قصيدة
سنة أخرى ... فقط
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 77 بيتاً
- أصدقائي ,مَنْ تبقّى منكمُ يكفي لكي أحيا سَنَهْ
- سنةً أُخرى فقط ,سنةً تكفي لكي أعشق عشرين امرأةْ
- وثلاثين مدينهْ ,سنةً واحدةً تكفي لكي أُعطيَ للفكرة جسمَ السوسنهْ
- ولكي تسكن أرضٌ ما فتاةً كُلِّ الأمكنهْ,سَنَةً وَاحدةً تكفي لكي أحيا حياتي كُلّها
- دُفعةً واحدةًأو قُبْلَةً واحدةً
- تقضي على أسئلتيوعلى لُغز اختلاط الأزمنهْ
- أصدقائي , لا تموتوا مثلما كنتم تموتونَرجاءً ’ لا تموتوا , انتظروني سنةً أُخرى
- سنهْسنةً أُخرى فقط .
- رُبَّما أنُنْهي حديثاً قد بَدَأْورحيلاً قد بدأْ
- ربما نستبدل الأفكارَ بالمشي على الشارعِأحراراً من الساعة والرايات ,
- هل خُنَّا أحدْلنسمِّي كُلّ أرضِ , خارجَ الجرح , زَبَدْ؟
- ونخافَ الدندنهْرُبَّما نحمي اللُغَهْ
- من سياقٍ لم نكن نقصدُهُونشيدٍ لم نكن ننشدُهُ
- للكهنهْ.....أصدقائي شهدائي الواقفينْ
- فوق تختي.... وعلى خصر فتاةٍ لم أذُقْها بَعْدُلم أرفع صلاتي فوق ساقيها لربِّ الياسمينْ....
- اذهبوا عني قليلاًفلنا حَقّ بأن نحتسيَ القهوةَ بالسُكَّر لا بالدمِ
- أن نسمعَ أصواتَ يَدَيْنا وهما تستدرجان الحَجَل الباكيإلينا ’ لا سُقُوطَ الأحصنهْ
- ولنا حَقّ بأن نُحُصِي الشرايينَ التي تغليبريح الشهوات المزمنهْ
- ولنا حَقّ بأن نشكر هذا الزَغَبَ الناميعلى البطن الحليبيِّ
- وأن نكسر إِيقاع الأغاني المؤمنهْ...أصدقائي شهدائي
- لا تموتوا قبل أن تعتذروا من وردةٍ لم تبصروهاوبلادٍ لم تزوروها ,
- وأن تعتذروا من شهوةٍ لم تبلغوهاونساءٍ لم يُعَلِّقْنَ على أعناقكم
- أيقونَةَ البحرووشمَ المئذنهْ,
- لا تموتوا قبل أن نسأل ما لا يسألُ الباقي على الأرضِ:لماذا تشبهُ الأرضُ السفرجلْ
- ولماذا تشبهُ المرأة ما لا تشبه الأرضُوحرمانَ المحبين... ونهراً من قرنفلْ؟
- ولماذا عرفونيعندما متُّ تماماً ... عرفوني
- ولماذا أنكرونيعندما جئتُ من الرحلة حَيّا؟
- يا إلهي , جُثِّتي دَلّتْ عليّاوأعادَتْهُمْ إليّا
- فبنوها بينهم... كالمدخنهْ !أصدقائي شهدائي
- فَكّروا فيِّ قليلاوأحِبُّوني قليلا
- لا تموتوا مثلما كنتم تموتون , رجاء , لا تموتواانتظروني سَنَةً أُخرى
- سنهْسنةً أُخرى فقطْ
- لا تموتوا الآن ’ لا تنصرفوا عَنِّيأحبُّوني لكي نشرب هذي الكأسَ
- كي نَعْلَمَ أنّ الموجَة البيضاءَ ليستْ امرأةأو جزيرةْ’
- ما الذي أفعله من بعدكم ؟ما الذي أفعله بعد الجنازات الأخيرةْ؟
- ولماذا أعشق الأرضَ التي تسرقكم منيوتُخْفيكم عن البحرِ؟
- لماذا أعشق البحرَ الذي غَطَّى المصلِّينَوأعلى المئذنهْ؟
- ولمن أمضي مساءَ السبتمَنْ يفتح قلبي للقططْ
