قصيدة
النزول من الكرمل
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 67 بيتاً
- ليومٍ يُجدّدُ لي موعدي، قلتُ للكرمل: الآن أمضي.و ينشرُ البحر بين السماء و مدخلِ جرحي
- و أذهبُ في أُفّقٍ ينحني فوقنا، و يُصلّيلنا ،أو يُكَسّرُنا. هذه الأرض تشبهنا
- حين نأتي إليها. و تشبهنا حين نذهب عنها.تركتُ ورائي ملامحها، و اسمها كان يمشي أمامي
- يُسمّي ملامحها و انفجاري. تركتُ سرير الولادهْتركتُ ضريحاً مُعدّاً لأيِّ كلام..
- تركتُ التي أوجَعَتْهاَ ذراعي. تركت التي أوجعتني يداها.تُفتّشُ عن عاشقٍ بعد خمس دقائق من هجرتي
- ليومٍ يُجَدّدُ لي موعدي، قلتُ للكرمل: الآن أمضي.تمرّ الرصاصةُ فوق جبيني، و تجمعني مثلما تجمع القبلةُ الشفتينْ
- و تولد رمّانةٌ في الصخور التي دجّنتْني، و تجعلني عاشقينبعيداً.. بعيداً.
- و ينتشر البحر بين السماء و مدخل جرحيتخيّلتُ أنكَ مُتَّكئي
- و سئمتُ العلاقة بين المسامير و الخشبهْو حين ترجَّلتُ عن قمّة الرمح و الجرح أمسكتُ شيئاً
- فَكَانَ حذاءَ الحرسْيكمّلني هابطاً هابطاً..
- منذ ذاك النهار المبكِّر أبحث عن موطئ القدمينو أتبعُ نهراً، و لا أتبع الموجَ
- هل أستردُّ زفيري!.يُقاسمُني عسكريُّ جراحي
- و يحرسها كي ينال وساماًو يمنعني من مواصلة الموت ، يأخذ نصف جراحي
- و يترُكُ نصفا لأمن الأممْ .يهزُّ أصابع كفيّ
- فتسقط ذكرى.رصاصٌ قديم.
- صنوبرةٌ.ثمر فاسدٌ.
- تهمةٌ.أسئلهْ
- يُفتّشُ كفّيَ ثانية، فيصادر حيفا التي هرّبت سُنْبلهْو يا أيّها الكرملُ،
- الآن تقرع أجراس كل الكنائسْو تعلن أنّ مماتي المؤقّت لا ينتهي دائماً، أو ينتهي مَرّةً،
- أيّها الكرمل، الآن تأتي إليك العصافيرُ من ورقكنتَ لا فرق بين الحصى و العصافيرِ .
- و الآن بَعْثُ المسيح يُؤجّل ثانيةًأيّها الكرمل، الآن تبدأ عطلةُ كل المدارس
- و تُنشدني الآن فيروزو الآن نأخذ أنبوبةً من حبوبٍ تُسيل الدموع ،
- فنبكي على جبل طائرٍأيّها الكرمل، الآن يجعلني ضابط آخرٌ عرضة للخلود !
- بَعُدنا عن الشجر. البحرُ فاصلةٌ بينناو ها نحن بين الطهارة و الإثم شيئان يلتحمان و ينفصلان
- كأن الأحبّة دائرةٌ من طباشيرَقابلةٌ للفناء و قابلة للبقاء.
