قصيدة
مررنا على دار الحبيب فردنا
تميم البرغوثي · قافيتها غير موسومة · 45 بيتاً
- مرَرْنا عَلى دارِ الحبيب فرَدَّنا عَنِ الدارِ قانونُ الأعادي وسورُهافَقُلْتُ لنفسي رُبما هِيَ نِعْمَةٌ فماذا تَرَى في القدسِ حينَ تَزُورُها
- تَرَى كُلَّ ما لا تستطيعُ احتِمالَهُ إذا ما بَدَتْ من جَانِبِ الدَّرْبِ دورُهاوما كلُّ نفسٍ حينَ تَلْقَى حَبِيبَها تُسَرُّ ولا كُلُّ الغِيابِ يُضِيرُها
- فإن سرَّها قبلَ الفِراقِ لِقاؤُه فليسَ بمأمونٍ عليها سرُورُهامتى تُبْصِرِ القدسَ العتيقةَ مَرَّةً فسوفَ تراها العَيْنُ حَيْثُ تُدِيرُها
- في القدسِ، بائعُ خضرةٍ من جورجيا برمٌ بزوجتهيفكرُ في قضاءِ إجازةٍ أو في طلاءِ البيتْ
- في القدس، توراةٌ وكهلٌ جاءَ من مَنْهاتِنَ العُليايُفَقَّهُ فتيةَ البُولُونِ في أحكامها
- في القدسِ شرطيٌ من الأحباشِ يُغْلِقُ شَارِعاً في السوقِ،رشَّاشٌ على مستوطنٍ لم يبلغِ العشرينَ، قُبَّعة تُحَيِّي حائطَ المبكَى
- وسياحٌ من الإفرنجِ شُقْرٌ لا يَرَوْنَ القدسَ إطلاقاًتَراهُم يأخذونَ لبعضهم صُوَرَاً
- مَعَ امْرَأَةٍ تبيعُ الفِجْلَ في الساحاتِ طُولَ اليَومْفي القدسِ دَبَّ الجندُ مُنْتَعِلِينَ فوقَ الغَيمْ
- في القدسِ صَلَّينا على الأَسْفَلْتْفي القدسِ مَن في القدسِ إلا أنْتْ
- وَتَلَفَّتَ التاريخُ لي مُتَبَسِّماًأَظَنَنْتَ حقاً أنَّ عينَك سوفَ تخطئهم، وتبصرُ غيرَهم
- ها هُم أمامَكَ، مَتْنُ نصٍّ أنتَ حاشيةٌ عليهِ وَهَامشٌأَحَسبتَ أنَّ زيارةً سَتُزيحُ عن وجهِ المدينةِ يابُنَيَّ
- حجابَ واقِعِها السميكَ لكي ترى فيها هَواكْفي القدسِ كلًّ فتى سواكْ
- وهي الغزالةُ في المدى، حَكَمَ الزمانُ بِبَيْنِهاما زِلتَ تَرْكُضُ خلفها مُذْ وَدَّعَتْكَ بِعَيْنِها
- فًارفق بِنَفسكَ ساعةً إني أراكَ وَهَنْتْفي القدسِ من في القدسِ إلا أَنْتْ
- يا كاتبَ التاريخِ مَهْلاً، فالمدينةُ دهرُها دهرانِدهر أجنبي مطمئنٌ لا يغيرُ خطوَه وكأنَّه يمشي خلالَ النومْ
- وهناك دهرٌ، كامنٌ متلثمٌ يمشي بلا صوتٍ حِذار القومْوالقدس تعرف نفسها،
- فإسأل هناك الخلق يدْلُلْكَ الجميعُفكلُّ شيئ في المدينةِ ذو لسانٍ، حين تَسأَلُهُ، يُبينْ
- في القدس يزدادُ الهلالُ تقوساً مثلَ الجنينْحَدْباً على أشباهه فوقَ القبابِ
- تَطَوَّرَتْ ما بَيْنَهم عَبْرَ السنينَ عِلاقةُ الأَبِ بالبَنينْفي القدس أبنيةٌ حجارتُها اقتباساتٌ من الإنجيلِ والقرآنْ
- في القدس تعريفُ الجمالِ مُثَمَّنُ الأضلاعِ أزرقُ،فَوْقَهُ، يا دامَ عِزُّكَ، قُبَّةٌ ذَهَبِيَّةٌ، تبدو برأيي،
- مثل مرآة محدبة ترى وجه السماء مُلَخَّصَاً فيهاتُدَلِّلُها وَتُدْنِيها، تُوَزِّعُها كَأَكْياسِ المعُونَةِ في الحِصَارِ لمستَحِقِّيها
- إذا ما أُمَّةٌ من بعدِ خُطْبَةِ جُمْعَةٍ مَدَّتْ بِأَيْدِيهاوفي القدس السماءُ تَفَرَّقَتْ في الناسِ تحمينا ونحميها
