قصيدة
جندي يحلم بالزنابق البيضاء
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 53 بيتاً
- يحلُمُ بالزنابق البيضاءْبغصن زيتونِ..
- بصدرها المورق في المساءيحلمُ _ قال لي _ بطائر
- بزهر ليمونو لم يفلسف حلمه لم يفهم الأشياء
- إلا كما يحسّها.. يشمّهايفهم_ قال لي_ إنّ الوطنْ
- أن أحتسي قهوة أميأن أعود في المساء..
- سألته: و الأرض؟قال: لا أعرفها
- و لا أحس أنها جلدي و نبضيمثلما يُقال في القصائدْ
- و فجأة، رأيتهاكما أرى الحانوت..و الشارع.. و الجرائد
- سألته: تحبُّهاأجاب: حبي نزهة قصيرةً
- أو كأس خمر.. أو مغامرة_من أجلها تموت ؟
- _كلا!و كل ما يربطني بالأرض من أواصرِ
- مقالةٌ نارية.. محاضرهْ!قد عَلّموني أن أحب حبّها
- و لم أحس أن قلبها قلبي،و لم أشم العشب، و الجذور، و الغصون..
- _و كيف كان حبّهايلسع كالشموس ..كالحنين؟
- أجابني مواجهاً:_و سيلتي للحب بندقية
- وعودةُ الأعياد من خرائب قديمهو صمت تمثال قديم
- ضائع الزمان و الهوية !حدّثني عن لحظة الوداع
- و كيف أمّةتبكي بصمت عندما ساقوه
- إلى مكان ما من الجبهة..و كان صوت أمه الملتاع
- يحفر تحت جلده أُمنية جديدة :لو يكبر الحمام في وزارة الدفاعْ
- لو يكبر الحمام!....دخّن، ثم قال لي
- كأنه يهرب من مستنقع الدماء:حلمتُ بالزنابق البيضاءْ
- بغصن زيتونِ..بطائر يعانق الصباح
- فوق غصن ليمون.._وما رأيتْ؟
- _رأيت ما صنعتْعوسجةً حمراء
- فجَّرتها في الرمل.. في الصدور.. في البطون.._و كم قتلتْ ؟
- _يصعب أن أعدهم..لكنني نلت وساماً واحداً
- سألته، معذباً نفسي، إذنصف لي قتيلاً واحداً.
- أصلح من جلسته ،وداعب الجريدة المطويّةو قال لي كأنه يسمعني أغنيهْ:
- كخيمة هوى على الحصىو عانق الكوكب المحطمة
- كان على جبينه الواسع تاجٌ من دموصدره بدون أوسمهْ
- لأنه لم يحسن القتاليبدو أنه مزارع أو عامل أو بائع جوال
- كخيمة هوى على الحصى .. و مات ..كانت ذراعاهُ
- ممدودتين مثل جدولين يابسينو عندما فتّشْتُ في جيوبهِ
- عن اسمه، وجدتُ صورتينواحدةً .. لزوجته
- واحدةً .. لطفلته ..سألته : حزنت ؟
- أجابني مقاطعاً يا صاحبي محمودالحزن طيّر أبيضٌ
- لا يقرب الميدان. و الجنوديرتكبون الإثم حين يحزنون
- كنتُ هناك آلةً تنفث ناراً وردىو تجعل الفضاء طيراً أسودا
- حدثّني عن حبه الأولِ،فيما بعد
- عن شوارع بعيدهْ،و عن ردود الفعل بعد الحرب
- عن بطولة المذياع و الجريدةو عندما خبأ في منديله سعلته
- سألته: أنلتقي؟أجاب: في مدينة بعيدهْ
- حين ملأت كأسه الرابعَقلت مازحاً.. ترحل و.. الوطن ؟
- أجاب: دعني..إنني أحلم بالزنابق البيضاء
- بشارع مغرّد و منزل مضاءأريد قلباً طيباً، لا حشو بندقية
- أريد يوماً مشمساً، لا لحظة انتصارمجنونةً.. فاشيّهْ
- أُريد طفلاً باسما يضحك للنهار،لا قطعةً في الآلة الحربيهْ
- جئت لأحيا مطلع الشموسلا مغربها
- ودعني، لأنه.. يبحث عن زنابق بيضاءعن طائر يستقبل الصباح
- فوق غصن زيتونلأنه لا يفهم الأشياء
- إلاّ كما يحسّها.. يشمّهايفهم_ قال لي_ إن الوطن
- أن أحتسي قهوة أُمي..أن أعود، آمناً مع، المساء
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.