قصيدة

سرحان يشرب القهوة في الكفاتيريا

محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 119 بيتاً

  1. يجيئون،أبوابُنا البحرُ، فاجأنا مطرٌ. لا إله سوى الله. فاجأنا
  2. مطرٌ و رصاصٌ. هنا الأرضُ سُجّادةٌ، و الحقائبغربهْ!
  3. يجيئون،فلتترجّلْ كواكبُ تأتي بلا موعد. و الظهورُ التي
  4. استندتْ للخناجر مضطرة للسقوطو ماذا حدث ؟
  5. أنت لا تعرف اليوم. لا لون. لا صوت. لا طعملا شكل.. يُولد سرحان، يكبر سرحان،
  6. يشرب خمراً و يسكُرّ. يرسم قاتله، و يمزِّقصورته. ثم يقتله حين يأخذ شكلا أخيراً
  7. و يرتاح سرحان:سرحان! هل أنت قاتل ؟
  8. و يكتب سرحان شيئاً على كُمِّ معطفه، ثمَّ تهربذاكرةٌ من ملفَّ الجريمة.. تهرب.. تأخذ
  9. منقار طائر.و تأكل حبة قمح بمرج بن عامر
  10. و سرحان مُتّهم بالسكوت، و سرحان قاتل***
  11. و ما كان حُبّاًيدان تقولان شيئاً، و تنطفئان
  12. قيودٌ تلدسجون تلد
  13. منافٍ تلدو نلتفُّ باسمكِ.
  14. ما كان حُبّاًيدان تقولان شيئاً.. و تنطفئان
  15. و نعرف، كُنّا شعوباً و صرنا حجارةو نعرف كنتِ بلادا و صرتِ دخان
  16. و نعرف أشياء أكثرنعرف، لكنّ كل القيود القديمة
  17. تصير أساور وردتصير بكارهْ
  18. في المنافي الجديدةو نلتفُّ باسمك
  19. ما كان حُبّاًيدان تقولان شيئاً و تنطفئان.
  20. و سرحان يكذب حين يقول رضعتُ حليبك، سرحانمن نسل تذكرة، و تربّى بمطبخ باخرة لم تلامس
  21. مياهكِ. ما اسمك؟_نسيت .
  22. و ما اسم أبيك ؟_نسيت
  23. و أمك_نسيت
  24. و هل نمت ليلةَ أمس ؟_لقد نمتُ دهراً
  25. حلمت ؟_كثيراً
  26. بماذا_بأشياء لم أرها في حياتي
  27. و صاح بهم فجأة :_لماذا أكلتم خضاراً مُهرّبة من حقول أريحا؟
  28. _لماذا شربتم زيوتاً مهربَّة من جراح المسيح؟و سرحانُ متّهم بالشذوذ عن القاعدة
  29. ***رأينا أصابعه تستغيث. و كان يقيس السماء بأغلاله
  30. زرقةُ البحر يزجرها الشرطيّ، يعاونه خادم آسيويّ،بلاد تغّير سكانها، و النجوم حصى
  31. و كان يغنّي مضى جيلنا و انقضى.مضى جيلنا و انقضى.
  32. و تناسل فينا الغُزاةُ تكاثر فينا الطغاة. دم كالمياه.و ليس تجفّفه غير سورة عم و قبعةِ الشرطيّ
  33. و خادمهِ الآسيوي. و كان يقيس الزمان بأغلالهسألناه: سرحان عمَّ تساءلت؟
  34. قال: اذهبوا، فذهبناإلى الأمهات اللواتي تزوّجن أعداءنا.
  35. و كنّ ينادين شيئاً شبيهاً بأسمائنا.فيأتي الصدى حَرَساً
  36. ينادين قمحاًفيأتي الصدى حَرَساً
  37. ينادين عدلاًفيأتي الصدى حَرَساً.
  38. ينادين يافافيأتي الصدى حرساً
  39. و من يومها، كفَّت الأمهات عن الصلوات و صرنانقيس السماء بأغلالنا
  40. و سرحان يضحك في مطبخ الباخرةيعانق سائحة، و الطريق بعيدٌ عن القدس و الناصرة
  41. و سرحان مُتّهم بالضياع و بالعدميَّة***
  42. و كلّ البلاد بعيدهْ .شوارعُ أخرى اختفت من مدينته ( أخبرتهُ الأغاني
  43. و عزلتُهُ ليلة العيد أن له غرفة في مكان)ورائحةُ البنِّ جغرافيا
  44. و ما شرَّدوك.. و ما قتلوك .أبوك احتمى بالنصوص، و جاء اللصوص
  45. و لست شريداً.. و لست شهيداً.. و أُمك باعتضفائرها للسنابل و الأمنيات:( و فوق سواعدنا
  46. فارسٌ لا يسلِّم (وشم عميق ). و فوق أصابعناكرمةٌ لا تهاجر ( وشم عميق )
  47. خُطى الشهداء تُبيدُ الغزاة(نشيد قديم)
  48. و نافذتان على البحر يا وطني تحذفان المنافي..وأرجع(حلم قديم –جديد)
  49. شوارع أخرى اختفت من مدينته ( أخبرته الأغانيو عزلته ليلة العيد أن له غرفة في مكان ).
