قصيدة
قصيدة حالة حصار
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 314 بيتاً
- هنا ،عند مُنْحَدَرات التلال ،
- أمام الغروب وفُوَّهَة الوقت ،قُرْبَ بساتينَ مقطوعةِ الظلِ ،
- نفعلُ ما يفعلُ السجناءُ ،وما يفعل العاطلون عن العمل:
- نُرَبِّي الأملْ .بلادٌ علي أُهْبَةِ الفجر. صرنا أَقلَّ ذكاءً ،
- لأَنَّا نُحَمْلِقُ في ساعة النصر:لا لَيْلَ في ليلنا المتلألئ بالمدفعيَّة.
- أَعداؤنا يسهرون وأَعداؤنا يُشْعِلون لنا النورَفي حلكة الأَقبية.
- هنا، بعد أَشعار أَيّوبَ لم ننتظر أَحداً...هنا، لا ((أَنا))
- هنا، يتذكَّرُ آدَمُ صَلْصَالَهُسيمتدُّ هذا الحصارُ إلي أن نعلِّم أَعداءنا
- نماذجَ من شِعْرنا الجاهليّ.أَلسماءُ رصاصيّةٌ في الضّحي
- بُرْتقاليَّةٌ في الليالي. وأَمَّا القلوبُفظلَّتْ حياديَّةً مثلَ ورد السياجْ.
- في الحصار، تكونُ الحياةُ هِيَ الوقتُبين تذكُّرِ أَوَّلها
- ونسيانِ آخرِها. ..الحياة.
- الحياة بكاملها،الحياة بنقصانها،
- تستضيف نجوماً مجاورةلا زمان لها...
- وغيومها مهاجرةلا مكان لها.
- والحياة هناتتساءل:
- كيف نعيد إليها الحياةيقولُ علي حافَّة الموت:
- لم يَبْقَ بي مَوْطِئٌ للخسارةِ:حُرٌّ أَنا قرب حريتي
- وغدي في يدي. ..سوف أَدخُلُ عمَّا قليلٍ حياتي
- وأولَدُ حُرّاً بلا أَبَوَيْن،وأختارُ لاسمي حروفاً من اللازوردْ...
- هنا، عند مُرْتَفَعات الدُخان، علي دَرَج البيتلا وَقْتَ للوقت
- نفعلُ ما يفعلُ الصاعدون إلي الله:ننسي الأَلمْ.
- الألمْهُوَ:
- أن لا تعلِّق سيِّدةُ البيت حَبْلَ الغسيلصباحاً، وأنْ تكتفي بنظافة هذا العَلَمْ.
- لا صديً هوميريّ لشيءٍ هنا.فالأساطيرُ تطرق أبوابنا حين نحتاجها.
- لا صديً هوميريّ لشيء...هنا جنرالٌ يُنَقِّبُ عن دَوْلَةٍ نائمةْ
- تحت أَنقاض طُرْوَادَةَ القادمةْيقيسُ الجنودُ المسافةَ بين الوجود
- وبين العَدَمْبمنظار دبّابةٍ...
- نقيسُ المسافَةَ ما بين أَجسادناوالقذائفِ بالحاسّة السادسةْ.
- أَيُّها الواقفون علي العَتَبات ادخُلُوا،واشربوا معنا القهوةَ العربيَّةَ
- قد تشعرون بأنكمُ بَشَرٌ مثلناأَيها الواقفون علي عتبات البيوت
- اُخرجوا من صباحاتنا،نطمئنَّ إلي أَننا
- بَشَرٌ مثلكُمْ!نَجِدُ الوقتَ للتسليةْ:
- نلعبُ النردَ، أَو نَتَصَفّح أَخبارَنافي جرائدِ أَمسِ الجريحِ،
- ونقرأ زاويةَ الحظِّ: في عامِأَلفينِ واثنينِ تبتسم الكاميرا
- لمواليد بُرْجِ الحصار.كُلَّما جاءني الأمسُ، قلت له:
- ليس موعدُنا اليومَ، فلتبتعدْوتعالَ غداً !