- ونحملُها على أكتافِنا حَمْلاًإذا جَارَت على أقمارِها الأزمانْ
- في القدس أعمدةُ الرُّخامِ الداكناتُكأنَّ تعريقَ الرُّخامِ دخانْ
- ونوافذٌ تعلو المساجدَ والكنائس،أَمْسَكَتْ بيدِ الصُّباحِ تُرِيهِ كيفَ النقشُ بالألوانِ،
- وَهْوَ يقول: "لا بل هكذا"،فَتَقُولُ: "لا بل هكذا"،
- حتى إذا طال الخلافُ تقاسمافالصبحُ حُرٌّ خارجَ العَتَبَاتِ لَكِنْ
- إن أرادَ دخولَهافَعَلَيهِ أن يَرْضَى بحُكْمِ نوافذِ الرَّحمنْ
- في القدس مدرسةٌ لمملوكٍ أتى مما وراءَ النهرِ،باعوهُ بسوقِ نِخَاسَةٍ في إصفهانَ لتاجرٍ من أهلِ بغدادٍ أتى حلباً
- فخافَ أميرُها من زُرْقَةٍ في عَيْنِهِ اليُسْرَى،فأعطاهُ لقافلةٍ أتت مصراً، فأصبحَ بعدَ بضعِ سنينَ غَلاَّبَ المغولِ وصاحبَ السلطانْ
- في القدس رائحةٌ تُلَخِّصُ بابلاً والهندَ في دكانِ عطارٍ بخانِ الزيتْواللهِ رائحةٌ لها لغةٌ سَتَفْهَمُها إذا أصْغَيتْ
- وتقولُ لي إذ يطلقونَ قنابل الغاز المسيِّلِ للدموعِ عَلَيَّ: "لا تحفل بهم"وتفوحُ من بعدِ انحسارِ الغازِ، وَهْيَ تقولُ لي: "أرأيتْ!"
- في القدس يرتاحُ التناقضُ، والعجائبُ ليسَ ينكرُها العِبادُ،كأنها قِطَعُ القِمَاشِ يُقَلِّبُونَ قَدِيمها وَجَدِيدَها،
- والمعجزاتُ هناكَ تُلْمَسُ باليَدَيْنْفي القدس لو صافحتَ شيخاً أو لمستَ بنايةً
- لَوَجَدْتَ منقوشاً على كَفَّيكَ نَصَّ قصيدَةٍيابْنَ الكرامِ أو اثْنَتَيْنْ
- في القدس، رغمَ تتابعِ النَّكَباتِ، ريحُ براءةٍ في الجوِّ، ريحُ طُفُولَةٍ،فَتَرى الحمامَ يَطِيرُ يُعلِنُ دَوْلَةً في الريحِ بَيْنَ رَصَاصَتَيْنْ
- في القدس تنتظمُ القبورُ، كأنهنَّ سطورُ تاريخِ المدينةِ والكتابُ ترابُهاالكل مرُّوا من هُنا فالقدسُ تقبلُ من أتاها كافراً أو مؤمنا
- أُمرر بها واقرأ شواهدَها بكلِّ لغاتِ أهلِ الأرضِفيها الزنجُ والإفرنجُ والقِفْجَاقُ والصِّقْلابُ والبُشْنَاقُ
- والتاتارُ والأتراكُ، أهلُ الله والهلاك، والفقراءُ والملاك،والفجارُ والنساكُ، فيها كلُّ من وطئَ الثَّرى
- أرأيتها ضاقت علينا وحدنايا كاتب التاريخِ ماذا جَدَّ فاستثنيتنا
- يا شيخُ فلتُعِدِ الكتابةَ والقراءةَ مرةً أخرى، أراك لَحَنْتْالعين تُغْمِضُ، ثمَّ تنظُرُ، سائقُ السيارةِ الصفراءِ
- مالَ بنا شَمالاً نائياً عن بابها والقدس صارت خلفناوالعينُ تبصرُها بمرآةِ اليمينِ تَغَيَّرَتْ ألوانُها في الشمسِ، مِنْ قبلِ الغيابْ
- إذ فاجَأَتْني بسمةٌ لم أدْرِ كيفَ تَسَلَّلَتْ للوَجْهِقالت لي وقد أَمْعَنْتُ ما أَمْعنْتْ
- يا أيها الباكي وراءَ السورِ، أحمقُ أَنْتْ؟ أَجُنِنْتْ؟لا تبكِ عينُكَ أيها المنسيُّ من متنِ الكتابْ
- لا تبكِ عينُكَ أيها العَرَبِيُّ واعلمْ أنَّهُفي القدسِ من في القدسِ لكنْ لا أَرَى في القدسِ إلا أَنْتْ
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.