قصيدة
طريق دمشق
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 92 بيتاً
- من الأزرق ابتدأ البحرُهذا النهار يعود من الأبيض السابقِ
- الآن جئتُ من الأحمر اللاحقِ.. اغتسلي يا دمشق بلوني
- ليُولَدَ في الزمن العربيِّ نهار أحاصركم : قاتلاً أو قتيلْ
- وأسألكم , شاهداً أو شهيدْ:متى تفرجون عن النهر ’ حتى أعود إلى الماء أزرقَ
- أخضرأحمر
- أصفرَ أو لون يحدّده النهرُإنّي خرجتُ من الصيف والسيفِ
- إنّي خرجتُ من المهد واللحدِنامت خيولي على شجر الذكرياتِ
- ونمتِ على وتر المعجزاتِارتدتني يداكِ نشيداً إذا أنزلوه على جبل , كان سورةَ
- ((ينتصرون))....دمشق. ارتدتني يداك دمشق ! ارتديت يديك,
- كأنّ الخريطة صوتٌ يُفرِّخ في الصخرِنادى... وحركني
- ثم نادى ..وفجَّرني ثم نادى.. وقطّرني كالرخام المذاب
- و نادى كأن الخريطة أُنثى مُقَدَّسةٌ فجّرتني بكارتُها. فانفجرتُ
- دفاعاً عن السرٍّ و الصخرِ كوني دمشق
- فلا يعبرون ! من البرتقاليِّ يبتدىء البرتقالُ
- و من صمتها يبدأ الأمسُ أو: يولد القبرُ
- يا أيّها المستحيل يسمونك الشامَ ! أفتحُ جرحي لتبتدئ الشمسُ. ما اسمي ؟ دمشق
- وكنت وحيداًومثليَ كان وحيداً هو المستحيل
- أنا ساعة الصفر دقَّتْفشقَّت
- خلايا الفراغ على سرج هذا الحصانالمحاصر بين المياه
- أنا ساعة الصفرجئت أقول :
- أحاصرهم قاتلاً أو قتيلأعدُّ لهم ما استطعتُ...وينشقُّ في جثتي قمرُ المرحلهْ
- وأمتشق المقصلهْأحاصرهم : قاتلاً أو قتيل
- وأنسى الخلافة في السفر العربيِّ الطويلإلى القمح والقدس والمستحيل
- يؤرِّخني خنجران :العدوُّ
- وعورةُ طفل صغير تسمّونهُبردى
- وسمَّيته مبتدأوأخبرته أنني قاتل أو قتيل
- ((من الأسود ابتدأ الأحمرُ...ابتدأ الدمُ ))هذا أنا . هذه جثتي
- أيّ مرحلة تعبر الآن بيني وبيني !أنا الفرق بينهما
- همزة الوصل بينهماقبلة السيف بينهما
- طعنة الورد بينهماآه, ما أصغر الأرضَ !
- ما أكبر الجرحَ...مُرّوا
- لتتَّسع النقطةُ, النطفةُ ’ الفارقُ’الشارعُ ’ الساحلُ ’ الأرضُ...
- ما أكبرَ الأرضَ !ما أصغَر الجرحَ
- هذا طريق الشام.. و هذا هديل الحمام و هذا أنا.. هذه جثتي
- و التحمنا فُمّروا ..
- خذوها إلى الحرب كي أنهي الحرب بيني و بيني خُذوها.. أحرقوها بأعدائها
- أنزلوها على جبل غيمةً أو كتاباً و مُرّوا ...
- ليتسع الفرق بيني و بين اتهامي طريق دمشق
- دمشق الطريق و مفترق الرسل الحائرين أمام الرماديّ
- إني أغادر أحجاركم- ليس مايو جداراأغادر أحجاركم وأسير
- وراء دمي في طريق دمشقأحارب نفسي... وأعداءها
- ويسألني المتعبون ’ أو المارة الحائرون عن اسميفأجهلهُ
- اسألوا عشبة في طريق دمشق !وأمشي غريباً
- ويسألني الفتيات الصغيرات عن بلديفأقول : أفتش فوق طريق دمشق
- وأمشي غريباًويسألني الحكماء المملون عن زمني
- فأشير إلى حجر أخضر في طريق دمشقوأمشي غريباً
- ويسألني الخارجون من الدير عن لغتيفأعدُّ ضلوعي وأخطئ
- إنَّي تهجَّيتُ هذي الحروف . فكيف أركِّبها؟دال .ميم . شين . قاف
- فقالوا : عرفنا – دمشق !ابتسمتُ . شكوتُ دمشق إلى الشام :
- كيف محوت ألوف الوجوهومازال وجهكِ واحدْ !