- قال لي كاتب ساخر:لو عرفت النهاية، منذ البداية،
- لم يبق لي عمل في اللغةكل موت،
- وإن كان منتظراً،هو أول موت
- فكيف أرىقمراً
- نائماً تحت كل حجر؟أفكر من دون جدوى:
- بماذا يفكر من هو مثلي، هناكعلى قمة التل، منذ ثلاثة آلاف عام،
- وفي هذه اللحظة العابرة؟فتوجعني الخاطرة
- وتنتعش الذاكرة.عندما تختفي الطائرات تطير الحمامات،
- بيضاء، بيضاء. تغسل خدّ السماءبأجنحة حرّة، تستعيد البهاء وملكية
- الجو واللهو. أعلى وأعلى تطيرالحمامات، بيضاء بيضاء. ليت السماء
- حقيقة [قال لي رجل عابر بين قنبلتين]الوميض، البصيرة، والبرق
- قيد التشابه...عما قليل سأعرف إن كان هذا
- هو الوحي...أو يعرف الأصدقاء الحميمون
- أن القصيدة مرت ،وأودت بشاعرها...
- إلى ناقد: لا تفسر كلاميبملعقة الشاي أو بفخاخ الطيور!
- يحاصرني في المنام كلامي،كلامي الذي لم أقله،
- ويكتبني ثم يتركني باحثاًعن بقايا منامي...
- شجر السرو، خلف الجنود، مآذنتحمي السماء من الانحدار. وخلف سياج
- الحديد جنود يبولون – تحت حراسة دبابة.والنهار خريفي يكمل نزهته الذهبية
- في شارع واسع كالكنيسةبعد صلاة الأحد...
- بلاد على أهبة الفجر،لن نختلف على حصة الشهداء من الأرض،
- هاهم سواسيةيفرشون لنا العشب
- كي نأتلف!نحب الحياة غداً
- عندما يصل الغد سوف نحب الحياةكما هي، عادية ماكرة
- رمادية أو ملونة،لا قيامة فيها ولا آخرة.
- وإن كان لابد من فرحفليكن
- خفيفاً على القلب والخاصرة !فلا يلدغ المؤمن المتمرن
- من فرح ... مرتين!( إلى قاتل): لو تأملت وجه الضحية
- وفكرت، كنت تذكرت أمك في غرفةالغاز، كنت تحررت من حكمة البندقية
- وغيّرت رأيك : ما هكذا تستعاد الهوية !( إلى قاتل آخر): لو تركت الجنين
- ثلاثين يوماً، إذاً لغيرت الاحتمالات:قد ينتهي الاحتلال ولا يتذكر ذاك
- الرضيع زمان الحصار،فيكبر طفلاً معافى، ويصبح شاباً
- ويدرس في معهد واحد مع إحدى بناتكتاريخ آسيا القديم
- وقد يقعان معاً في شباك الغراموقد ينجبان ابنةً ( وتكون يهودية بالولادة(
- ماذا فعلت إذاً؟صارت ابنتك الآن أرملة
- والحفيدة صارت يتيمة؟فماذا فعلت بأسرتك الشاردة
- وكيف أصبت ثلاث حمائم بالطلقة الواحدة؟لم تكن هذه القافية
- ضرورية، لا لضبط النغمولا لاقتصاد الألم
- إنها زائدةكذباب على المائدة
- الضباب ظلام، ظلام كثيف البياضتقشره البرتقالة والمرأة الواعدة
- وحيدون، نحن وحيدون حتى الثمالة،لولا زيارات قوس قزح
- هل نسيء إلى أحد؟ هل نسيء إلىبلدٍ، لو أصبنا، ولو من بعيد،
- ولو مرة، برذاذ الفرح؟الحصار هو الانتظار
- هو الانتظار على سلم مائل وسط العاصفةلنا أخوة خلف هذا المدى
- أخوة طيبون، يحبوننا ، ينظرون إليناويبكون، ثم يقولون في سرهم:
- " ليت هذا الحصار هنا علنيّ.. ."ولا يكملون العبارة: " لا تتركونا
- وحيدين... لا تتركونا"القنابل لا تستعين بكسرى
- ولا قيصر، طمعاُ بالخلافة،فالحكم شورى على طبق العائلة
- ولكنها أعجبت بالحداثةفاستبدلت
- بطائرة إبل القافلةسأصرخ في عزلتي،
- لا لكي أوقظ النائمين.ولكن لتوقظني صرختي
- من خيالي السجين!أنا آخر الشعراء الذين
- يؤرقهم ما يؤرق أعداءهم:ربما كانت الأرض ضيقة
- على الناس،والآلهة
- هنا تتجمع فينا تواريخ حمراء،سوداء. لولا الخطايا لكان الكتاب
- المقدس أصغر. لولا السراب لكانتخطى الأنبياء على الرمل أقوى، وكان
- الطريق إلى الله أقصرفلتكمل الأبدية، أعمالها الأزلية..
