قصيدة
عاشق من فلسطين
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 61 بيتاً
- عيونِك شوكةٌ في القلبِتوجعني... وأعبدُها
- وأحميها من الريحِوأُغمدها وراء الليل والأوجاع... أُغمدها
- فيشعل جُرحُها ضوءَ المصابيحِويجعل حاضري غدُها
- أعزَّ عليَّ من روحيوأنسى، بعد حينٍ، في لقاء العين بالعينِ
- بأنّا مرة كنّا، وراءَ الباب، اثنين !كلامُكِ... كان أغنيهْ
- وكنت أُحاول الإنشادولكنَّ الشقاء أحاط بالشفة الربيعيَّة
- كلامك، كالسنونو، طار من بيتيفهاجر باب منزلنا، وعتبتنا الخريفيَّه
- وراءك، حيث شاء الشوقُ....وانكسرت مرايانا
- فصار الحزن ألفينِولملمنا شظايا الصوت...
- لم نتقن سوى مرثيَّة الوطنِ!سنزرعها معاً في صدر جيتارِ
- وفق سطوح نكبتنا، سنعرفهالأقمارٍ مشوَّهةٍ...وأحجارِ
- ولكنّي نسيتُ... نسيتُ... يا مجهولةَ الصوتِ:رحيلك أصدأ الجيتار... أم صمتي؟!
- رأيتُك أمسِ في الميناءْمسافرة بلا أهل... بلا زادِ
- ركضتُ إليكِ كالأيتامُ ،أسأل حكمة الأجداد:
- لماذا تُسحبُ البيَّارة الخضراءْإلى سجن، إلى منفى، إلى ميناءْ
- وتبقى، رغم رحلتهاورغم روائح الأملاح والأشواق،
- تبقى دائماً خضراء؟وأكتب في مفكرتي:
- أُحبُّ البرتقال . وأكرهُ الميناءوأَردف في مفكرتي :
- على الميناءوقفتُ. وكانت الدنيا عيونَ شتاءْ
- وقشر البرتقال لنا. وخلفي كانت الصحراء!رأيتُكِ في جبال الشوك
- راعيةً بلا أغناممطارَدةً، وفي الأطلال...
- وكنت حديقتي، وأنا غريب الدّارأدقُّ الباب يا قلبي
- على قلبي...يقرم الباب والشبّاك والإسمنت والأحجار!
- رأيتكِ في خوابي الماء والقمحِمحطَّمةً. رأيتك في مقاهي الليل خادمةً
- رأيتك في شعاع الدمع والجرحِ.وأنتِ الرئة الأخرى بصدري...
- أنتِ أنتِ الصوتُ في شفتي....وأنتِ الماء، أنتِ النار!
- رأيتكِ عند باب الكهف... عند النارمُعَلَّقَةً على حبل الغسيل ثيابَ أيتامك
- رأيتك في المواقد... في الشوارع...في الزرائب... في دمِ الشمسِ
- رأيتك في أغاني اليُتم والبؤسِ!رأيتك ملء ملح البحر والرملِ
- وكنتِ جميلة كالأرض... كالأطفال... كالفلِّوأُقسم:
- من رموش العين سوف أُخيط منديلاوأنقش فوقه شعراً لعينيكِ
- واسما حين أسقيه فؤاداً ذاب ترتيلا...يمدُّ عرائش الأيكِ...
- سأكتب جملة أغلى من الشُهَدَاء والقُبَلِ:"!فلسطينيةً كانتِ. ولم تزلِ"
- فتحتُ الباب والشباك في ليل الأعاصيرِعلى قمرٍ تصلَّب في ليالينا
- وقلتُ لليلتي: دوري!وراء الليل والسورِ
- فلي وعد مع الكلمات والنورِوأنتِ حديقتي العذراءُ....
- ما دامت أغانيناسيوفاً حين نشرعها
- وأنتِ وفيَّة كالقمح...ما دامت أغانينا
- سماداً حين نزرعهاوأنت كنخلة في البال ،
- ما انكسرتْ لعاصفةٍ وحطّابِوما جزَّت ضفائرَها
- وحوشُ البيد والغابِ....ولكني أنا المنفيُّ خلف السور والبابِ
- خُذينيَ تحت عينيكِخذيني، أينما كنتِ
- خذيني، كيفما كنتِأردِّ إليَّ لون الوجه والبدنِ
- وضوء القلب والعينِوملح الخبز واللحنِ
- وطعم الأرض والوطنِ!خُذيني تحت عينيكِ
- خذيني لوحة زيتيَّةً في كوخ حسراتِخذيني آيةً من سفر مأساتي
- خذيني لعبة... حجراً من البيتليذكر جيلُنا الآتي
- مساربه إلى البيتِ !فلسطينيةَ العينين والوشمِ
- فلسطينية الاسمفلسطينية الأحلام والهمِّ
- فلسطينية المنديل والقدمَين والجسمِفلسطينية الكلمات والصمتِ
- فلسطينية الصوتِفلسطينية الميلاد والموتِ
- حملتُك في دفاتريَ القديمةِنار أشعاري
- حملتُك زادَ أسفاريوباسمك ، صحتُ في الوديانْ :
- خيولُ الروم !... أعرفهاوإن يتبدَّل الميدان !
- خُذُوا حَذَراًمن البرق الذي صكَّته أُغنيتي على الصوَّانْ
- أنا زينُ الشباب ، وفارس الفرسانْأنا. ومحطِّم الأوثانْ .
- حدود الشام أزرعهاقصائد تطلق العقبان !
- وباسمك ، صحت بالأعداءْ :كلي لحمي إذا نمت يا ديدانْ
- فبيض النمل لا يلد النسورَوبيضةُ الأفعى..
- يخبئ قشرُها ثعبانْ !خيول الروم ... أعرفها
- وأعرف قبلها أنيأنا زينُ الشباب، وفارس الفرسان!
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.