- ولمن أمدَحُ هذا القمرَ الحامضَ فوق المتوسِّطْولمن أحملُ أشياءَ النساء العابرات الفاتنات
- ولمن أتركُ هذا الضَجَرَ اليوميَّما معنى حياتي
- عندما يُسندني ظلِّي على حائط ظلِّي حينما تنرفونمن سيأتي بي إلى نفسي
- ويرضيها بأن تبقى معي ؟لا تموتوا , لا تموتوا مثلما كنتم تموتون رجاءً
- لا تَجُرُّوني من التُّفاحة – الأنثىإلى سفر المراثي
- وطقوسِ العَبَرات المدمنهْ !ليس قلبي لأرميهِ عليكُمْ كتحيَّهْ
- ليس جسمي لي لكي أصنع تابوتاً جديداً ووصيَّهْليس صوتي لي لكي أقطع هذا الشارع المرفوعَ فوق البندقيهْ
- فارحموني ’ أصدقائيوارحموا أمَّ الزغاريد التي تبحث عن زغرودة أُخرى
- لميلاد المرايا من شظيّهْوارحما الحيطانَ إذ تشتاقُ للأعشاب,
- والكُتَّابَ في باب الوفيّاتارحموا شعباً وعدناهُ بأنْ نُدْخِلَهُ الوردةَ من باب الرماد المُرّ,
- لا تنصرفوا الآن كما ينصرف الشاعرُ في قُبَّعة الساحرمن يقطف ورد الشهداءِ؟
- انتظروا يا أصدقائي , وارحمونا...فلنا شُغْلٌ سوى التفتيش عن قبرٍ وعن مَرْثَّيةٍ
- لا تشبه الأُولىوما أَصغَر هذا الدم
- وما أكبرَ هذا الدمما أجملكم يا أصدقائي
- عندما تغتصبون الأرض في معجزة التكوينأو تكشفون النبع في صخر السفوح الممكنهْ !
- أصدقائيمَنْ تبقّى منكُم يكفي لكي أحيا سَنَهْ
- سنةً أُخرى فقطسنةً تكفي لكي نمشي معا
- نُسْدِلُ النهرَ على أكتافنا مثل الغَجَرْونهدُّ الهيكل الباقي معا
- حجراً تحت حَجَرْونُعِيد الروحَ من غربتها
- عندما نمضي معاعندما نُعْلِنُ إِضراباً عن عبادات الصُوَرْ
- فإذا أنتم ذهبتمْ أصدقائي الآن عنيوإذا أنتم ذهبتمْ
- وأقمتمْ في سديم الجمجمهْلن أناديكم عنكم كَلِمَهْ
- فأنا لا أستطيع الآن أن أرثي أحدْبلداً في جَسَدٍ
- أو جسداً في طلقةٍأو عاملاً في مصنع الموت المُوَحَّدْ
- لا أحَدْلا أحَدْ...
- وليكن هذا النشيدْخاتَمَ الدمع عليكم كُلِّكُمْ يا أصدقائي الخَوَنَهْ
- ورثاءً جاهزاً من أجلكم !ولذلكْ.....
- لا تموتوا أصدقائي ’ لا تموتوا الآنَلا وردةَ أغلى من دمٍ في هذه الصحراء
- لا وقتَ لكملا تموتوا مثلما كنتم تموتون ’ رجاءُ ’ لا تموتوا
- انتظروني سنةً أخرىسَنَهْ,
- من تبقّى منكم يكفي لكي أحيا سنهْسنه أُخرى فقط
- سنة تكفي لكي أعشق عشرين امرأةْوثلاثين مدينهْ
- سنة تكفي لكي أمضي إلى أُمِّي الحزينهْوأناديها : لِدِيني من جديد
- لأرى الوردةَ من أَوِّلهاوأَحبَّ الحبَّ من أَوَّله
- حتى نهايات النشيدسنة أخرى فقط
- سنة تكفي لكي أحيا حياتي كُلَّهادفعةً واحدةً
- أو قبلة واحدةًأو طلقة واحدةً تقضي على أسئلتي
- سنة أخرى فقطسنة أخرى
- سنهْ.....
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.