قصيدة
يا أرض أندلس الخضراء حيينا
العنوان هو المطلع.
أبو الفضل الوليد · قافيتها ا · 131 بيتاً
- يا أرض أندلسَ الخضراءَ حيّينالعلّ روحاً من الحمراءِ تُحيينا
- فيكِ الذخائرُ والأعلاقُ باقيةٌمن الملوكِ الطريدينَ الشّريدينا
- منّا السلامُ على ما فيكِ من رممٍومن قبورٍ وأطلالٍ تصابينا
- لقد أضعناكِ في أيامِ شَقوَتِناولا نَزالُ محبّيكِ المشوقينا
- هذي ربوعُكِ بعدَ الأُنسِ مُوحِشةٌكأننا لم نكن فيها مقيمينا
- من دَمعِنا قد سقيناها ومِن دَمِناففي ثراها حشاشاتٌ تشاكينا
- عادت إِلى أهلها تشتاقُ فتيتَهافأسمعت من غناءِ الحبّ تلحينا
- كانت لنا فعنَت تحت السيوفِ لهملكنّ حاضرَها رسمٌ لماضينا
- في عزّنا حبلت منا فصُورتُنامحفوظةٌ أبداً فيها تعزّينا
- لا بدعَ إن نَشَقَتنا من أزاهرهاطيباً فإنّا ملأناها رَياحينا
- وإن طربنا لألحانٍ تردِّدُهافإنها أخذت عنّا أَغانينا
- تاقت إلى اللغةِ الفصحى وقد حفظتمنها كلاماً بدت فيه معانينا
- إنّا لنذكرُ نُعماها وتذكُرنافلم يضع بيننا عهدُ المحبّينا
- في البرتغالِ وإسبانيّةَ ازدهرتآدابُنا وسمت دهراً مبانينا
- وفي صقلّية الآثارُ ما برحتتبكي التمدُّنَ حيناً والعُلى حينا
- كم من قصورٍ وجنّاتٍ مزخرفةٍفيها الفنونُ جمعناها أفانينا
- وكم صروحٍ وأَبراجٍ ممرّدةٍزدنا بها الملكَ توطيداً وتأمينا
- وكم مساجدَ أَعلَينا مآذنَهافأطلَعت أَنجماً منها معالينا
- وكم جسورٍ عَقَدنا من قَناطِرِهاأقواسَ نصرٍ على نهرٍ يرئّينا
- تلك البلادُ استمدّت من حضارتناما أَبدعَته وأولته أَيادينا
- فيها النفائسُ جاءت من صناعَتِناومن زراعتِنا صارت بساتينا
- فأجدَبَت بعدَنا واستوحَشَت دمناًتصبو إلينا وتبكي من تنائينا
- أيامَ كانت قصورُ الملكِ عاليةًكانَ الفرنجُ الى الغاباتِ آوينا
- وحين كنا نجرُّ الخزَّ أَرديةَكانوا يسيرون في الأسواقِ عارينا
- لقد لبسنا من الأبرادِ أفخرَهالما جَرَرنا ذيولُ العصبِ تزيينا
- وقد ضَفَرنا لإدلال ذوائبَنالما حمينا المغاني من غوانينا
- وقد مَسَحنا صنوفَ الطيبِ في لممٍلما ادّرعنا وأَسرجنا مذاكينا
- كل الجواهر في لبّاتِ نسوتناصارت عقوداً تزيدُ الدرَّ تثمينا
- وأَكرمُ الخيلِ جالت في معاركناوإذ خلا الجو خالت في مراعينا
- تردي وقد علمت أَنّا فوارسهاولا تزالُ لنعلوها وتُعلينا
- زدنا السيوفَ مضاءً من مضاربناومن مطاعننا زدنا القنا لينا
- من للكتائبِ أو من للمواكبِ أومن للمنابرِ إِلا سادةٌ فينا
