قصيدة
قصيدة الأرض
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 122 بيتاً
- -1-في شهر آذارَ، في سَنَة الانتفاضة، قالتْ لنا الأرضُ
- أسرارَها الدمويَّةَ. في شهر آذارَ مَرّتْ أمامالبنفسج والبندقيّة خمس بناتٍ. وقَفْنَ على باب
- مدرسة ابتدائية، واشتعلن مع الورد والزعترِالبلديّ. افتتحنَ نشيد التراب. دخلن العناقَ
- النهائي – آذارُ يأتي إلى الأرض من باطن الأرضيأتي، ومن رقصة الفتيات – البنفسجُ مال قليلاً
- ليعبر صوتُ البنات. العصافيرُ مَدّتْ مناقيرهافي اتّجاه النشيد وقلبي.
- أنا الأرضُوالأرضُ أنتِ
- خديجةُ ! لا تغلقي البابلا تدخلي في الغياب
- سنطردهم من إناء الزهور وحبل الغسيلسنطردهم عن حجارة هذا الطريق الطويل
- سنطردهم من هواء الجليل.وفي شهر آذار، مرّت أمام البنفسج والبندقيّة خمسُ
- بناتٍ. سقطن على باب مدرسةٍ ابتدائية. للطباشيرفوق الأصابع لونُ العصافيرِ. في شهر آذار قالت
- لنا الأرض أسرارها.-2-
- أُسمّي الترابَ امتداداً لروحيأُسمّي يديّ رصيفَ الجروحِ
- أُسمّي الحصى أجنحهْأُسمّي العصافير لوزاً وتين
- أُسمّي ضلوعي شجرْوأستلّ من تينة الصدر غصناً
- وأقذفهُ كالحجرْوأنسفُ دبّابةَ الفاتحين .
- -3-وفي شهر آذار، قبل ثلاثين عاماً وخمس حروب،
- وُلدتُ على كومة من حشيش القبور المضيء.أبي كان في قبضة الإنجليز. وأمي تربّي جديلتها
- وامتدادي على العشب. كنتُ أُحبُّ "جراحالحبيب" و أجمعها في جيوبي، فتذبلُ عند الظهيرة،
- مَرّ الرصاصُ على قمري الليلكيِّ فلم ينكسرْ،غير أنّ الزمان يَمرّ على قَمَري الليلكيِّ فيسقطُ سهواً...
- وفي شهر آذار نمتدُّ في الأرضِفي شهر آذار تنتشرُ الأرضُ فينا
- مواعيدَ غامضةًواحتفالاً بسيطاً
- ونكتشف البحرَ تحت النوافذوالقمرَ الليلكيَّ على السرو
- في شهر آذار ندخلُ أوّل سجنٍ وندخلُ أوّل حُبٍّوتنهمرُ الذكرياتُ على قريةً في السياج
- وُلدنا هناك ولم نتجاوز ظلال السفرجلِكيف تفرّين من سُبُلي يا ظلال السفرجل؟
- في شهر آذار ندخلُ أوّل حُبٍّوندخلُ أوّل سجنٍ
- وتنبلجُ الذكرياتُ عشاءً من اللغة العربية:قال لي الحبُّ يوماً: دخلتُ إلى الحلم وحدي فضعتُ وضاعَ بي الحلمُ. قلتُ تكاثرْ! تَرَ النهر يمشي
- إليك.وفي شهر آذار تكتشف الأرض أنهارها.
- -4-بلادي البعيدةَ عنّي.. كقلبي!
- بلادي القريبةَ مني.. كسجني!لماذا أغنّي
- مكاناً، ووجهي مكانْ؟لماذا أغنّي
- لطفلٍ ينامُ على الزعفران؟وفي طرف النوم خنجر
- وأُمّي تناولنيصدرها
- وتموتُ أماميبنسمةِ عنبر؟
- -5-وفي شهر آذار تستيقظ الخيلُ
- سيّدتي الأرضَ!أيُّ نشيدٍ سيمشي على بطنك المتموِّج، بعدي؟
- وأيُّ نشيدٍ يلائمُ هذا الندى والبَخُورَكأنَّ الهياكل تستفسرُ الآن عن أنبياء فلسطينَ في بدئها المتواصل
- هذا اخضرارُ المدى واحمرارُ الحجارةِ-هذا نشيدي
- وهذا خروجُ المسيح من الجرح والريحأخضرَ مثل النبات يُغطّي مساميرَهُ وقيودي
- وهذا نشيديوهذا صعودُ الفتى العربيّ إلى الحلم والقدس.
- في شهر آذار تستيقظ الخيلُ.سيّدتي الأرضَ!
