وتُطمعُهم على نكدٍ وبؤسٍبما للإنكليزِ من الهنود
- تقادمَ عَهدُها فروت حديثاًغدا فيهِ حديثاً عهدُ هود
- وعلّمتِ التآلفَ والتَّساويفأحسَت سيداً كأس المسود
- وإنَّ صفاءَها منهُ التّصافيوتوثيقُ المودّةِ والعهود
- فلم أرَ مِثلها لرخاء عيشٍونزعِ الغلِّ من قلبِ الحقود
- فَقُل للمسلمينَ تجرَّعوهاعلى دين النّصارى واليهود
- أخافُ من المزاجِ على زجاجٍيَسيلُ فما لدَيها من جمود
- وَفورَتُها لسورَتِها مثالٌفإنذارُ الصواعقِ بالرعود
- تَجنَّب شربَها واحذَر هواهالأن الحانَ عرّيسُ الأسود
- سواءٌ فيهِ عربدةٌ السكارىوزمجرةُ الليوثِ على الصيود
- تمشّت في عروقِ أبي نواسٍفهزّت عرشَ هارونَ الرشيد
- وجرّدَت السيوفَ على عروشٍفأثكلتِ الخِلافةَ بالوليد
- وذاقَتها جنانٌ بعدَ صدٍّفجادَت بالترائبِ والنُّهود
- عديٌّ قد أجادَ الشّعرَ فيهافلا تعذر بها غيرَ المُجيد
- إذا الحَبَبُ النّثيرُ طفا عَليهاقرأتُ النَّثر من عبدِ الحميد
- تذكّرتُ الذينَ تعشَّقوهافكانَ الموتُ منهم كالرقود
- فقلتُ على مضاجعهم سلامٌوموتاها أُولو الرأي السّديد
- لقد ماتوا سَكارى واستحبُّوامناياهم على كرهِ الوجود
- إلى السرِّ الخفيّ تحنُّ نفسيلتسكنَ بعدَ تقطيعِ القيود
- وتقنعُ بالقليل على حصولٍوتُعرِضُ بالوعودِ عن العديد
- تمرُّدُها أثارَ الناسَ حَوليفلم تحفل بوعد أو وعيد
- ومن نُمرودَ شاقَتها نِبالٌفحيَّت كلَّ جبارٍ عنيد
- ولم أكُ راغباً يوماً لجهليبعيشٍ أو بموتٍ من لبيد
- أُحبُّ العيشَ في سعةٍ قصيراًولا اهتمُّ بالعيشِ العتيد
- فما أدنى الحياةَ من التّلاشيوما أدنى الحمامَ من الخلود
- فكلني بالكؤوس أَكِل مداماًفأخَتبرَ المنيّةَ بالهجود
- وأسكرُ سكرةً لا صحوَ منهاوأَدخلُ جنّتَي حورٍ وغيد
- وتحتي الزَّهرُ منتثرٌ وفَوقيونومي بينَ أقداحٍ وعود
- وللأوتارِ ترنيمٌ شجيٌّكترجيعِ النواحِ على اللحود
- فجلُّستانُ أو بستانُ سَعدييشَوّقُني إِلى عهدٍ سعيد
- من الأقداحِ والأحداقِ سكريفدع للنوكِ تجميعَ النقود
- كذاكَ تقاربت لفظاً ومعنىًفليسَ السكرُ عَنها بالبعيد
- وفي الكأسِ الكياسةُ فاغتِنمهاوخُذ من نارِها قبلَ الخمود
- فما نفعُ الحياةِ بلا اغتباطٍولا طرب وإيناسٍ وجود
- بحبّ الخمرِ شارَكني نَديمٌرشيقُ القدّ أطولُ من عمود
- يموتُ بها ويحيا كلَّ يومٍفيدفعهُ القديمُ إلى الجديد
- يَذوبُ ظرافةً ويَتيهُ عجباًوينعتُ كلَّ صاحٍ بالبليد
- يقولُ إذا عيوبُ الناسِ عُدّتأتَعذلني على عَيبي الوحيد
- تَعدُّ الشّربَ عَيباً غيرَ أنيعرفتُ بهِ الأسودَ من القرود
- فقل للعاذِلينَ حَسدتُموهولا يُرجَى الثناءُ من الحسود
- وحرمة دنّها لو ذقتمُوهالجدتُم بالطّريفِ وبالتليد
- وأطربكم على الألحانِ شعرٌمن البحرِ الطّويلِ أو المديد
- وإني لو مرضتُ وجعتُ يوماًومن تَشرابها داءُ العميد
- لفضّلتُ المدامَ على دَوائيوآثرتُ النبيذَ على الثَّريد
- فمن دائي الدواءُ وفي الحميّامحيّا السَّعدِ يبسمُ للمجيد
- بها هانَ الحِمامُ على عَبيدٍفلم يَفرَق من الموتِ الأكيد
- وقيلَ له تمنَّ فقالَ خمراًيُنيرُ شُعاعُها عبرَ الشهيد
- له يومٌ ولي أيامُ بؤسٍبها اشتُقّ الأشدُّ من الشَّديد
- أنا بالسكرِ ثم الموت أولىففي هذينِ راحةُ مُستَزيد
- فنعمَ الموتُ بعدَ السكرِ منهاوإلقاءُ السَّلامِ على عبيد
- وفي موتي بها تحلوُ حَياتيفمنها بَعثتي بعدَ الهمودِ
