قصيدة
كان ماسوف يكون
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 87 بيتاً
- في الشارع الخامس حيّاني . بكى . مال على السورالزجاجي ، ولا صفصاف في نيويورك.
- أبكاني . أعاد الماءَ للنهر . شربنا قهوه . ثم افترقنا في الثواني .منذ عشرين سنهْ
- وأنا أعرفه في الأربعينْوطويلاً كنشيدٍ ساحليّ ، وحزينْ
- كان يأتينا كسيف من نبيذٍ . كان يمضي كنهاياتصلاهْ
- كان يرمي شِعْرَهُ في مطعم " خريسْتو"وعكا كلها تصحو من النومِ
- وتمشي في المياهكان أُسبوعاً من الأرض ، ويوماً للغزاهْ
- ولأمّي أن تقول الآن : آه!ليديه الوردُ والقيدُ . ولم يجرحْهُ خلف السور ألّا
- جرحُهُ السيّد . عُشّاقٌ يجيئون ويرمون المواعيدُ .رفعنا الساعد الممتدَّ دشَّنا العناقيدَ اختلطنا في
- صراخ الفيجن البريّ . كسرنا الأناشيدَ . انكسرنافي العيون السود . قاتلنا . قُتلنا. ثم قاتلنا . وفرسان
- يجيئون ويمضونَ .وفي كل فراغْ
- سنرى صمت المغني أزرقاً حتى الغيابْمنذ عشرين سنهْ
- وهو يرمي لحمه للطير والأسماك في كل أتجاهولأمّي أن تقول الآن : آه !
- أبن فلّاحين من ضلع فلسطينجنوبيُّ
- شقيُّ مثل دوريٍّقويّ
- فاتحُ الصوتِكبير القدمين
- واسعُ الكفِّ . فقيرٌ كفراشهْأسمرٌ حتى التداعي
- وعريض المنكبينويرى أبعدَ من بوابة السجن
- يرى أقرب من أطروحة الفنيرى الغيمة في خوذة جنديّ
- يرانا ، ويرى كرت الأعاشهْوبسيط .. في المقاهي واللغهْ
- ويحب الناي والبيرةَلم يأخذ من الألفاظ إلّا أبسط الألفاظ
- سهلا كان كالماءبسيطاً .. كعشاء الفقراء .
- كان حقلاً من بطاطا وذرهْلا يحب المدرسهْ
- ويحب النثر والشعرلعلّ السهل نثرٌ
- ولعلّ القمح شعرٌ.ويزورُ الأهلَ يوم السبتِ
- يرتاح من الحبر الإلهيومن أسئلة البوليسِ.
- لم ينشر سوى جزئين من أشعاره الأولىوأعطانا البقيهْ
- شوهدت خطوتُهُ فوقَ مطار اللد من عشر سنينواختفى...
- كان ما سوف يكونَفضحتني السنبلهْ
- ثم أهدتني السنونولعيون القَتَلهْ
- .. شاحباً كالشمس في نيويورك :من أين يمرُّ القلب ؟ هل في غابة الأسمنت ريش لحمام؟
- وبريدي فارغٌ . والفجر لا يَلْسَعُ .والنجمةُ لا تلمع في هذا الزحام .
- ومسائي ضيّقٌ . جسم حبيبي ورقٌ . لا أحد حولمسائي " يتمنى أن يكون النهر والغيمه" .. من
- أين يمرّ القلب ؟ من يلتقط الحم الذي يسقط قربالأوبرا والبنك ؟ شلاّل دبابيسَ سيجتاح الملذاتِ
- التي أحملها .لا أحلم الآن بشيء
- أشتهي أن أشتهيلا أحلم الآن بغير الانسجام
- أشتهيأو
- أنتهيلا . ليس هذا زمني
- شاحباً كالشمس في نيويوركَأعطيني ذراعي لأعانقْ
- ورياحي لأسيرومن المقهى إلى المقهى . أُريد اللغه الأخرى
- أُريد الفرق بين النار والذكرىأُريد الصفَةَ الأولى لأعضائي
- وأعطيني ذراعي لأعانقورياحي لأسير
- ومن المقهى إلى المقهىلماذا يهرب الشعر من القلب أذا ما أبتعدتْ يافا ؟ لماذا
- تختفي يافا أذا عانقُتها ؟لا ليس هذا زمني
- وأُريد الصفة الأولى لأعضائيوأعطيني ذراعي لأعانق
- ورياحي لأسير... واختفى في الشارع الخامس ، أو بوابة القطب
- الشماليّ . ولا أذكر من عينيه ألا مدنا تأتي وتمضي.وتلاشى ، وتلاشى...