- لماذا انحنيت لدفن الضحاياومازال صدركِ صاعدْ !
- وأمشي وراء دمي . وأطيع دليليوأمشي وراء دمي نحو مشنقتي
- هذه مهنتي يا دمشق...من الموت تبتدئين . وكنت تنامين في قاع صمتي ولا
- تسمعين...وأعددتِ لي لغةً من رخام وبرق
- وأمشي إلى بردى ’ آه مستغرقاً فيه أو خائفاً منه..إنَّ المسافة بين الشجاعة والخوفِ
- حُلْمٌتجسَّد في مشنقهْ
- آه ’ ما أوسع القبلة الضيِّقهْ !وَأرَّخَني خنجران :
- العدوَّونهر يعيش على مَهَلِ
- هذه جثتي , وأناأفقٌ ينحني فوقكم
- أو حذاء على الباب يسرقه النهرُأقصد :
- عودةَ طفل صغير يسمّونهبَرَدى
- وسميته مبتدأوأخبرته أنني قاتل أو قتيل
- تُقَلِّدني العائدات من النَّدَم الأبيضِالذاهباتُ إلى الأخضر الغامضِ
- الواقفاتُ على لحظة الياسمين دمشق! انتظرناك كي تخرجي منك
- كي نلتقي مرة خارج المعجزات انتظرناكِ..
- و الوقت نام على الوقتِو الحب جاء، فجئنا إلى الحربِ
- نغسل أجنحة الطير بين أصابعك الذهبيّةِ يا امرأة لونها الزبد العربيُّ الحزين.
- دمشق الندى و الدماءِ دمشق النداء
- دمشق الزمان. دمشق العرب !
- تُقلّدني العائدات من النَّدَم الأبيضِ الذاهباتُ إلى الأخضر الغامضِ
- الواقفاتُ على ذبذبات الغضب و يحملك الجند فوق سواعدهم
- يسقطون على قدميك كواكبَ كوني دمشق التي يحلمون بها
- فيكون العرب قلتُ شيئا، و أُكمله يومَ موتي و عيدي
- من الأزرق ابتدأ البحرُ و الشام تبدأ مني أموت
- و يبدأ في طرق الشام أسبوعُ خَلْقي و ما أبعد الشام، ما أبعد الشام عني
- و سيف المسافة حزَّ خطاياي.. حز وريدي فقرَّبني خنجران :
- العدوُّ و موتي وصرتُ أرى الشام.. ما أقرب الشام مني
- و يشنقني في الوصول وريدي.. وقد قلتُ شيئاً ’ وأُكملُهُ :
- كاهنُ الاعترافات ساومني يا دمشقُوقال : دمشق بعيدهْ
- فكسَّرْتُ كرسيّهُ’ وصنعتُ من الخشب الجبلي صليبيأراك على بُعْدِ قلبين في جسدٍ واحدٍ
- وكنتُ أُطلُّ عليك خلال المساميركنتِ العقيدهْ
- وكنتُ شهيد العقيدهْوكنتِ تنامين داخل جرحي
- وفي ساعة الصفر , تمَّ اللقاءوبين اللقاء وبين الوداع
- أودِّعُ موتي... وأرحلُما أجمل الشام، لولا الشامُ،و في الشامِ
- يبتدئ الزمن العربيُّ و ينطفئ الزمن الهمجيُّ أنا ساعة الصفر دقّتْ
- و شقَّتْ خلايا الفراغ على سطح هذا الحصان الكبير الكبير
- الحصان المحاصر بين المياه و بين المياه
- أعِدُّ لهم ما استطعتُ .. و ينشقُّ في جثتي قمرٌ.. ساعةُ الصفر دقّتْ،
- و في جثتي حبّة أنبتت للسنابلِ سبع سنابلَ، في كل سنبلةٍ ألفُ سنبلةٍ ..
- هذه جثتي.. أفرغوها من القمح ثم خذوها إلى الحرب كي أنهي الحرب بيني و بيني
- خذوها أحرقوها بأعدائها خذوها ليتسع الفرق بيني و بين اتهامي
- و أمشي أمامي و يولد في الزمن العربي.. نهار
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.