قصيدة
مزامير
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 189 بيتاً
- أُحبُّكِ، أو لا أُحبُّكأذهبُ ، أترك خلفي عناوين قابلة للضياعْ .
- و أنتظر العائدين ، و هم يعرفون مواعيد موتي و يأتون.أنت التي لا أحبُّك حين أحبّك ، أسوارُ بابلَ
- ضيّقَةٌ في النهار، وعيناك واسعتان، ووجهكمنتشر في الشعاع
- كأنكِ لم تولدي بعد. لم نفترق بعد. لم تصرعينيوفوق سطوح الزوابع كلُّ كلام جميل ، و كلُّ
- لقاء وداعو ما بيننا غيرُ هذا اللقاء، و ما بيننا غير هذا الوداع .
- أحبّك، أو لا أحبُّك_يهربُ مني حبيبي ، و أشعر أنك لا شيء أو كل شيء.
- و أنك قابلة للضياعأريدكِ ، أو لا أريدكِ_
- إن خرير الجداول محترقٌ بدمي ، ذات يوم أراك،و أذهب
- و حاولت أن أستعيد صداقة أشياء غابت_ نجحتو حاولت أن أتباهى بعينين تتسعان لكل خريف_
- نجحت_ و حاولت أن أرسم اسما يلائم زيتونةًحول خاصرةٍ _ فتناسَلَ كوكبْ .
- أُريدك حين أقول أنا لا أُريدك..و جهي تساقط ، نهرٌ بعيدٌ يذوبُ جسمي و في السوق
- باعوا دمي كالحساء المعلَّبأريدك حين أقول أُريدك_
- يا امرأة وضعت ساحل البحر الأبيض المتوسط فيحضنها.. و بساتين آسيا على كتفيها .. و كلّ
- السلاسل في قلبها.أُريدك ، أو لا أُريدك_
- إنّ خرير الجداول .. إن حفيف الصنوبر. إنّ هدير
- البحار، وريش البلابل محترقٌ في دمي_ ذاتيوم أراك، و أذهب
- أغنّيك، أو لا أغنّيك_أسكت، أصرخُ . لا موعد للصراخ و لا موعد
- للسكوت. و أنت الصراخ الوحيدُ و أنتِ السكوتالوحيدّ.
- تداخل جلدي بحنجرتي ، تحت نافذتي تعبر الريحلابسة حَرَسا . و الظلامُ بلا موعد. حين ينزل
- عن راحتّي الجنودْسأكتبُ شيئاً.
- و حين سينزل عن قدميّ الجنودسأمشي قليلاً..
- و حين سيسقط عن ناظريّ الجنودأراك.. أرى قامتي من جديد.
- أغنّيك،أو لا أغنّيكأنت الغناء الوحيد، و أنت تغنّيني لو سكتّ. و أنت
- السكوت الوحيد .-2-
- في الأيام الحاضرةأجد نفسي يابساً
- كالشجر الطالع من الكتبو الريح مسألة عابره .
- أُحارب.. أو لا أُحارب ؟ليس هذا هو السؤال
- المهمّ أن تكون حنجرتي قويةأعمل .. أو لا أعمل؟..
- ليس هذا هو السؤالالمهمّ أن أرتاح ثمانية أيام في الأسبوع
- حسب توقيت فلسطينأيّها الوطن المتكرر في الأغاني و المذابح ،
- دُلّني على مصدر الموتأهو الخنجر.. أم الأكذوبة ؟
- لكي أذكر أن لي سقفا مفقوداًينبغي أن أجلس في العراء.
- و لكيلا أنسى نسيم بلادي النقيينبغي أن أتنفس السل
- و لكي أذكر الغزال السابح في البياضينبغي أن أكون معتقلاً بالذكريات.
- و لكيلا أنسى أن جبالي عاليةينبغي أن أسرّح العاصفة من جبيني.
- و لكي أحافظ على ملكية سمائي البعيدةيجب ألاّ أملك حتى جلدي .
- أيّها الوطن المتكرر في المذابح و الأغانيلماذا أهرّبك من مطار إلى مطار
- كالأفيون..و الحبر الأبيض
- و جهاز الإرسال؟!أريد أن أرسم شكلك.