  50. و رائحةُ البُنِّ جغرافياو رائحة البن يدْ
  51. و رائحة البن صوت ينادي.. و يأخذرائحة البن صوت و مئذنة (ذات يوم تعود).
  52. و رائحة البن ناي تزغرد فيه مياه المزا ريب ينكمشالماء يوماً و يبقى الصدى .
  53. و سرحان يحمل أرصفةً و نواديْ و مكتبَ حجز التذاكرسرحان يعرف أكثر من لغة و فتاه. و يحمل تأشيرة
  54. لدخول المحيط و تأشيرة للخروج و لكنّ سرحانَقطرة دم تفتِّش عن جبهة نزفتها.. و سرحان
  55. قطرة دم تفتّش عن جثة نسيتها.. و أين ؟و لست شريداً.. و لست شهيداً
  56. و رائحة البن جغرافيا.و سرحان يشرب قهوته ..
  57. و يضيع****
  58. هنا القدس .يا امرأة من حليب البلابل كيف أُعانق ظلّي
  59. و أبقى ؟خُلقتَ هنا.. و تنامُ هناك
  60. مدينته لا تنام و أسماؤها لا تدوم. بيوت تغيَّرسكانها. و النجوم حصى .
  61. و خمسُ نوافذ أخرى، و عشر نوافذ أخرى تغادرحائط
  62. و تسكن ذاكرةً.. و السفينةُ تمضي .و سرحان يرسم شكلاً و يحذفه: طائرات وربُّ قديم
  63. و نابالم يحرق وجهاً و نافذة.. و يؤلف دولهْ .هنا القدس .
  64. يا امرأة من حليب البلابل كيف أعانق ظلي..و أبقى؟
  65. و لا ظلّ للغرباء.مساءٌ يرافقهم، و المساء بعيد عن الأمهات قريب من
  66. الذكريات. و سرحان لا يقرأ الصحف العربية...لا يعرف المهرجانات و التوصيات.فكيف إذن
  67. جاءه الحزن.. كيف تقيّأ ؟و ما القدس و المدن الضائعة
  68. سوى ناقة تمتطيها البداوةإلى السلطة الجائعة
  69. و ما القدس و المدن الضائعةسوى منبر للخطابة
  70. و مستودعٍ للكآبةو ما القدس إلاّ زجاجة خمر و صندوق تبغ
  71. ..و لكنها وطني .من الصعب أن تعزلوا
  72. عصير الفواكه عن كريات دمي ..و لكنها وطني
  73. من الصعب أن تجدوا فارقاً واحداًبين حقل الذرة
  74. و بين تجاعيد كفيّو لكنها وطني..
  75. لا فوارق بين المساء الذي يسكن الذاكرةو بين المساء الذي يسكن الكر ملا
  76. و لكنها وطنيفي الحقيقة و الدم متَّسع للجميع
  77. و خط الطباشير لا يكسر المطر المقبلاهنا القدس ..
