قصيدة
أقبية , أندلسية , صحراء
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 41 بيتاً
- فلتواصلْ نشيدكَ باسمي. هل اخترتُ أُمِّي وصوتَكَ؟ صحراءُ صحراءُولتكن الأرضُ أوْسعَ من شكلها البيضويِّ . وهذا الحمامُ الغريبْ
- حمامٌ غريب . وصدِّ رحيلي القصير إلى قرطبهْوافتراقي عن الرمل والشعراء القدامى ’ وعن شَجَرٍ لم يكن اِمرأة.
- البدايةُ ليست بدايتنا, والدخانُ الأخيرُ لناوالملوكُ إذا دخلوا قريةً أفسدوها,
- فلا تبكِ , يا صاحبي , حائطاً يتهاوَىوصدِّق رحيلي القصير إلى قرطبهْ
- وواصلْ نشيدك باسمي . هل اخترتُ أُمي وصوتك؟ صحراءُ صحراءُسَهْلٌ وصعبٌ خروجٌ الحمام من الحائط اللغويِّ’ فكيف سنمضي
- إلى ساحة البرتقال الصغيرةِ؟سَهْلٌ وصعبٌ دخولُ الحمام إلى الحائط اللغويِّ , فكيف سنبقى
- أمام القصيدة في القبو؟صحراءُ صحراءُأذكر أني سأحلُمُ ثانيةً بالرجوع
- - إلى أين يا صاحبي ؟- إلى حيثُ طار الحمام فصفّق قمحٌ وشقّ السماء
- ليربط هذا الفضاءَ بسنبلةٍ في الجليلْ- هل نَجَوْتَ , إذن , يا صديقي؟
- - تدلّيتُ من شرفة الله كالخيط في ثوب أُمِّي الطويلْوارتطمتُ بعوسجةٍ فانفجرتُ....
- - لماذا تريد الرحيلَ إلى قرطبهْ؟- لأنيَ لا أعرفُ الدرب , صحراءُ صحراءُ ,
- غنِّ التشابهَ بين السؤال الذي سيليهلعلّ انهياراً سيحمي انهياري من الانهيار الأخير
- أنا ألفُ عامٍ من اللحظة العربيَّةِ’ أبني على الرمل ما تحمل الريحُمن غَزَواتٍ ومن شهواتٍ وعطرٍ من الهند . أذكر درب الحرير
- إلى الشام . أذكر مدرسةً في ضواحي سمرقندَ, واِمرأةًتقطف التَمْرَ من كلماتي وتسقط في النهر
- - هل يقتلون الخيولْ؟- والبخارَ الذي يتسلّل من دمنا في اتجاه الصدى
- - هل تموتُ كثيراً؟- وأحيا كثيراً’ وأُمسكُ ظلِّي كتفّاحة ناضجةْ
- ويلتفّ حولي الطريق الطويلْكمشنقةٍ من ندى
- وأوقنُ , يا صاحبي , أننا لاحقان بقيصرَ.. صحراءُ صحراءُغنِّ انتشاري على جسَد الأرض كالفُطْر . إنّ الغجرْ
- يكرهون الزراعةَ.لكنهم يزرعون الخيول على وتَرَينْ
- ولا يملؤون التوابيتَ قمحاً كمصرَ القديمةْ,ولا يرحلون إلى الأندلسْ
- فرادى ،وغنِّ الحقولَ التي تركض الشمسُ والقلبُ فيها ولا يتعبان....وصحراءُ
- صحراءُ! من ألف عام أتيتُ إلى الضوءِهُمْ فتحوا باب زنزانتي فسقطتُ على الضوءِ
- ضيِّقةٌ خطوتي , والمسافات بيضاءُ بيضاءُ , والبابُ نهرٌلماذا تُقام السجون على ضفّة النهر في بَلَدٍ يشتهي الماء؟
- هم فتحوا باب زنزانتي فخرجتُوجدت طريقً فسرتُ
- إلى أين أذهب ؟ في بادئ الأمر قلتُ : أُعلِّمُ حرّيتي المشيَ, مالتْعليَّ, استندتُ إليها , وأسندتُها , فسقطنا على بائع البرتقال العجوز,
- وقمتُ , وكدّستُها فوق ظهري كما يحملون البلاد على الإبْلِ والشاحناتِ’وسرتُ وفي ساحة البرتقال تعبتُ , فناديتُ : أيتها الشرطة العسكريّةُ ! لا
- أستطيع الذهاب إلى قرطبهْوأحنيتُ ظهري على عَتَبَةْ
- وأنزلتُ حُريتي مثل كيس من الفحم , ثم هربت إلى القبو,هل يشبهُ القبوُ أُمِّي وأُمك ؟ صحراءُ صحراءُ
- ما الساعةُ الآن؟لا وقت للقبوِ
- ما الساعة الآن؟لا وقتَ...
- في ساحة البرتقال تصدِّقنا بائعاتُ السيوف القديمة , والذاهبون إلىيومهم يسمعون النشيد ولا يكذبون على الخبز , صحراءُ في القلب’
- مزِّق شرايينَ قلبي القديم بِأغنية الغجر الذاهبين إلى الأندلسْوغنِّ افتراقي عن الرمل والشعراء القدامى ’ وعن شَجَر لم يكن اِمرأة
- ولا تمتِ الآن , أرجوك ! لا تنكسر كالمرايا ’ ولا تحتجب كالوطنْولا تنتشرْ كالسطوح وكالأوديهْ
- فقد يسرقونك مثلي شهيداًوقد يعرفون العلاقة بين الحمامة والأقبيهْ
- وقد يشعرون بأن الطيور امتدادُ الصباحِ على الأرضوالنهرَ دبُّوسُ شَعْرٍ لسيِّدَة تنتحرْ
- وانتظرني قليلاً لأسمع صوتَ دمييقطع الشارع المنفجرْ
- كنتُ أنجو- ولا تنتصرْ!
- - وسأمشي- إلى أين يا صاحبي ؟
- - إلى حيث طار الحمام فصفق قمحٌ ليُسْند هذا الفضاء بسنبلة تنتظرْ.فلتواصل نشيدكَ باسمي
- ولا تبك يا صاحبي وتراً ضاع في الأقبيهْإنها أُغنية
- إنها أُغنية !
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.