- أيّها المبعثر في الملفات و المفاجآتأريد أن أرسم شكلك
- أيّها المتطاير على شظايا القذائف و أجنحة العصافيرأريد أن أرسم شكلك
- فتخطف السماءُ يدي.أريد أن أرسم شكلك
- أيّها المحاضر بين الريح و الخنجرأريد أن أرسم شكلك
- كي أجد شكلي فيكفأتهم بالتجريد و تزوير الوثائق و الصور الشمسية
- أيّها المحاصر بين الخنجر و الريحو يا أيّها الوطن المتكرر في الأغاني و المذابح
- كيف تتحول إلى حلم و تسرق الدهشةلتتركي حجراً
- لعلّك أجمل في صيرورتك حلماًلعلك أجمل !..
- لم يبق في تاريخ العرباسم أستعيره
- لأتسلّل به إلى نوافذك السريّة.كل الأسماء السرية محتجزة
- في مكاتب التجنيد المكيفة الهواءفهل تقبل اسمي_
- اسمي السري الوحيد_محمود درويش ؟
- أما اسمي الأصليفقد انتزعته عن لحمي
- سياطُ الشرطة و صنوبر الكر ملأيّها الوطن المتكرر في المذابح و الأغاني
- دُلّني على مصدر الموتأهو الخنجر
- أم الأكذوبة ؟!-3-
- يومَ كانتْ كلماتيتربةً ..
- كنت صديقاً للسنابلْيوم كانت كلماتي
- غضباً..كنت صديقاً للسلاسل
- يوم كانت كلماتيحجراً..
- كنت صديقاً للجداول .يومَ كانت كلماتي
- ثورةً ..كنت صديقاً للزلازل
- يوم كانت كلماتيحنظلاً ..
- كنتُ صديق المتفائلحين صارت كلماتي
- عسلاً..غطّى الذباب
- شفتيَّ !..-4-
- تركت وجهي على منديل أمّيو حملت الجبال في ذاكرتي
- ورحَلْت ..كانت المدينة تكسر أبوابها
- و تتكاثر فوق سطوح السفنكما تتكاثر الخضرة في البساتين التي تبتعد
- إنني أتكئ على الريحيا أيتها القامة التي لا تنكسر
- لماذا أترنَّح ؟.. و أنت جدايو تصقلني المسافة
- كما يصقل الموتُ الطازج وجوهَ العُشّاقو كلما ازددتُ اقتراباً من المزامير
- ازددتُ نُحولا ..يا أيتها الممرات المحتشدة بالفراغ
- مت أصل ؟..طوبى لمن يلتفُّ بجلده !
- طوبى لمن يتذكر اسمه الأصليَّ بلا أخطاء !طوبى لمن يأكل تفاحة و لا يصبح شجرة
- طوبى لمن يشرب من مياه الأنهار البعيدةو لا يصبح غيماً !
- طوبى للصخرة التي تعشق عبوديتهاو لا تختار حرية الريح !..
- -5-أكلما وقفتْ غيمة على حائط
- تطايرت إليها جبهتي كالنافذة المكسورةونسيت أني مرصود بالنسيان
- وفقدت هويتي؟إنني قابل للانفجار
- كالبكارة..وكيف تتَّسع عيناي لمزيد من وجوه الأنبياء؟
- إتبعيني أيتها البحار التي تسأم لونهالأدلك على عصا أخرى
- إنني قابل للأعجوبةكالشرق..
- أنا حالة تفقد حالتهاحين تكفّ عن الصراخ
- هل تسمّون الرعدَ رعداً والبرقَ برقاًإذا تحجّر الصوت ، وهاجر اللون؟!
- أكلما خرجتُ من جِلدي.ومن شيخوخة المكان
- تناسل الظلُّ، وغطّاني..؟أكلما أطلقت رياحي في الرماد
- بحثاً عن جمرة منسيّةلا أجد غير وجهي القديم الذي تركته
- على منديل أمي؟إنني قابلٌ للموت
- كالصاعقة..-6-
- أشجار بلادي تحترف الخضرةوأنا أحترف الذكرى
- والصوت الضائع في البريةينعطف نحو السماء، ويركع:
- أيّها الغيم! هل تعود؟لستُ حزينا إلى هذا الحدّ
- ولكن ،لا يحبُّ العصافيرمن لا يعرف الشجر،
- ولا يعرف المفاجأةمن اعتاد الأكذوبة
- لستُ حزيناً إلى هذا الحدولكن، لا يعرف الكذب
- من لم بعرف الخوفأنا لستُ منكمشاً إلى هذا الحد
- ولكن الأشجار هي العالية.سيداتي ، آنساتي ، سادتي
- أنا أحبُّ العصافيروأعرف الشجر
- أنا أعرف المفاجأةلأني لم أعرف الأكذوبة.