- جاءت من الملأ الأعلى قصائدُناوالرومُ قد أَخذوا عنا قوافينا
- لم يعرفوا العلَم إِلا من مدارسِناولا الفروسةَ إِلا من مجارينا
- أَعلى الممالكِ داستها جحافِلُناوسرّحت خيلَنا فيها سراحينا
- تلك الجيادُ بأبطالِ الوغى قطعتجبالَ برناتَ وانقضّت شواهينا
- في أرض إفرنسةَ القصوى لها أَثرٌقد زادَهُ الدهرُ إيضاحاً وتبيينا
- داست حوافرُها ثلجاً كما وطئترَملاً وخاضت عباباً في مغازينا
- الشمسُ ما أَشرقت من علوِ مطلعِهاإِلا رأَتنا الى الأوطارِ ساعينا
- كسرى وقيصرُ قد فرَّت جيوشُهماللمرزبانِ وللبطريقِ شاكينا
- حيث العمامةُ بالتيجانِ مزريةٌمن يومِ يرموكَ حتى يومِ حطّينا
- وللعروشِ طوافٌ بالسرير إذاقامَ الخليفةُ يعطي الناسَ تأمينا
- بعدَ الخلافةِ ضاعت أرضُ أندلسٍوما وقى العرب الدنيا ولا الدينا
- الملكُ أصبحَ دَعوى في طوائفهمواستمسكوا بعرى اللّذاتِ غاوينا
- وكلُّ طائفةٍ قد بايعت ملكاًلم يُلفِ من غارة الأسبانِ تحصينا
- وهكذا يفقدُ السلطانُ هيبتَهُإن أكثرَ القومُ بالفوضى السلاطينا
- والرأيُ والبأسُ عندَ الناسِ ما ائتلفوالكن إذا اختلفوا صاروا مجانينا
- تقلّصَ الظلُّ عن جناتِ أندلسٍوحطَّمَ السيفُ ملكَ المستنيمينا
- فما المنازلُ بالباقينَ آهلةٌُولا المساجدُ فيها للمصلّينا
- لن ترجعنَّ لنا يا عهدَ قرطبةٍفكيفَ نبكي وقد جفّت مآقينا
- ذبّلتَ زهراً ومن ريّاك نشوتُناوإِن ذكراك في البلوى تسلينا
- ما كانَ أعظمَها للملكِ عاصمةًوكان أكثرها للعلمِ تلقينا
- لم يبقَ منها ومن ملكٍ ومن خولٍإِلا رسومٌ وأطيافٌ تباكينا
- والدهرُ ما زالَ في آثارِ نعمتِهايروي حديثاً لهُ تبكي أعادينا
- أينَ الملوكُ بنو مروانَ ساستُهايُضحونَ قاضينَ أو يُمسونَ غازينا
- وأينَ أبناءُ عبّادٍ ورونَقُهموهم أواخرُ نورٍ في دياجينا
- يا أيها المسجدُ العاني بقرطبةٍهلا تذكّرُكَ الأجراسُ تأذينا
- كانَ الخليفةُ يمشي بينَ أعمدةٍكأنه الليثُ يمضي في عفرّينا
- إن مالَ مالت به الغبراء واجفةًأو قالَ قالت له العلياءُ آمينا
- يا سائحاً أصبحت حجّاً قيافتُهُقِف بالطلول وسَلها عن ملاهينا
- بعدَ النعيمِ قصورُ الملكِ دارسةٌوأهلُها أصبحوا عنها بعيدينا
- فلا جمالٌ تروقُ العينَ بهجتُهولا عبيرٌ معَ الأرواحِ يأتينا
- صارت طلولاً ولكنّ التي بَقِيَتتزدادُ بالذكرِ بعدَ الحسنِ تحسينا
- تلكَ القصورُ من الزهراءِ طامسةٌوبالتذكُّرِ نبنيها فتنبينا
- على الممالك منها أشرفَت شرفاًوالملكُ يعشقُ تشييداً وتزيينا
