قصيدة
سرحان يشرب القهوة في الكفاتيريا
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 119 بيتاً
- يجيئون،أبوابُنا البحرُ، فاجأنا مطرٌ. لا إله سوى الله. فاجأنا
- مطرٌ و رصاصٌ. هنا الأرضُ سُجّادةٌ، و الحقائبغربهْ!
- يجيئون،فلتترجّلْ كواكبُ تأتي بلا موعد. و الظهورُ التي
- استندتْ للخناجر مضطرة للسقوطو ماذا حدث ؟
- أنت لا تعرف اليوم. لا لون. لا صوت. لا طعملا شكل.. يُولد سرحان، يكبر سرحان،
- يشرب خمراً و يسكُرّ. يرسم قاتله، و يمزِّقصورته. ثم يقتله حين يأخذ شكلا أخيراً
- و يرتاح سرحان:سرحان! هل أنت قاتل ؟
- و يكتب سرحان شيئاً على كُمِّ معطفه، ثمَّ تهربذاكرةٌ من ملفَّ الجريمة.. تهرب.. تأخذ
- منقار طائر.و تأكل حبة قمح بمرج بن عامر
- و سرحان مُتّهم بالسكوت، و سرحان قاتل***
- و ما كان حُبّاًيدان تقولان شيئاً، و تنطفئان
- قيودٌ تلدسجون تلد
- منافٍ تلدو نلتفُّ باسمكِ.
- ما كان حُبّاًيدان تقولان شيئاً.. و تنطفئان
- و نعرف، كُنّا شعوباً و صرنا حجارةو نعرف كنتِ بلادا و صرتِ دخان
- و نعرف أشياء أكثرنعرف، لكنّ كل القيود القديمة
- تصير أساور وردتصير بكارهْ
- في المنافي الجديدةو نلتفُّ باسمك
- ما كان حُبّاًيدان تقولان شيئاً و تنطفئان.
- و سرحان يكذب حين يقول رضعتُ حليبك، سرحانمن نسل تذكرة، و تربّى بمطبخ باخرة لم تلامس
- مياهكِ. ما اسمك؟_نسيت .
- و ما اسم أبيك ؟_نسيت
- و أمك_نسيت
- و هل نمت ليلةَ أمس ؟_لقد نمتُ دهراً
- حلمت ؟_كثيراً
- بماذا_بأشياء لم أرها في حياتي
- و صاح بهم فجأة :_لماذا أكلتم خضاراً مُهرّبة من حقول أريحا؟
- _لماذا شربتم زيوتاً مهربَّة من جراح المسيح؟و سرحانُ متّهم بالشذوذ عن القاعدة
- ***رأينا أصابعه تستغيث. و كان يقيس السماء بأغلاله
- زرقةُ البحر يزجرها الشرطيّ، يعاونه خادم آسيويّ،بلاد تغّير سكانها، و النجوم حصى
- و كان يغنّي مضى جيلنا و انقضى.مضى جيلنا و انقضى.
- و تناسل فينا الغُزاةُ تكاثر فينا الطغاة. دم كالمياه.و ليس تجفّفه غير سورة عم و قبعةِ الشرطيّ
- و خادمهِ الآسيوي. و كان يقيس الزمان بأغلالهسألناه: سرحان عمَّ تساءلت؟
- قال: اذهبوا، فذهبناإلى الأمهات اللواتي تزوّجن أعداءنا.
- و كنّ ينادين شيئاً شبيهاً بأسمائنا.فيأتي الصدى حَرَساً
- ينادين قمحاًفيأتي الصدى حَرَساً
- ينادين عدلاًفيأتي الصدى حَرَساً.
- ينادين يافافيأتي الصدى حرساً
- و من يومها، كفَّت الأمهات عن الصلوات و صرنانقيس السماء بأغلالنا
- و سرحان يضحك في مطبخ الباخرةيعانق سائحة، و الطريق بعيدٌ عن القدس و الناصرة
- و سرحان مُتّهم بالضياع و بالعدميَّة***
- و كلّ البلاد بعيدهْ .شوارعُ أخرى اختفت من مدينته ( أخبرتهُ الأغاني
- و عزلتُهُ ليلة العيد أن له غرفة في مكان)ورائحةُ البنِّ جغرافيا
- و ما شرَّدوك.. و ما قتلوك .أبوك احتمى بالنصوص، و جاء اللصوص
- و لست شريداً.. و لست شهيداً.. و أُمك باعتضفائرها للسنابل و الأمنيات:( و فوق سواعدنا
- فارسٌ لا يسلِّم (وشم عميق ). و فوق أصابعناكرمةٌ لا تهاجر ( وشم عميق )
- خُطى الشهداء تُبيدُ الغزاة(نشيد قديم)
- و نافذتان على البحر يا وطني تحذفان المنافي..وأرجع(حلم قديم –جديد)
- شوارع أخرى اختفت من مدينته ( أخبرته الأغانيو عزلته ليلة العيد أن له غرفة في مكان ).