- والقممُ اللّولبيَّةُ تبسطها الخيلُ سجّادةً للصلاةِ السريعةِبين الرماح وبين دمي.
- نصف دائرةٍ ترجعُ الخيلُ قوساويلمعُ وجهي ووجهك حيفا وعُرسا
- وفي شهر آذار ينخفضُ البحرُ عن أرضنا المستطيلة مثل حصانٍ على وترِ الجنسِ.في شهر آذار ينتفضُ الجنسُ في شجر الساحل العربيّ
- وللموج أن يحبس الموجَ ... أن يتموّجَ...أنيتزوّج .. أو يتضرّح بالقطن
- أرجوك – سيّدتي الأرضَ – أن تُسكنينيصهيلَكِ
- أرجوك أن تدفنيني مع الفتيات الصغيرات بين البنفسج والبندقيةِأرجوك – سيدتي الأرضَ – أن تُخْصبي عُمْريَ المتمايلَ بين سؤالين: كيف؟ وأين؟
- وهذا ربيعي الطليعيُّوهذا ربيعي النهائيُّ
- في شهر آذار زوُّجتُ الأرضُ أشجارها.-6-
- كأنّي أعودُ إلى ما مضىكأنّي أسيرُ أمامي
- وبين البلاط وبين الرضاأُعيدُ انسجامي
- أنا ولدُ الكلمات البسيطهْوشهيدُ الخريطهْ
- أنا زهرةُ المشمش العائليَّهْ.فيا أيّها القابضون على طرف المستحيل
- من البدء حتّى الجليلأعيدوا إليّ يديَّ
- أعيدوا إليّ الهويَّهْ!-7-
- وفي شهر آذار تأتي الظلال حريريةً والغزاةُ بدون ظلالٍوتأتي العصافيرُ غامضةً كاعتراف البنات
- وواضحةً كالحقولالعصافيرُ ظلُّ الحقول على القلب والكلمات.
- خديجةُ!- أين حفيداتك الذاهباتُ إلى حبِّهن الجديد؟
- - ذهبن ليقطفن بعض الحجارة-قالت خديجةُ وهي تحثُّ الندى خلفهنّ.
- وفي شهر آذار يمشي التراب دماً طازجاً في الظهيرة...خمسُ بناتٍ يخبّئنَ حقلاً من القمح تحت الضفيرة...
- يقرأن مطلع أنشودةٍ على دوالي الخليل، ويكتبنخمس رسائل:
- تحيا بلاديمن الصّفْرِ حتّى الجليل
- ويحلمن بالقدس بعد امتحان الربيع وطرد الغزاة.خديجةُ! لا تغلقي الباب خلفك
- لا تذهبي في السحابستمطر هذا النهار
- ستمطرُ هذا النهار رصاصاًستمطرُ هذا النهار!
- وفي شهر آذار، في سنة الانتفاضة، قالت لنا الأرضأسرارها الدّمويّةَ: خمسُ بناتٍ على باب مدرسة
- ابتدائيَّةٍ يقتحمن جنود المظلاّت. يسطعُ بيتٌمن الشعر أخضرَ... أخضر. خمسُ بناتٍ
- على باب مدرسة ابتدائية ينكسرن مرايا مراياالبناتُ مرايا البلاد على القلبِ..
- في شهر آذار أحرقت الأرضُ أزهارها.-8-
- أنا شاهدُ المذبحهُوشهيدُ الخريطهُ
- أنا ولدُ الكلماتُ البسيطهُرأيتُ الحصى أجنحهْ
- رأيت الندى أسلحةعندما أغلقوا باب قلبي عليّا
- وأقاموا الحواجز فيّاومنع التجوُّل
- صار قلبي حارةْوضلوعي حجارةْ
- وأطلّ القرنفلوأطلّ القرنفل
- -9-وفي شهر آذار رائحةٌ للنباتات. هذا زواجُ العناصر.
- "آذار أقسى الشهور" وأكثرها شَبقاً. أيّسيفٍ سيعبرُ بين شهيقي وبين زفيري ولا يتكسَّرُ !
- هذا عناقي الزّراعيُّ في ذروة الحبّ. هذا انطلاقيإلى العمر.
- فاشتبكي يا نباتاتُ واشتركي في انتفاضة جسمي، وعودةحلمي إلى جسدي
- سوف تنفجرُ الأرضُ حين أُحقّقُ هذا الصراخ المكبّلَ بالريّ والخجل القرويّ.وفي شهر آذار نأتي إلى هوس الذكريات، وتنمو علينا
- النباتاتُ صاعدةً في اتّجاهات كلّ البدايات. هذانموُّ التداعي. أُسمّي صعودي إلى الزنزلخت التداعي. رأيتُ فتاةً على شاطئ البحر قبل ثلاثين عاماً
- وقلتُ: أنا الموجُ، فابتعدتْ في التداعي. رأيتُشهيدين يستمعان إلى البحر: عكّا تجئ مع الموج.
