قصيدة
أزهار الدم
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 87 بيتاً
- 1- مغني الدملمُغّنيكِ’ على الزيتون , خمسون وترْ
- ومغنيك أسيراً كان للريح, وعبداً للمطرومغنيك الذي تاب عن النوم تسلّى بالسهر
- سُيسمّي طلعة الورد, كما شئت , شردْسيُسمّي غابة الزيتون في عينيك , ميلاد سحر
- وسيبكي , هكذا اعتاد,إذا مرُّ نسيم فوق خمسين وترْ
- آه يا خمسين لحناً دموياًكيف صارت بركة الدمِّ نجوماً وشجر؟
- الذي مات هو القاتل يا قيثارتيومغنيك انتصر !
- افتحي الأبواب يا قريتناافتحيها للرياح الأربع
- ودعي خمسين جرحاً يتوهَّجكُفْرُ قاسم
- قرية تحلم بالقمح , وأزهار البنفسجوبأعراس الحمائم
- .........-احصدوهم دفعة واحدة
- احصدوهم....
- .... احصدوهم .......................
- آه يا سنبلةَ القمح على صدر الحقولومغنيك يقول:
- ليتني أعرف سرَّ الشجرةليتني أدفن كل الكلمات الميتة
- ليت لي قوة صمت المقبرةيا يداً تعزف , يا للعار ! خمسين وترْ
- ليتني أكتب بالمنجل تاريخيوبالفأس حياتي,
- وجناح القُبرهْ..................
- كُفْرَ قاسِمإنني عدت من الموت لأحيا , لأغني
- فدعيني أستعر صوتي من جرح توهَّجوأعينيني على الحقد الذي يزرع في قلبي عوسج
- إنني مندوب جرح لا يساومعلمتني ضربة الجلاّد أن أمشي على جرحي
- وأمشي..ثم أمشي..
- وأُقاوم !2- حوار في تشرين
- أُحاورُ ورقةَ توتْ :ومن سوء حظ العواصف أنَّ المطر
- يعيدك حيَّه ,وأن ضحيتها لا تموت
- وأن الأيادي القويةتكبلها بالوتر !
- سأدفع مهر العواصفمزيداً من الحب للوردة الثاكلة
- وأبقى على قمة التل واقفْلأفضح سرَّ الزوابع .. للقافلة
- أُحاور هبّة ريح :إذا هاجر الزارع الأولُ
- وعاث بحنطته القاتلُوإن قتلوه كما قتلوني
- فلن تحملني الأرض يوماًولن تنزعني جلدها عن جفوني
- سأدفع مهر العواصفمزيداً من الحب للوردة الثاكلة
- وأبقى على قمة التل واقفلأفضح سر العواصف .... للقافلة !
- أُحاور روح الضحيةومن سوء حظ العواصف أن المطر
- يعيدك حيَّهْومن حسن حظك أنك أنت الضحية
- هلا ..يا هلا... بالمطر !3- الموت مجاناً
- كان الخريف يمرُّ في لحمي جنازة برتقالْ...قمراً نحاسياً تفتته الحجارة والرمال
- وتساقط الأطفال في قلبي على مُهج الرجالكل الوجوم نصيبُ عيني... كل شيء لا يُقال...
- ومن الدم المسفوك أذرعه تناديني : تعال !فلترفعي جيداً إلى شمس تحنَّت بالدماء
- لا تدفني موتاك !.. خَلِّيهم كأعمدة الضياءخلي دمي المسفوك ...لافتة الطغاة إلى المساء
- خليه ندّاً للجبال الخضر في صدر الفضاء !لا تسألي الشعراء أن يَرْثُوا زعاليل الخميلهْ
- شرف الطفولة أنهاخطر على أمن القبيلة
- إني أُباركم بمجد يرضع الدم والرذيلهْوأُهّنئُ الجلاد منتصراً على عينٍ كحيلة
- كي يستعير كساءه الشتوي من شعر الجديلةمرحى لفاتح قرية !.. مرحى لسفاح الطفولة !..
