قصيدة
النهر غريب وأنت حبيبي
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 49 بيتاً
- الغريبُ النهرُ – قالتْواستعدَّتْ للغناءْ
- لم نحاول لغة الحبَّ , ولم نذهب إلى النهر سدىوأتاني ليلٌ من منديلها
- ولم يأت ليلٌ مثل هذا الليل من قبل فَقَدَّمْتُ دمي للأنبياءْليموتوا بدلاً منا..
- ونبقى ساعة فوق رصيف الغرباءْواستعدَّتْ للغناءْ
- وحدنا في لحظة العُشّاقِأزهار على الماءِ
- إلى أين سنذهب ؟للغزال الريحُ والرمحُ . أنا السكّين والجرحُ
- إلى أين سنذهب ؟ها هي الحريَّةُ الحسناءُ في شريانيَ المقطوع ,
- عيناكِ وبلدانٌ على النافذة الصغرىويا عصفورة النار , إلى أين سنذهب ؟
- للغزال الريحُ والرمحُ ,وللشاعر يأتي زَمَنٌ أعلى من الماء , وأدنى من حبال
- الشَّنقِ.يا عصفورة المنفى ! إلى أين سنذهبْ ؟
- لم أودّعك فقد ودَّعتُ سطح الكرة الأرضيَّةِ الآن..معي أنت لقاء دائمٌ بين وادع ووداع
- ها أنا أشهدُ أن الحب مثل الموتِيأتي حين لانتظر الحبَّ ,
- فلا تتنظريني...الغريبُ النهرُ-قالتْ
- واستعدَّتْ للسّفَرْ.الجهاتُ الستُّ لا تعرف عن ((جانا))
- سوى أنَّ المطرْلم يُبَلّلها
- ولا تعرف عنهاغير أني قد تغيَّرتُ تغيَّرتُ
- تَصَبَبْتُ بروقاً وشجرْوأسرتُ السندبادْ
- والغريبُ النهرُ- قالتها هو الشئ الذي نَسْكُتُ
- قد صار بلادْهاهِي الأرض التي نسكُنُ
- قد صارت سفروالغريبُ النهرُ – قالت
- واستعدَّت للسفر.وحدنا لا ندخل الليلَ
- لماذا يتمنّى جسمُكِ الشَعروزهر اللوتس الأبعدَ من قبري
- لماذا تحلمينبمزيدٍ من عيون الشهداءِ ؟
- اقتربي مني يزيدوا واحداً((خبزي كفاف البرهة الأولى))
- وأمضي نحو وقتي وصليب الآخرينوحدنا لا ندخل الليل سدى,
- يا أيها الجسم الذي يحتصرُ الأرض ,ويا أيتها الأرض التي تأخذ شكل الجَسَد الروحي
- كوني لأكونْحاولي أن ترسميني قمراً
- ينحدرِ الليلُ إلى الغابات خيلاًفلماذا تحلمين
- بمزيدٍ من وجوه الشهداءِ ,ابتعدي عنّي يصيروا أمَّةً في واحد...
- هل تحرقين الريح في خاصرتي؟أم تمتشقين الشمس ؟
- أم تنتحرينْ ؟عَلَمتني هذه الدنيا لُغَاتٍ وبلاداً غير ما ترسمه عيناكِ
- لا أفهم شيئاً منكِ لا أفهمُني ((جانا))فلا تتنظريني !..
- الغريبُ النهرُ-قالتْواستعدَّتْ للبكاءْ
- لم تكن أجمل من خادمة المقهىولا أقرب من أمّي
- ولكنَّ المساءْكان قِطّاً بين كفَّيها
- وكان الأُفق الواسع يأتي من زجاج النافذهْلاجئاً في ظلّ عينيها
- وكان الغرباءْيملأون الظلّ
- لن أمضي إلى النهر سدىاذهبي في الحلم يا جانا !
- بكتْ جاناوكان الوقتُ يرميني على ساعة ماءْ
- إذهبي في الوقت يا جانا !بكت جانا
- وكان الحُلْمُ ذرّاتِ هواءْاذهبي في الفَرَح الأول يا جانا !
- بكت جاناوكان الجرحُ وردَ الشهداءْ
- آه ’ جانالم تكوني مُدُني
- أو وطنيأو زمني
- كي أوقف النهر الذي يجرفنيفلماذا تدخلين الآن جسمي
- لتصير يالنهر أو سيَّدةَ النهرِلماذا تخرجين الآن من جسمي
- ومن أجلك جدَّدتُ الإقامةفوق هذي الأرض .. جدَّدت الإقامة
- اذهبي في الحُلم يا جانا !بكتْ جانا
- وصار النهر زنّاراً على خاصرتيواختفي شكل السماءْ...
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.