- و رائحةُ البُنِّ جغرافياو رائحة البن يدْ
- و رائحة البن صوت ينادي.. و يأخذرائحة البن صوت و مئذنة (ذات يوم تعود).
- و رائحة البن ناي تزغرد فيه مياه المزا ريب ينكمشالماء يوماً و يبقى الصدى .
- و سرحان يحمل أرصفةً و نواديْ و مكتبَ حجز التذاكرسرحان يعرف أكثر من لغة و فتاه. و يحمل تأشيرة
- لدخول المحيط و تأشيرة للخروج و لكنّ سرحانَقطرة دم تفتِّش عن جبهة نزفتها.. و سرحان
- قطرة دم تفتّش عن جثة نسيتها.. و أين ؟و لست شريداً.. و لست شهيداً
- و رائحة البن جغرافيا.و سرحان يشرب قهوته ..
- و يضيع****
- هنا القدس .يا امرأة من حليب البلابل كيف أُعانق ظلّي
- و أبقى ؟خُلقتَ هنا.. و تنامُ هناك
- مدينته لا تنام و أسماؤها لا تدوم. بيوت تغيَّرسكانها. و النجوم حصى .
- و خمسُ نوافذ أخرى، و عشر نوافذ أخرى تغادرحائط
- و تسكن ذاكرةً.. و السفينةُ تمضي .و سرحان يرسم شكلاً و يحذفه: طائرات وربُّ قديم
- و نابالم يحرق وجهاً و نافذة.. و يؤلف دولهْ .هنا القدس .
- يا امرأة من حليب البلابل كيف أعانق ظلي..و أبقى؟
- و لا ظلّ للغرباء.مساءٌ يرافقهم، و المساء بعيد عن الأمهات قريب من
- الذكريات. و سرحان لا يقرأ الصحف العربية...لا يعرف المهرجانات و التوصيات.فكيف إذن
- جاءه الحزن.. كيف تقيّأ ؟و ما القدس و المدن الضائعة
- سوى ناقة تمتطيها البداوةإلى السلطة الجائعة
- و ما القدس و المدن الضائعةسوى منبر للخطابة
- و مستودعٍ للكآبةو ما القدس إلاّ زجاجة خمر و صندوق تبغ
- ..و لكنها وطني .من الصعب أن تعزلوا
- عصير الفواكه عن كريات دمي ..و لكنها وطني
- من الصعب أن تجدوا فارقاً واحداًبين حقل الذرة
- و بين تجاعيد كفيّو لكنها وطني..
- لا فوارق بين المساء الذي يسكن الذاكرةو بين المساء الذي يسكن الكر ملا
- و لكنها وطنيفي الحقيقة و الدم متَّسع للجميع
- و خط الطباشير لا يكسر المطر المقبلاهنا القدس ..