- أنا ساطع كالحقيقة والخنجرولهذا أسألكم :
- أطلقوا النار على العصافيرلكي أصِفَ الشجر.
- أوقفوا النيللكي أصف القاهرة.
- أوقفوا دجلة أو الفرات أو كليهمالكي أصف بغداد.
- أوقفوا بردىلكي أصف دمشق !
- واوقفوني عن الكلاملكي أصف نفسي..
- -7-ظلُّ النخيل، و آخرُ الشهداء، و المذياع يرسل صورةً
- صوتيةً عن حالة الأحباب يوميّاً، أحبُّك فيالخريف و في الشتاءْ
- _لم تبك حيفا، أنت تبكي، نحن لا ننسى تفاصيلالمدينة، كانت امرأةً، و كانت أنبياءْ
- البحر! لا، البحرُ لم يدخل منازلنا بهذا الشكلخمسُ نوافذٍ غرقت و لكن السطوح تعجُّ
- بالعشب المجفَّف و السماءْ-و دَّعتُ سجاني سعيداً كان بالحرب الرخيصة
- آه يا وطن الفرنفل و المسدَّس لم تكن أُمّي معيوذهبتُ أبحث عنك خلف الوقت و المذياع شكلك
- كان يكسرني و يتركني هباءْكان الكلام خطيئةً و الصمت منفى و الفدائيون
- أسرى توقهم للموت في واديك كان الموت تذكرالدخول إلى يديك و كنت تحتقر البكاءْ
- و الذكريات هوية الغرباء أحيانا و لكن الزمانيضاجع الذكرى و ينجب لاجئين و يرحل
- الماضي و يتركهم بلا ذكرى أتذكرنا ؟و ماذالو تقول بلى أنذكر كل شيء عنك ماذا
- لو تقول بلى و في الدنيا قضاةٌ يعبدون الأقوياءْمن كل نافذةٍ رميتُ الذكريات كقشرة البطيخ
- و استلقيتُ في الشَّفق المحاذي للصنوبر ( تلمعالأمطار في بلد بعيد تقطف الفتيات خوخا غامضاً
- و الذكرياتُ تمرُّ مثل البرق في لحمي و ترجعنيإليك إليك إن الموت مثل الذكريات كلاهما
- يمشي إليك إليك يا وطناً تأرجح بين كلَّخناجر الدنيا و خاصرة السماءْ
- ظلّ النخيل و آخر الشهداء و المذياع يرسل صورةصوتية عن حالة الأحباب يوميّاً أحبك في
- الخريف و في الشتاءْ-8-
- حالة الاحتضار الطويلةأرجعتني إلى شارع في ضواحي الطفولة
- أدخلتني بيوتاًقلوباً
- سنابلمنحتني هويَّة
- جعلتني قضيّةحالة الاحتضار الطويلة.
- كان يبدو لهمأنني ميّت ، و الجريمة مرهونة بالأغاني
- فمرّوا، و لم يلفظوا اسمي .دفنوا جثتي في الملفات و الانقلابات
- و ابتعدوا(و البلاد التي كنتُ أحلم فيها_ سوف
- تبقى البلاد التي كنت أحلم فيها ) .كان عمراً قصيراً
- و موتا طويلاًو أفقت قليلاً
- و كتبت اسم أرضي على جُثَّتيو على بند قيّهْ
- قلت : هذا سبيليو هذا دليلي
- إلى المدن الساحليّة.و تحركتُ ،
- لكنهم قتلوني .دفنوا جثتي في الملفات و الانقلابات ،
- و ابتعدوا .(و البلاد التي كنتُ أحلم فيها_
- سوف تبقى البلاد التي كنت أحلم فيها).أنا في حالة الاحتضار الطويلة
- سيّد الحزن.و الدمع مع كل عاشقة عربيّة
- و تكاثر حولي المغنّون و الخطباءو على جثتي ينبت الشعر و الزعماء
- و كل سماسرة اللغة الوطنيّةصفَّقوا
- صفّقواصفَّقوا
- و لتعشْحالة الاحتضار الطويلة
- حالةُ الاحتضار الطويلةأرجعتني إلى شارع في ضواحي الطفولة
- أدخلتني بيوتاً.. قلوباً سنابلجعلتني قضيّة
- منحتني هويّةو تراث السلاسل.