- وعبدُ رحمانِها يَلهو بزخرفِهاوالفنُّ يعشقُ تشييداً وتزيينا
- كانت حقيقةَ سلطانٍ ومقدرةٍفأصبحت في البلى وهماً وتخمينا
- عمائمُ العربِ الأمجادِ ما برحتعلى المطارفِ بالتمثيلِ تصبينا
- وفي المحاريبِ أشباحٌ تلوحُ لناوفي المنابرِ أصواتٌ تنادينا
- يا برقُ طالع قصوراً أهلُها رحلواوحيّ أجداثَ أبطالٍ مُنيخينا
- أهكذا كانت الحمراءُ موحشةًإذ كنتَ ترمقُ أفواجَ المغنينا
- وللبرودِ حفيفٌ فوقَ مرمرِهاوقد تضوعَ منها مسكُ دارينا
- ويا غمامَ افتقد جناتِ مرسيةٍوروِّ من زَهرِها ورداً ونسرينا
- وأمطرِ النخلَ والزيتونَ غاديةًوالتوتَ والكرمَ والرمانَ والتينا
- أوصيكَ خيراً بأشجارٍ مقدّسةٍلأنها كلُّها من غرسِ أيدينا
- كنا الملوكَ وكان الكونُ مملكةًفكيفَ صرنا المماليكَ المساكينا
- وفي رقابِ العدى انفلّت صوارمُناواليومَ قد نزعوا منا السكاكينا
- ليست بسالتُنا في الحربِ نافعةًومن براقيلِهم نلقى طواحينا
- فلو فطنّا لقابلنا قذائفَهمبمثلِها وامتنعنا في صياصينا
- واشتدَّ عسكرُنا يحمي منازلناوارتدَّ أسطولُنا يحمي شواطينا
- إذاً لكانوا على بأسٍ ملائكةًوما أتونا على ضعفٍ شياطينا
- فنحنُ في أرضِنا أسرى بلا أملٍوالدارُ كالسجنِ والجلادُ والينا
- شادوا القلاعَ وشدوا من مدافِعهِمما يملأ الأرضَ نيرانا ليفنينا
- بعدَ اعتداءٍ وتدميرٍ ومجزرةٍقالوا أماناً فكونوا مستكينينا
- وكم يقولون إنّا ناصبونَ لكمميزانَ عدلٍ ولم توفوا الموازينا
- تحكَّموا مثلما شاءَت مطامعُهموصيّروا بِيننا التهويلَ تهوينا
- فلا تغرنّ بالآمالِ أنفُسَناوللفرنسيسِ جوسٌ في نواحينا
- هل يسمحون ولو صرنا ملائكةًبأن نصيرَ لهم يوماً مبارينا
- لا يعرفون التراضي في هوادتِناولا سلاحٌ به يخشى تقاضينا
- إن لم تكن حكمةٌ من علمِ حاضرِناأما لنا عبرةٌ من جهلِ ماضينا
- إنَّا نعيش كما عاشت أوائلُناولا نريدُ من الأعلاجِ تمدينا
- إن قدّموا المنّ والسلوى على ضرعٍنختر على العزّ زقوماً وغسلينا
- يا مغربيّةُ يا ذات الخفارةِ ياذات الحجابِ الذي فيه تُصانينا
- صدّي عن العلجِ واستبقي أخا عربٍمن وُلدِ عمِّكِ يهوى الحورَ والعينا
- يا نعمَ أندلسياً كان جَدّكِ فيعهدِ النعيمِ وهذا العهدُ يشقينا
- خذي دموعي وأعطيني دموع أسىطالَ التأسّي وما أجدى تأسّينا
- ذكرُ السعادةِ أبكانا وأرّقناما كنتُ لولا الهوى أبكي وتبكينا
- بكى ابن زيدونَ حيثُ النونُ أنّتُهُولم يزل شعرُهُ يُبكي المصابينا
- كم شاقني وتصبّاني وأطربنيإذ كنتِ ورقاءَ في روضٍ تنوحينا
