قصيدة
عودة الأسير
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 47 بيتاً
- النيلُ ينسىوالعائدون إليكِ منذ الفجر لم يَصِلُوا
- هناك حمامتان بعيدتانورحلةٌ أخرى
- وموتٌ يشتهي الأسرىوذاكرتي قويَّهْ
- والآن ’ ألفظُ قبل روحيكلَّ أرقام النخيل
- وكلَّ أسماء الشوارع والأزقَّة سابقاً أو لا حقاًوجميعَ مَنْ ماتوا بداء الحب والبلهارسيا والبندقيَّهْ
- ما دَلني أحدٌ عليكِوأنتِ مصرْ
- قد عانقتني نَخْلةٌفتزوَّجَتني
- شَكَّلَتنيأنجَبَتْني الحبَّ والوطن المعذّبَ والهويَّهْ
- ما دلّني أحَدٌ عليكِوجدتُ مقبرةً...فنمتُ
- سمعتُ أصواتاً..فقمتُورأيت حرباً ... فاندفعتُ
- وما عرفتُ الأبجديَّهْقالوا : اعترفْ
- قلت : اعترفتْيا مصر ! كِسرى سباكِ ولا الفراعنةُ
- اصطفوكِ أميرةً أو سَّيدةْ !قالوا : اعترفْ
- قلتُ : اعترفتْونوازت الكلماتُ والعضلاتُ
- كانوا يقلعون أظافريويُقَشِّرون أناملي
- ويبعثرون مفاصليويفتِّشون اللحمَ عن أسرار مصرْ...
- وتدفّقت مصرُ البعيدةُ من جراحيفاقتربتْ
- ورأيتُ مصروعرفتُ مصر
- ما دلّني أحدٌ, خناجرهم تفتِّشني فيخرج شكلُ مصريا مصر ! لستِ خريطةً
- قالوا : اعترفْقلت : اعترفتْ
- واصلتُ يا مصر اعترافاتيدمي غطّى وجوه الفاتحينَ
- ولم يغطِّ دمي جبينَكِ , واعترفتُوحائط الإعدام يحملني إليك إليكِ...
- أنتِ الآن تقتربين . أنت الآن تعترفينَفامتشقي دمي !
- والنيلُ ينسىليس من عاداته أن يُرجع الغرقى
- وآلافُ العرائس مَنْ تقاضى أجرها ؟النيل ينسى
- والقرى رفعتْ مآذنها وشكواهاوأخفتْ صدرها في الطينِ...
- والمدنُ – الجنودُ الغائبون – الاتحادُ الاشتراكيُّ- المغنيراقصاتُ البطن – والسيّاحُ – والفقراءُ
- سبحان الذي يعطي ويأخذُ !ليس من عادات هذا النيل أن يصغي إلى أحدٍ
- كأنَّ النيل تمثالٌ من الماء استراح إلى الأبدماذا يقول النيلُ
- لو نطقتْ مياه النيلِ ؟يسكت مّرةً أخرى
- وينساني...لتسكتْ جوقة الإنشاد حول جنازتي !
- وخذي عن الجثمان أعلامَ الوطنيا مصر ! تحيا مصر .. تحيا مصر... تحيا مصرُ
- غطّي حفنة من رمل سيناء التي ابتعدتْ عن العينينوالتجأتْ إلى الرئتين
- وامتشقي دميوخذي عن الجثمان أعلام الوطن
- سيناء ليس كفن !والنيلُ ينسى
- ماذا يقول النيلُ’ لو نطقتْ مياهُ النيلِ ؟يسكت مرةً أخرى
- ولا يستقبل الأسرىليسكت ههنا الشعراءُ والخطباءُ
- والشّرطيُّ والصحفيُّإنّ جنازتي وصلت
- وهذي فرصتي يا مصرُ.. أعطيني الأمانيا مصر ! أعطيني الأمان
- إني حرستُك . كانت الأشياء آمرةً وآمنةً وكان المطربُوالسميُّ يصنع من نسيج جلودنا وَتَرَ الكمان
- ويُطْربُ المتفرِّجينقد زيَّفوا يا مصر حنجرتي
- وقامةَ نخلتيوالنيل ينسى
- والعائدون إليك منذ الفجر لم يَصِلواولستُ أقول يا مصر الوداع
- شَبَّتْ خيول الفاتحينزرعوا على فمك الكروم, فأينعتْ
- قد طاردوكِ- وأنتِ مصروعذَّبوكِ- وأنت مصر
- وحاصروكِ – وأنت مصرهل أنت يا مصر ؟
- هل أنت ... مصر !
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.