- يا كفر قاسم !.. إن أنصاب القبور يد تشدُّوتشد لأعماق أغراسي اليتامى إذ تمدُّ
- باقون... يا يدك النبيلة , علمينا كيف نشدوباقون مثل الضوء , والكلمات , لا يلويهما ألم وقيدُ
- يا كفر قاسم !إن أنصاب القبور يد تشدُّ ...!
- 4- القتيل رقم 18غابةُ الزيتون كانت مرةً خضراءَ
- كانت .. والسماءْغابةً زرقاء ..كانت يا حبيبي
- ما الذي غيّرها هذا المساء ؟.. .. ..
- أوقَفُوا سيارةَ العمال في منعطف الدربِوكانوا هادئين
- وأدارونا إلى الشرق .. وكانوا هادئين.. .. ..
- كان قلبي مَرّةً عصفورةً زرقاءَ .. يا عش حبيبيومناديلك عندي , كلها بيضاء , كانت يا حبيبي
- ما الذي لطّخها هذا المساء ؟أنا لا افهم شيئاً يا حبيبي !
- .. .. ..أوقفوا سيارة العمّال في فمنتصف الدربِ
- وكانوا هادئينوأدارونا إلى الشرق .. وكانوا هادئين
- .. .. ..لكَ مني كلُّ شيء
- لكَ ظل لك ضوءخاتم العرس , وما شئتَ
- وحاكورة زيتون وتينِوسأتيكَ كما في كل ليلهْ
- أدخل الشبّاكَ , في الحُلمِ, وأرمي لَكَ فُلَّهلا تلمني إن تأخرتُ قليلاً
- إنهم قد أوقفونيغابة الزيتون كانت دائماً خضراء
- كانت يا حبيبيإن خمسين ضحيَّة
- جعلتها في الغروب ..بركةً حمراء .. خمسين ضحيَّة
- يا حبيبي .. لا تلمني ..قتلوني .. قتلوني
- قتلوني ..5- القتيل رقم 48
- وجدوا في صدره قنديلَ وردٍ.. وقمرْوهو ملقى، ميتاً, فوق حجرْ
- وجدوا في جيبه بعض قروشوجدوا علبة كبريت , وتصريح سفرْ
- وعلى ساعده الغض نقوش.قَبَّلَتْهُ أُمُّهُ...
- وبكت عاماً عليهبعد عام , نبت العوسج في عنيه
- واشتدَّ الظلامعندما شبَّ أخوه
- ومضى يبحث عن شغل بأسواق المدينةحبسوه...
- لم يكن يحمل تصريح سفرإنه يحمل في الشارع صندوق عفونه
- وصناديق أُخَرآه أطفال بلادي
- هكذا مات القمرْ!6- عيون الموتى على الأبواب
- مروا على صحراء قلبي , حاملين ذراع نخلهْمرُّوا على زهر القرنفل , تاركين أزيز نحلهْ
- وعلى شبابيك القرى رسموا , بأعينهم ,أهلَّهْوتبادلوا بعض الكلام
- عن المحبة والمذلَّةماذا حملتَ لعشر شمعات أضاءت كفر قاسم
- غير المزيد, من النشيد, عن الحمائم..والجماجم..؟
- هي لا تريدُ... ولا تعيدُرثاءنا.. هي لا تساوم
- فوصية الدم تستغيث بأن تُقاومفي الليل دقوا كل باب...
- كل باب.. كل بابوتوسلوا ألاّ نهيل على الدم الغالي التراب
- قالت عيونُهُمُ التي انطفأت لتشغلنا عتاب:لا تدفنونا بالنشيد, وخلدونا بالصمود
- إنا نسمِّد ليلكم لبراعم الضوء الجديديا كفر قاسم !
- من توابيت الضحايا , سوف يعلوعَلَمٌ يقول : قِفوا ! قِفوا !...
- واستوقفوا !لا , لا تذلوا !
- دَيْنُ العواصف أنت قد سدَّدته ,وانهار ظلُّ
- يا كفر قاسم ! لن ننام.... وفيك مقبرة وليلُووصية الدم لا تساوم
- ووصية الدم تستغيث بأن نقاومأن نقاوم...
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.