- ومن دموعكِ هاتيكَ السموطُ حكتأبياتَ نونيّةٍ فيها شكاوينا
- ولاّدةُ استنزفت أسمى عواطِفهِفخلّدَ الحبَّ إنشاداً وتدوينا
- تلكَ الأميرةُ أعطَته ظرافَتَهافأخرجَ الشعرَ تنغيماً وتحنينا
- يا بنتَ عمي وفي القُربي لنا وطرٌصوني المحيا وإن زرناكِ حيينا
- ليلُ الأسى طالَ حتى خلت أنجمَهُبقيّةَ الصبحِ تبدو من دياجينا
- نشتاقُ فجراً من النُّعمَى وظالمُنايقولُ إنّ ضياءَ الفجرِ يؤذينا
- فلنُطلعنَّ إذن صبحَ القلوبِ علىليلِ الخطوبِ وهذا النورُ يكفينا
- أما كفانا بفقدِ الملكِ نائبةًحتى أتانا علوجٌ الرومِ عادينا
- عدا علينا العدى في بَرِّ عَدوتناوقد رضيناهُ منفَى في عوادينا
- فيه الفرنسيسُ ما انفكّت مدافعُهمتمزّقُ العربَ العُزلَ المروعينا
- فوسطَ مرّاكشِ الكبرى لقائِدهمدستٌ وقد شرَّدوا عنها السلاطينا
- وفي الجزائرِ ما يُبكي العيونَ دماًعلى أماجدَ خرُّوا مستميتينا
- وفي طرابلس الغرب استجدَّ لناوَجدٌ قديمٌ وقد ضاعت أمانينا
- وهذه تونسُ الخضراءُ باكيةٌترثي بنيها المطاعيمَ المطاعينا
- من الفرنسيسِ بلوانا ونكبتُنافهل يظلّونَ فينا مستبدّينا
- صهبُ العثانين مع زرقِ العيونِ بدتشؤماً به حدثانُ الدهرِ يرمينا
- فلا رأينا من الأحداقِ زرقَتهالا شَهِدنا من الصهبِ العثانينا
- وا طولَ لهفي على قومٍ منازلُهمتأوي العلوجَ ثقالاً مستخفِّينا
- قد كافحوا ما استطاعوا دونَ حرمتِهاثم استكانوا على ضيمٍ مطيعينا
- لا يملكونَ دفاعاً في خصاصَتِهموينصرونَ الفرنسيسَ الملاعينا
- أعداؤهم قطعوا أوطانهم إرباًفأصبحوا مثلَ أنعامٍ مسوقينا
- هذا لعمري لسخطُ الله أو غضبٌمن النبي على ساهينَ لاهينا
- من ذا يصدّقُ أن التائهين ثبىًكانوا جيوشاً ترى الدنيا ميادينا
- مشوا على ناعمٍ أو ناضرٍ زمناًواليومَ يمشون في الصحراءِ حافينا
- لا طارقٌ يطرق الأعلاجَ من كثبٍوإن دعونا فلا موسى يلبينا
- بالقهر قد أخذوا مسكاً وغاليةًومنهما عوّضونا الوحلَ والطينا
- وأدركوا ثأرَهم في شَنّ غارتِهملما أتونا لصوصاً مُستبيحينا
- في الأرضِ عاثوا فساداً بعد ما شربواخمرَ الحوانيتِ وامتصّوا المداخينا
- فما لنا قوةٌ إِلا بسيّدنامحمدٍ فهو يرعانا ويهدينا
- قد اصطفى بين كل الناسِ أمتهكما غدا المصطفى بين النبيينا
- يا أحمد المرتضى والمرتجى أبداًألستَ من سطواتِ الرومِ تحمينا
- يا أرفعَ الناسِ عند الله منزلةًمتى نرى السيفَ مسلولاً ليشفينا
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.