- عكّا تروح مع الموج. وابتعدا في التداعي.ومالت خديجةُ نحو الندى، فاحترقتُ. خديجةُ! لا تغلقي الباب!
- إنَّ الشعوب ستدخلُ هذا الكتاب وتأفل شمسُ أريحا بدونِ طقوس.فيا وَطَنَ الأنبياء...تكاملْ!
- ويا وطن الزارعين .. تكاملْ!ويا وطن الشهداء.. . تكامل!
- ويا وطن الضائعين .. تكامل!فكلُّ شعاب الجبال امتدادٌ لهذا النشيد.
- وكلُّ الأناشيد فيك امتدادٌ لزيتونةٍ زمَّلتني.-10-
- مساءٌ صغيرٌ على قريةٍ مُهملهْوعيناك نائمتانْ
- أعودُ ثلاثين عاماًوخمسَ حروب
- وأشهدُ أنّ الزمانْيخبّئ لي سنبلهْ
- يغنّي المغنّيعن النار والغرباء
- وكان المساءُ مساءوكان المغنّي يُغَنّي
- ويستجوبونه:لماذا تغنّي؟
- يردُّ عليهم:لأنّي أغَنّي
- وقد فتّشوا صدرَهُفلم يجدوا غير قلبهْ
- وقد فتّشوا قلبَهْفلم يجدوا غير شعبهْ
- وقد فتشوا صوتَهُفلم يجدوا غير حزنهْ
- وقد فتّشوا حزنَهُفلم يجدوا غير سجنهْ
- وقد فتَّشوا سجنَهُفلم يجدوا غيرهم في القيود
- وراء التّلالينامُ المغنّي وحيداً
- وفي شهر آذارتصعدُ منه الظلال
- -11-أنا الأملُ والسهلُ والرحبُ – قالت لي الأرضُ والعشبُ مثل التحيَّة في الفجرِ
- هذا احتمالُ الذهاب إلى العمر خلف خديجة. لم يزرعوني لكي يحصدونييريد الهواء الجليليُّ أن يتكلّم عنّي، فينعسُ عند خديجةَ
- يريد الغزال الجليليّ أن يهدم اليوم سجني، فيحرسُ ظلّ خديجةَ وهي تميلُ على نارها.يا خديجةُ! إنّي رأيتُ .. وصدّقتُ رؤياي تأخذني
- في مداها وتأخذني في هواها. أنا العاشق الأبديُّ،السجين البديهيّ. يقتبس البرتقالُ اخضراري ويصبحُ
- هاجسَ يافاأنا الأرضُ منذ عرفتُ خديجةَ
- لم يعرفوني لكي يقتلونيبوسع النبات الجليليّ أن يترعرع بين أصابع كفّي ويرسم
- هذا المكان الموزّعَ بين اجتهادي وحبّ خديجةَهذا احتمال الذهاب الجديد إلى العمر من شهر آذار حتّى
- رحيل الهواء عن الأرضِهذا الترابُ ترابي
- وهذا السحابُ سحابيوهذا جبين خديجهْ
- أنا العاشقُ الأبديُّ – السجينُ البديهيُّرائحةُ الأرض تُوقظني في الصباح المبكّر..
- قيدي الحديديُّ يوقظها في المساء المبكّرهذا احتمال الذهابِ الجديد إلى العمر،
- لا يسأل الذاهبون إلى العمر عن عمرهميسألون عن الأرض: هل نَهَضَتْ
- طفلتي الأرضَ!هل عرفوك لكي يذبحوكِ؟
- وهل قيّدوك بأحلامنا فانحدرتِ إلى جرحنا في الشتاء؟وهل عرفوكِ لكي يذبحوكِ؟
- وهل قيّدوكِ بأحلامهم فارتفعتِ إلى حلمنا في الربيعْ؟أنا الأرضُ..
- يا أيّها الذاهبون إلى حبّة القمح في مهدهااحرثوا جَسَدي!
- أيّها الذاهبون إلى صخرة القدسمرّوا على جسدي
- أيّها العابرون على جسديلن تمرّوا
- أنا الأرضُ في جَسَدٍلن تمروا
- أنا الأرض في صحوهالن تمروا
- أنا الأرض. يا أيّها العابرون على الأرض في صحوهالن تمروا
- لن تمروالن تمروا !
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.