قصيدة
الخروج من ساحل المتوسط
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 79 بيتاً
- -1-سيلٌ من الأشجار في صدري
- أتيتُ ... أتيتسيروا في شوارع ساعدي تَصِلوا.
- وغزّةُ لا تصلّي حين تشتعلُ الجراح على مآذنها,وينتقل الصباح إلى موانئها , ويكتمل الردى فيها
- أتيتُ...أتيتُقلبي صالحٌ للشربِ
- سيروا في شوارع ساعدي تَصِلواوغزّةُ لا تبيع البرتقال لأنه دمُها المعلَّبُ
- كنتُ أهرب من أزقَّتهاوأكتب باسمها موْتي على جميزة,
- فتصيرُ سيِّدةً وتحمل بي فتىً حراًفسبحان التي أسْرَتْ بأوردتي إلى يدها !
- أتيتُ ... أتيتُغزّةُ لا تصلّي
- لم أجد أحداً على جرحي سوى فمها الصغيروساحل المتوسط اخترق الأبد..
- -2-لا توقفوني عن نزيفي !
- ساعةُ الميلاد قَلّدَتِ الزَّمانَ , وحاوَلَتْنيكنتُ صعباً – حاولتني
- كنتُ شعباً – حاولتني مرة أخرى..أرى صفاً من الشهداء يندفعون نحوي , ثم يختبئون في
- صدري ويحترقونمافَتَكَ الزمانُ بهم , فليس لجثَّتي حدُّ ولكني
- أحسُّ كأن كلَّ معارك العرب انتهتْ في جثتي,وأودُّ لو تتمزق الأيام في لحمي ويهجرني الزمان ,
- فيهدأ الشهداءُ في صدري ويتفقونما ضاق المكانُ بهم ’ فليس لجثتي حدّ , ولكنّ
- الخلافة حصَّنَتْ سور المدينة بالهزيمة , والهزيمةُجدَّدتْ عمر الخلافة
- لا توقفوني عن نزيفيساعةُ الميلاد قلّدت الزمان وحاولتني
- كنتُ صعباً – حاولتني مرة أخرىأرى صفاً من الشهداء يندفعون نحوي
- لا أحدْ !-3-
- وتقاسمتْني هذه الأممُ القريبةُ والبعيدةُكلُّ قاضٍ كان جزّاراً
- تدرَّج في النبوءة والخطيئةِواختلفنا حين صار الكل في جزءٍ,
- وصار الجرحُ وردتَنا جميعاًوابتعدنا...
- اذهب إلى الموت الجميلِ –ذهبتُ
- وحدي كنتُقلتم : نحن نتظر الجنازة بالأكاليل الكبيرة والطبول ,
- ونلتقي في القدسِ..ليتَ القدس أبعدُ من توابيتي لأَّتهم الشهودَ
- وما عليك ! ذهبت للموت الجميلومدينةُ البترول تحجز مقعداً في جنة الرحمن – قلتم لي
- وطوبي للمُموِّل والمؤذِّن... والشهيد !-4-
- تَعِبَ الرثاءُ من الضحاياوالضحايا جَمَّدتْ أحزانها
- أوّاه ! مَن يرثي المراثي ؟لستُ أدرى أيُّ قافية تحنِّطني , فأصبح صورة في معرض
- الكتب القريب.ولستُ أدرى أيُّ إحصائيَّة ستضمُّني..
- يا أيها الشعراء .. لا تتكاثروا !ليست عظامي منبراً
- فدعوا دمي – حبر التفاهم بين أشياء الطبيعة والإلهودعوا دمي – لغة التخاطب بين أسوار المدينة والغزاة
- دمي بريدُ الأنبياء-5-
- وأعود من تلقاء نفسي....ليت شُباكي بعيد كي أرى أمي
- وليت القيد أقرب كي أحسَّ النبض في زنديوليت البحر أبعد كي أخاف من الصحارى
- آهِ ’ ليت الشئ عكس الشئ كي تتآكل الأشياء فينفسي , وتأخذَ صيغة الفرح الحقيقيّ
- ابتعدنا واقتربنا وابتعدنايا أهالي الكهف قوموا واصلبوني من جديدِ
- إنني آتِ من الموت الذي يأتي غداًآتٍ من الشجر البعيد
- وذاهبٌ في حاضري – غدِكمأنا قشَّرتُ موجَ البحر زنبقةً لعزة...