- -9-إني أتأهبّ للانفجار
- على حافة الحلمكما تتأهب الآبار اليابسة
- للفيضان.إني أتأهّب للانطلاق
- على حافة الحلمكما تتأهب الحجارة
- في أعماق المناجم الميتةإني أتحفّز للموت
- على حافة الحلمكما يتحفز الشهيد للموت
- مرة أخرى.إني أتأهّب للصراخ
- على حافة الحقيقةكما يتأهَّب البركان
- للانفجار.-10-
- الرحيل انتهىمن يغطّي حبيبي
- كيف مر المساء المفاجئكيف اختفى
- في عيون حبيبي ؟الرحيل انتهى.
- أصدقائي يمرون عني .أصدقائي يموتون فجأة
- في جناح السنونو.الرحيل ابتدأ
- حين فر السجين .ما عرفتُ الضياع
- في صرير السلاسلكان لحمي مشاع
- كسطوح المنازللعدوي و لكن
- ما عرفتُ الضياعفي صرير السلاسل
- أصدقائي يمرون عنيأصدقائي يموتون فجأة.
- -11-أداعب الزمن
- كأمير يلاطف حصاناً.و ألعبُ بالأيام
- كما يلعب الأطفال بالخرز الملوَّنإني أحتفل اليوم
- بمرور يوم على اليوم السابقو أحتفل غداً
- بمرور يومين على الأمسو أشرب نخب الأمس
- ذكرى اليوم القادمو هكذا.. أواصل حياتي!
- عندما سقطتُ عن ظهر حصاني الجامحو انكسرت ذراعي
- أوجعتني إصبعي التي جرحتقبل ألف سنة!
- و عندما أحييت ذكرى الأربعين لمدينة عكاأجهشت في البكاء على غرناطة
- و عندما التفّ حبل المشنقة حول عنقيكرهت أعدائي كثيراً
- لأنهم سرقوا ربطة عنقي !-12-
- نرسم القدس :إله يتعرّى فوق خطَّ داكن الخضرة.أشباه عصافير تهاجرْ
- و صليب واقف في الشارع الخلفيّ. شيء يشبه البرقوقو الدهشة من خلف القناطرْ
- و فضاء واسع يمتدّ من عورة جنديّ إلى تاريخ شاعر.نكتبُ القدس:
- عاصمة الأمل الكاذب ..الثائر الهارب.. الكوكبالغائب. اختلطت في أزقّتها الكلمات الغريبةُ،
- و انفصلتْ عن شفاه المغّنين و الباعةِ القُبلُالسابقة.
- قام فيها جدار جديد لشوق جديد، و طروادةُالتحقتْ بالسبايا. و لم تَقُل الصخرةُ الناطقة
- لفظة تُثبِتُ العكس .طونى لمن يجهضُ النار فيالصاعقة !.
- و تغني القدس :يا أطفالَ بابلْ
- يا مواليد السلاسلْستعودون إلى القدس قريباً
- و قريبا تكبرون.و قريبا تحصدون القمح من ذاكرة الماضي
- قريبا يصبح الدمع سنابلآه، يا أطفال بابل
- ستعودون إلى القدس قريباًو قريبا تكبرون.
- و قريباًو قريباً
- وقريباً..هلّلوياً
- هلّلوياً !
طول القصيدة
- 1
- 2
- 4
- 6
- 9
- 14
- 19
- 29
- 49
- 79
- 516
189 بيتاً. شريحتها 1% من المتن، ودونها 99%.
المقام: 54,927 قصيدة، والتغطية 100%. الرقم تحت كل عمود أعلى شريحته، وعدد الأبيات الموسوم يطابق عدّ الأبيات المخزّنة في كل قصيدة.
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.