- وفي حزني تُسلّيني كؤوسيكأبوابٍ من العقدِ الفريد
- فقلت لهُ اسقِنيها واشرَبَنهاعلى رغمِ الحسودِ أو الجحود
- فأجلسُ بينَ ريحانٍ وراحٍوأستَجلي الكؤوسَ على الورودِ
- وأغرسُ جنةً وأشيدُ قصراًعلى أطلال عادٍ أو ثمود
- ليالي مسلمٍ بيضٌ ففيهاشَفَت بنتُ المجوسِ ابنَ الوليد
- وفي جرجانَ عزَّتهُ قليلاًفلم يعبأ بأعمالِ البريد
- كنَخلتِه غريباً حنَّ لمارأى في الخمرِ أمناً للطريد
- فكم من ليلةٍ منهُ ترينيشريداً يَقتفي أثرَ الشَّريد
- وقد بلَّ النّدى شَعري وثوبيوشِعري كالجواهرِ في العقود
- ولاح البدرُ بين غماتيهِفرغّبني بمكسالٍ قعود
- إليها اجتَزتُ سُوقاً بعد سوقٍوقلبي فيهِ من حرِّ الوقيد
- وحينَ دَخَلتُ منزلها أرَتنيكناساً فيهِ تخويرُ الجليد
- جَلت عن نارِ وَجنتِها دخاناًوأبدَت حمرَها من تحتِ سود
- وقالت والوشاحُ على يَدَيهابهذا مَصرعُ البطل النجيد
- فقلتُ النارُ شاقتني وإنيمجوسيٌّ يُشمِّرُ للسجود
- أرى نهدَيكِ معزفةً وعرشاًلأكبرِ من هشامٍ أو يزيد
- إذا لمَستهما كفِّي وجسَّتأُناغي أو أُغنِّي كالوليد
- بضيقِ الذَّرعِ مِنكِ أضيقُ ذرعاًفأَخفي ما يوَسوسُ أو فجودي
- فلستُ براجعٍ عنهُ وإنيلآخِذُهُ من الزَّردِ النضيد
- فآدمُ لم يَرعهُ الموتُ لماجَنى التفَّاحَ من حمرِ الخدود
- ولما احمرَّ خدّاها ولاحتعلى الشّفتَينِ بيِّنةُ الشّهود
- هَصَرتُ قوامَها بذؤابَتيهافلامَسَ رأسُها حَبلَ الوريد
- وبتُّ أقبِّلُ المرجانَ حتىرأيتُ الدرِّ من أغلى فريد
- وفاحَ على ثناياها شَذاهاوفي أنفاسِها تحريقُ عود
- سَقَتني خمرَتَي كأسٍ وثَغرٍوجادَت لي بتَجويدٍ وجيد
- نَعِمتُ بها منعِّمةً للحنِإذا غَنّت أقولُ لها أعيدي
- كذا محبوبةٌ غَنّت وفضلٌلدى متوكِّلٍ ولدى سعيد
- وأطرَبتِ الحجازَ جَرادتاهُمُغرِّدَتينِ للعيشِ الرغيد
- ولما انشَقَّ صدرُ الليلِ حقداًعلى مُتَمَتِّعٍ فيه سهيد
- تنشّقتُ النسيمَ فنعّشتنينوافحُ برَّدت حرّى الكبود
- وقابَلني الصّباحُ كمشتهاةٍرَنت وتبسّمت لفتى ودود
- فتقتُ إِلى التنزّه في رياضمعلّقةٍ إِلى الجبلِ المريد
- لأملأ مُهجتي نوراً ونضراًوطيباً في حِمى ظلٍّ برود
- طلعتُ أجدّ آمالي عَليهمعَ الفَلَقِ المجدّدِ والمعيد
- وليسَ مطيتي إِلا زحوفاًأحَبُّ إِليَّ من ذاتِ الوخيد
- فكم حنّت خمائلُ وارجَحَنَّتونَفحُ نَسيمها مشيُ الوئيد
- وفيها الرّيحُ هبت فاشرأبتكجمهورٍ يُطلّ على وفود
- فأطرَبني حفيفٌ أو خريرٌلماءٍ في التهائم والنجود
- فطَوراً سالَ رقراقاً وطَوراًتبجَّسَ من حَشى الصّخرِ الصَّليد
- وغَرّد ثَمَّ عصفورٌ لطيفٌفعلّمني أساليبَ النّشيد
- وردَّد صفرةً خَلبت فؤاديفكانت عنده بيت القصيد
- فَقُلتُ أعِد غِناءَكَ يا مُعَنَّىولستُ لغيرهِ بالمُستعيد
- سواءٌ نحن فالتغريدُ شعرٌفغرِّد للمجيدِ المستجيد
- وإِلا ضعتَ مِثلي بينَ قومٍأُجاوِرُهم ولستُ بمُستفيد
- جواري لم يكن إِلا إساراًوأشعاري كصَلصلةِ القيود
- فبت حرّاً وطِر حرّا فموتٌحياةُ الحرِّ ما بينَ العبيد
- لسانُ الطَّير أفهمُه فرُوحيكأرواحٍ من الأطيارِ رود
- شكوتُ إليكَ والشّكوى عزاءٌفما أدنى الودود من اللدود
- أراكَ تزقُّ أفراخاً وتزقُوفأذكرُ كلّ مأدبةٍ وعيد
- وَقَت لكَ دوحةٌ إلفاً وعشّاًوهذي دعوةُ النائي الفقيد
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.