- كيف تعانق حريتي_ في الأغاني_ عبوديتي ؟و سرحان يرسم صدراً و يسكنه
- و سرحان يبكي بلا ثمن ووسامو يشرب قهوته.. و يضيع
- ***يُمَزَّقُ غيماً، و يرسله في اتجاه الرياح. و ماذا؟ هنالك
- غيم شديد الخصوبة. لا بُدَّ من تربة صالحهأتذهب صيحاتنا عبثاً؟
- أكلتَ.. شربتَ.. و نمتَ.. حلمت كثيراً. أفقتْتعلمت تصريف فعل جديد. هل الفعل معنى بآنية
- الصوت.. أم حركه؟و تكتب ض. ظ. ق. ص. ع. و تهرب منها، لأن
- هدير المحيطات فيها و لا شيء فيها ضجيج الفراغحروف تميزنا عن سوانا_ طلعنا عليهم طلوع
- المنون- فكانوا هباء و كانوا سدىَّ. سدىَّ نحنهم يحرثون طفولتنا و يصكون أسلحة من أساطير
- أعلامهم لا تغني و أعلامنا تجهضُ الرعد نقصفهم بالحروفالسمينة ض.ظ.ص.ق.ع ثم نقول انتصرنا و ما
- الأرض؟ ما قيمة الأرض؟ أتربة ووحول نقاتل أو لا نقاتل ؟ليس مهماً سؤالك ما دامت الثورةُ العربيةُ محفوظةً في الأناشيد
- و العيد و البنك و البرلمانو تعرف أن الغزاة عِصِيٍّ بأيدي المماليك تكتب
- ض. ظ . ق .ص . عتمزق غيماً و ترسله في اتجاه الرياح و ماذا؟ هنالك
- غيم شديد الخصوبة. لا بد من تربة صالحهو تمضي السفينة. تبقى غريباً. جراحك مطبعة للبلاغات
- و التوصيات. و باسك تنتصر الأبجديةُ. باسمكيجلس عيسى إلى مكتب ويوقع صفقة خمر و أقمشة
- و يحيى العساكر باسمك. تُحفظ في خيمةو تُعلَّب في خيمة. لا هوية إلاّ الخيام. إذا
- احترقت.. ضاع منك الوطنو باسمك تأتي و تذهب.باسمك حطّين تصبح مزرعةً
- للحشيش، و ثوّارك السابقون سعاة بريدٍ. و باسمكلا شيء. يأتي القضاة، يقولون للطين كن جبلاً
- شامخاً فيكون. يقولون للترعة انتفخي أنهراً فتكونو تكتب ض. ظ .ص .ع . ق
- تُمزِّق غيما و ترسله في اتجاه الرياح، و ماذا ؟هنالك غيم شديد الخصوبة. لا بدّ من تربة صالحه
- أتذهب صيحاتنا عبثاً؟و ليست خيامك ورد الرياح. و ليست مظلات شاطئ.
- تَدجَّجْ بأعمدة الخيمة. احترقي يا هويَّتنا_ صاح لاجئو سرحان يشرب قهوته. للجليل مزايا كثيرة
- و يحلم، يحلم، يحلم.. آه_ الجليل!***
- و من كفّ يوماً عن الاحتراقأعارَ أصابعه للضماد
- و صرَّح للصحفيِّ و للعدسات:جريح أنا يا رفاق
- و نال وساماً.. و عادو سرحانُ ،
- ما قال جرحيَ قنديلُ زيتٍ و ما قال ..صدريَ شبُّاك بيتٍ و ما قال..
- جلديَ سجّادة للوطنو ما قال شيئاً..
- أتذهب صيحاتنا عبثاً ؟كل يوم نموت ،و تحترق الخطوات و تولد عنقاء
- ناقصة ثم نحيا لنُقتل ثانيةًيا بلادي، نجيئك أسرى و قتلى.
- و سرحان كان أسير الحروب، و كان أسير السلامعلى حائط السَّبْي يقرأ أنباء ثورته خلف ساق مغنّيةٍ
- و الحياةُ طبيعيَّة، و الخضار مهرَّبة من جباه العبيدإلى الخطباء، و ما الفرق بين الحجارة و الشهداء؟
- و سرحان كان طعام الحروب، و كان طعام السلام .على حائط السَّبي تعرض جثَّته للمزاد. و في المهجر
- العربي يقولون: ما الفرق بين الغزاة و بين الطغاة؟و سرحان كان قتيل الحروب، و كان قتيل السلام.
- على حائط السَّبي يصطدم العلم الوطني بأحذية الحرسالملكي . وحربك حربان. حربك حربان
- سرحان! لا شيء يبقى، و لا شيء يمضي. اغتربتَ ..لجأتَ.. عرفت. و لست شريداً و لست شهيداً
- خيامك طارت شراره.و في الريح متَّسعٌ
- هل قَتَلت؟و يسكت سرحان يشرب قهوته و يضيع و يرسم
- خارطة لا حدود لها و يقيس الحقول بأغلاله-هل قتلت؟
- و سرحان لا يتكلم .يرسم صورةَ قاتله من جديد،يمزّقها، ثم يقتلها حين تأخذ شكلاً أخيراً..
- _قتلت ؟و يكتب سرحان شيئاً على كُمِّ معطفه، ثم تهرب
- ذاكرة من ملفّ الجريمة.. تهرب.. تأخذ منقارطائر
- و تزرع قطرة دم بمرج بن عامر.
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.