- و ها نحن نحمل ميلادنا مثلما تحمل المرأةُ العاقرُ الحُلُماو ها أنتَ مئذنة الله حيناً
- و قبّعة لجنود المظلاّت حيناًو ها أنت يا كرملي كلُّما
- جرّدتني الحروبُ من الأرض أعطيتَني حُلُما.و ها أنا أعلن أن الزمان تغيّرَ:
- كانت صنوبرةٌ تجعل الله أقربْو كانت صنوبرة تجعل الجرح كوكبْ
- و كانت صنوبرة تُنجب الأنبياءْو تجعلني خادماً فيهمُ
- أيّها الكرمل المتشعِّب في كل جسميلماذا تحمّلني كل هذي المسافاتِ
- و البحرُ فاصلةٌ بيننا؟أوقَفَتْني فتاة معبُّأة بالدوالي
- و كانت تغنّي على طُرُق الشامِ:يا ليت دالية واحدة
- لم تسافر معي.. فأعود إليهاقبّلتني فتاةٌ لأني لفظت اسم كرملها في مُكَبرّ صوت،
- فجاءت إلى فندقي لتقول"أحبُّك"، و التجأتْلاسمه في ذراعي
- _و ماذا يقول الجبلْ؟بكى قصبٌ في الغدير
- و كان الغدير مرايافلم ينطبق الجبلُ
- _و هل رحلوا؟* تصبَّبت الريحُ من جبهتي
- فمسحتُ الرياح كما تمسحين العرقْ ..تذكرتُ أني نهضت صباحاً
- و كانت شهادةُ ميلاد أمّيَ قابلة للنقاشو كانت أناشيد أهلي العربْ
- تُرتِّبُ أمتعة اللاجئين .و تبني جسور العبور .
- و صارت فلسطين أقربْ .فاختلف اللاجئون على موسم القمح و البرتقال
- أوقفتني فتاةٌ معبَّأةٌ بالدواليو كانت تغّنّي على طُرق الشامِ :
- يا ليت دالية واحدةلم تسافر معي.. فأعود إليها
- و سافرتُ _يا أيّها الكرملُ .البحرُ. و العشبُ. و النارُ
- يا صخرة الفرح العائمهْو صمّمتُ جلدي قميصا لأخفي آثار طعنتك النادمهْ
- فأنكَرني العسكريُّو كنتُ على باب أمي هناك أنادي دمشقْ
- فتسمع نبض دمي حفيف صنوبركَ المبتعدْو تغسلني دجلةُ الخير حين أموت من الوجد شوقاً إلى
- أرض بابل .و ها أنذا الآن
- حين دخلتُ إلى الجامع الأمويِّ تساءل أهل دمشق:مَنِ العاشقُ المغتربْ؟
- و كانت مياه الفرات و نافورة النيل تحذف آثار زنزانتيعن ضلوعي
- و حين وقفتُ على النيل يوماً و شاطئ دجلة يوماًتساءل كل الذين رأوا دهشتي
- مَن السائحُ المغتربْ ؟!تركتُ الحبيبة _لم أنسها_ في غروب الشجرْ
- تطرِّز من زَبَد البحر منديلها و ضماديتوهَّمتُ أنّ السموات أبعدُ من يدها عن جبيني
- و أوهمّتُها أن قلبي يصلْو أنّ يدي تنتقلْ
- إلى جُثّة ضائعهْتركتُ الحبيبة _لم أنسها_ عند سفح الجبل
- تعيرُ العصافيرَ ألوانهاو كانت يداها ينابيعَ من كلِّ لونٍ و ما اشتُقَّ منه
- و لكنني كنتُ أشعر أن الينابيع كانت معرّضة للجفافو أنّ فمي ينتقل
- إلى لُغَة ثانيةتركتُ الحبيبة لم أنسها
- تركت الحبيبةتركت ..
- أحبّ البلاد التي سأحبْأحب النساء اللواتي أحبْ
- و لكن غصناً من السرو في الكرمل الملتهبْيُعادل كل خصور النساء
- و كلّ العواصمأحبُّ البحار التي سأحبُّ
- أحبُّ الحقول التي سأحبُّو لكنَّ قطرةَ ماءِ على ريش قُبَّرّة في حجارة حيفا
- تعادل كل البحارو تغلسني من ذنوبي التي سوف أرتكبُ
- أدْخلُوني إلى الجنة الضائعةسأطلق صرخةَ ناظم حكمت
- آه.. يا وطني !..
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.