- والتقينا بعد عام في مطار القاهرةقال لي بعد ثلاثين دقيقه
- " ليتني كنت طليقاًفي سجون الناصرة "
- نام أسبوعاً . صحا يومين . لم يذهب مع النيل ألى الأريافلم يشرب من القهوة إلّا لونها .
- لم يرى المصريَّ في مصرَولم يسأل سوى الكُتّاب عن شكل الصراع الطبقيّ
- ثم ناداه السؤال الأبديّ الاغتراب الحجريّقلت : من أي نبيّ كافر قد جاءك البعدُ النهائيّ ؟
- بكى من كَسَل في نظراتي . هل تغيّرْتَ ؟تغيّرتُ . ولم تذهب حياتي
- عبثاً .مال إلى النيل وقال : النيل ينسى ؟
- قلت : لا ينسى كما كنا نظنُّوتذكّرنا معاً إيقاعنا الماضي
- وموجاتِ السنونو فوق كفِّ تقرع الحائطَوالأرضَ التي نحملها في دمنا كالحشرات
- وتذكرنا معاً إيقاعنا الماضي وموتَ الأصدقاءْوالذين اقتسموا أيّامنا ، وانتشروا
- لم يحبونا كما كُنّا نشاءلم يحبونا ولكن عرفونا..
- كان يهذي عندما يصحو . ويصحو عندما يبكيويمشي كخيامٍ في البعيد العربيّ
- ذهب العمر هباءوفقدت الجوهريّ
- واختفى قرب غروب النيلأعددت له مرثية أخرى وجنّاز نخيلْ
- يا انتحاري المتواصلأوقف العمر لكي نبدأ من أي رحيلْ
- وتأجّج كنباتات الجليلوتوهّج كقتيل
- يا انتحاري المتواصلقف على ناصية الحلم وقاتلْ
- فَلَكَ الأجراس ما زالت تدقّولك الساعة ما زالت تدقُّ
- وتلاشى مرة أخرىوخانتني الغصونُ
- كان ما سوف يكونُفضحتني السنبلهْ
- ثم أهدتني السنونولسيوف القتلهْ
- كانت نيويورك في تابوتها الرسمي تدعونا ألى تابوتهافي الشارع الخامس حيّاني . بكى . مال على نافورة
- الاسمنتِ . لا صفصاف في نيويورك . أبكاني .أعاد الظل للبيت . اختبأنا في الصدى . هل مات
- منّا أحدٌ ؟ كلّاً . تغيّرت قليلاً ؟ لا . هل الرحلةما زالت هي الرحله والميناءُ في القلب ؟ . نعم.
- كان بعيداً وبعيداً ونهائيّ الغيابْدَخّنَ الكأس..
- تلاشىكغزالٍ يتلاشى
- في مروّج تتلاشى في الضبابْورمى سيجارة في كبدي وارتاحَ
- لم ينظر إلى الساعةِلم يسرقْهُ هذا القمر الواقفُ تحت الطابق العاشر في
- منهاتنَ . التفّ بذكراهُ .. تغشّاه رنينُ الجرسالسريّ . مرّت بين كفينا عصافير عصافيرُ و موتٌ
- عائليّ . ليس هذا ومني . عاد شتاء آخر . ماتتْنساء الخيل في حقل بعيد . قال إنّ الوقت لا يخرج
- مني . فتبادلت و قلبي مدنا تنهار من أوّل هذاالعمر حتى آخر الحلمِ ..
- أنبقى هكذا نمضي إلى الخارج في هذا النهار البرتقاليّفلا نلمس إلاّ الداخل الغامضَ ؟
- من أين أتيتَ ؟إخترقتْ عصفورةٌ رمحاً
- فقلتُ اكتشفتْ قلبيأنبقى هكذا نمضي إلى الداخل في هذا النهار البرتقاليّ
- فلا نلمس إلاّ شرطة الميناء ؟يهذي خارج الذكرى : أنا الحامل عبء الأرض ،
- و المنقذ من هذا الضلال . الفتياتُ انتعلتْ روحيو سارت . و العصافير بَنَتْ عُشّاً على صوتي و شَقّتني
- و طارت في المدى ..لم يتغيّرْ أيُّ شيء
- و الأغاني شردتني شردتنيليس هذا زمني .
- لا ليس هذا وطني .لا ليس هذا بدني .
- كان ما سوف يكونُفضحته السنبلهْ
- ثم أهدته السنونولرياح القتلهْ ..
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.