  78. كيف تعانق حريتي_ في الأغاني_ عبوديتي ؟و سرحان يرسم صدراً و يسكنه
  79. و سرحان يبكي بلا ثمن ووسامو يشرب قهوته.. و يضيع
  80. ***يُمَزَّقُ غيماً، و يرسله في اتجاه الرياح. و ماذا؟ هنالك
  81. غيم شديد الخصوبة. لا بُدَّ من تربة صالحهأتذهب صيحاتنا عبثاً؟
  82. أكلتَ.. شربتَ.. و نمتَ.. حلمت كثيراً. أفقتْتعلمت تصريف فعل جديد. هل الفعل معنى بآنية
  83. الصوت.. أم حركه؟و تكتب ض. ظ. ق. ص. ع. و تهرب منها، لأن
  84. هدير المحيطات فيها و لا شيء فيها ضجيج الفراغحروف تميزنا عن سوانا_ طلعنا عليهم طلوع
  85. المنون- فكانوا هباء و كانوا سدىَّ. سدىَّ نحنهم يحرثون طفولتنا و يصكون أسلحة من أساطير
  86. أعلامهم لا تغني و أعلامنا تجهضُ الرعد نقصفهم بالحروفالسمينة ض.ظ.ص.ق.ع ثم نقول انتصرنا و ما
  87. الأرض؟ ما قيمة الأرض؟ أتربة ووحول نقاتل أو لا نقاتل ؟ليس مهماً سؤالك ما دامت الثورةُ العربيةُ محفوظةً في الأناشيد
  88. و العيد و البنك و البرلمانو تعرف أن الغزاة عِصِيٍّ بأيدي المماليك تكتب
  89. ض. ظ . ق .ص . عتمزق غيماً و ترسله في اتجاه الرياح و ماذا؟ هنالك
  90. غيم شديد الخصوبة. لا بد من تربة صالحهو تمضي السفينة. تبقى غريباً. جراحك مطبعة للبلاغات
  91. و التوصيات. و باسك تنتصر الأبجديةُ. باسمكيجلس عيسى إلى مكتب ويوقع صفقة خمر و أقمشة
  92. و يحيى العساكر باسمك. تُحفظ في خيمةو تُعلَّب في خيمة. لا هوية إلاّ الخيام. إذا
  93. احترقت.. ضاع منك الوطنو باسمك تأتي و تذهب.باسمك حطّين تصبح مزرعةً
  94. للحشيش، و ثوّارك السابقون سعاة بريدٍ. و باسمكلا شيء. يأتي القضاة، يقولون للطين كن جبلاً
  95. شامخاً فيكون. يقولون للترعة انتفخي أنهراً فتكونو تكتب ض. ظ .ص .ع . ق
  96. تُمزِّق غيما و ترسله في اتجاه الرياح، و ماذا ؟هنالك غيم شديد الخصوبة. لا بدّ من تربة صالحه
  97. أتذهب صيحاتنا عبثاً؟و ليست خيامك ورد الرياح. و ليست مظلات شاطئ.
  98. تَدجَّجْ بأعمدة الخيمة. احترقي يا هويَّتنا_ صاح لاجئو سرحان يشرب قهوته. للجليل مزايا كثيرة
  99. و يحلم، يحلم، يحلم.. آه_ الجليل!***
  100. و من كفّ يوماً عن الاحتراقأعارَ أصابعه للضماد
  101. و صرَّح للصحفيِّ و للعدسات:جريح أنا يا رفاق
  102. و نال وساماً.. و عادو سرحانُ ،
  103. ما قال جرحيَ قنديلُ زيتٍ و ما قال ..صدريَ شبُّاك بيتٍ و ما قال..
  104. جلديَ سجّادة للوطنو ما قال شيئاً..
  105. أتذهب صيحاتنا عبثاً ؟كل يوم نموت ،و تحترق الخطوات و تولد عنقاء
  106. ناقصة ثم نحيا لنُقتل ثانيةًيا بلادي، نجيئك أسرى و قتلى.
  107. و سرحان كان أسير الحروب، و كان أسير السلامعلى حائط السَّبْي يقرأ أنباء ثورته خلف ساق مغنّيةٍ
  108. و الحياةُ طبيعيَّة، و الخضار مهرَّبة من جباه العبيدإلى الخطباء، و ما الفرق بين الحجارة و الشهداء؟
  109. و سرحان كان طعام الحروب، و كان طعام السلام .على حائط السَّبي تعرض جثَّته للمزاد. و في المهجر
  110. العربي يقولون: ما الفرق بين الغزاة و بين الطغاة؟و سرحان كان قتيل الحروب، و كان قتيل السلام.
  111. على حائط السَّبي يصطدم العلم الوطني بأحذية الحرسالملكي . وحربك حربان. حربك حربان
  112. سرحان! لا شيء يبقى، و لا شيء يمضي. اغتربتَ ..لجأتَ.. عرفت. و لست شريداً و لست شهيداً
  113. خيامك طارت شراره.و في الريح متَّسعٌ
  114. هل قَتَلت؟و يسكت سرحان يشرب قهوته و يضيع و يرسم
  115. خارطة لا حدود لها و يقيس الحقول بأغلاله-هل قتلت؟
  116. و سرحان لا يتكلم .يرسم صورةَ قاتله من جديد،يمزّقها، ثم يقتلها حين تأخذ شكلاً أخيراً..
  117. _قتلت ؟و يكتب سرحان شيئاً على كُمِّ معطفه، ثم تهرب
  118. ذاكرة من ملفّ الجريمة.. تهرب.. تأخذ منقارطائر
  119. و تزرع قطرة دم بمرج بن عامر.

المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.