- -6-سيلٌ من الأشجار يخرج من ضلوع الصخر – يصقلني
- الفناءُوجدولٌ يمتد من صدري عموديّاً – وتنحدر السماءُ
- رأيتُ رأي القلب – ذوَّبني الضياءُفصرت صوتاً ’ والحصى صار الصدى
- وتنفَّس القبرُ القديمُ...تحرَّك الحجرُ... استردَّ دبيبَهُ منكم
- أنا الأحياء والمدن القديمةُحاولوا أن تخلعوا أسماءكم تجدوا يديّ
- وحاولوا أن تنزعوا أثوابكم تجدوا دمي ,أو حاولوا أن تحرقوا هذي الخرائط تبصروا جسدي –
- أنا الأحياء والوطن الذي كتبوهُ في تاريخكم...من جثتي بدأ الغزاةُ , الأنبياءُ , اللاجئون –
- والآن يختتمون سيرتهم لأبدأ من جديد-7-
- تتحرَّك الأحجارُهذا ساعدي متمايل كالرعب
- ليس الربُّ من سكّان هذا القفرِهذا ساعدي
- تتحرَّكُ الأحجارُ ,ما سرقوا عصا موسى .
- وإنَّ البحر أبعدُ من يدي عنكمإذن , تتحرَّك الأحجارُ
- إن طلعوا وإن ركعوا , و إن مرّوا وإن فرّوا –أنا الحجرُ
- أنا الحجرُ الذي مسَّتْهُ زلزلةٌرأيت الأنبياء يؤجِّرون صليبهم
- واستأجرتني آيةُ الكرسيِّ دهراً ’ ثم صرت بطاقةً للتهنئاتتغيَّر الشهداءُ والدنيا
- وهذا ساعديتتحرك الأحجارُ
- فالتفّوا على أسطورةٍلن تفهموني دون معجزةٍ
- لأن لغاتكم مفهومَةٌإن الوضوح جريمةٌ
- وغموض موتاكم هو الحقُّ – الحقيقةُآه , لا تترك الأحجار إلاّ حين لا يتحرك الأحياء
- فالتفّوا على أسطورتي !-8-
- لن تفهمونيتخرج العذراءُ من ضلعي
- تكون مشيئتيوأصابُ بالأمطار والبرق الذي أدمنتهُ
- لن تفهمونيناهضاً من قبركم
- والأرضُ للشهداءِ –أنهيتُ المغامرة الأخيرة وابتدأتُ :
- هنا الخروج . هنا الدخولُهنا الذهاب . هنا الإيابُ
- ولا مكان هناأنا الزمن الذي لن تفهموني خارج الذي ألقي
- بكم في الكهفِ –هذي ساعتي :
- ينشقُّ قبرٌ ثم أنهض صارخاً :لا تُوقفوني عن نزيفي
- لحظةُ الميلاد تسكُنني من الأزلِ ’استريحوا في جراحي-ها هو الوطن الذي يتجَدَّدُ ,
- الوطن الذي يتمجَّدُ ,اقتربوا من الأشجار وابتدئوا معي !
- -9-في غزةَ اختلفَ الزمان مع المكانِ
- وباعةُ الأسماك باعوا فرصةَ الأمل الوحيد ليغسلواقدميّ
- أين المجدلية ؟ذابتْ أصابعها مع الصابون
- وانهمرت كتاباتٍ كتاباتٍوكان الجندُ ينتصرون ينتصرون
- كانوا يقرؤون صلاتهاويفتِّشون أظافرَ القدمين والكفين عن فَرحٍ فدائّي ,
- وكانوا يُلحقون حياتهمبدموع هاجَرَ . كانت الصحراء جالسةً على جلدي
- وأولُ دمعة في الأرض كانت دمعةً عربيةهل تذكرون دموع هاجر – أوَّلِ امرأةٍ بكتْ في
- هجرة لا تنتهي ؟يا هاجَرُ , احتفلي بهجرتي الجديدةِ من ضلوع القبر
- حتى الكون أنهضُيسكن الشهداءُ أضلاعي الطليقة
- ثم أمتشق القبور و ساحلَ المتوسطِاحتفلي بهجرتَي الجديدة.
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.