- أما أنا، فسأهمس للظل: لوكان تاريخ هذا المكان أقل زحاماً
- لكانت مدائحنا للتضاريس فيشجر الحور.. أكثر !
- خسائرنا: من شهيدين حتى ثمانيةكل يوم،
- وعشرة جرحىوعشرون بيتاً
- وخمسون زيتونة،بالإضافة للخلل البنيوي الذي
- سيصيب القصيدة والمسرحية وللوحة الناقصةنخزن أحزاننا في الجرار، لئلا
- يراها الجنود فيحتفلوا بالحصار...نخزنها لمواسم أخرى،
- لذكرى،لشيء يفاجئنا في الطريق.
- فحين تصير الحياة طبيعيةسوف نحزن كالآخرين لأشياء شخصية
- خبأتها عناوين كبرى،فلم ننتبه لنزيف الجروح الصغيرة فينا.
- غداً حين يشفى المكاننحس بأعراضه الجانبية
- في الطريق المضاء بقنديل منفىأرى خيمة في مهب الجهات:
- الجنوب عصي على الريح،والشرق غرب تصوّف،
- والغرب هدنة قتلى يسكّون نقد السلام.فليس بجغرافيا أو جهة
- إنه مجمع الآلهة!يقول لها: انتظريني على حافة الهاوية
- تقول : تعال.. تعال! أنا الهاويةقالت امرأة للسحابة: غطي حبيبي
- فإن ثيابي مبللة بدمه!إذا لم تكن مطراً يا حبيبي
- كن شجراًمشبعاً بالخصوبة ... كن شجرا
- وإن لم تكن شجراً يا حبيبيفكن حجراً
- مشبعاً بالرطوبة.. كن حجراًوإن لم تكن حجراً يا حبيبي
- فكن قمراًفي منام الحبيبة... كن قمراً
- (هكذا قالت امرأةلابنها في جنازته )
- إلى ليل: مهما ادعيت المساواة" كلك للكل "... للحالمين وحراس
- أحلامهم، فلنا قمر ناقص، ودملا يغير لون قميصك يا ليل ...
- نعزي أبا بابنه: " كرم الله وجه الشهيد "وبعد قليل، نهنئه بوليد جديد .
- إلى الموت : نعرف من أي دبابةجئت. نعرف ما تريد... فعد
- ناقصاً خاتماً. واعتذر للجنود وضباطهم،قائلاً: رآني العروسان أنظر
- نحوهما، فترددت ثم أعدت العروسإلى أهلها... باكية !
- إلهي... إلهي! لماذا تخليت عنيوما زلت طفلاً ... ولم تمنحني؟
- قالت الأم:لم أره ماشياً في دمه
- لم أر الأرجوان على قدمهكان مستنداً للجدار
- وفي يدهكأس بابونج ساخن
- ويفكر في غده ...قالت الأم : في بادئ الأمر لم
- أفهم الأمر. قالوا: تزوج منذقليل. فزغردت، ثم رقصت وغنيت
- حتى الهزيع الأخير من الليل، حيثمضى الساهرون ولم تبق إلا سلال
- البنفسج حولي. تساءلت: أين العروسان؟قيل: هناك فوق السماء ملاكان
- يستكملان طقوس الزواج. فزغردت،ثم رقصت وغنيت حتى أصبت
- بداء الشللفمتى ينتهي، يا حبيبي، شهر العسل؟
- سيمتد هذا الحصار إلى أنيحس المحاصِر، مثل المحاصَر،
- أن الضجرصفة من صفات البشر
- أيها الساهرون! ألم تتعبوامن مراقبة الضوء في ملحنا؟
- ومن وهج الورد في جروحناألم تتعبوا أيها الساهرون ؟
- واقفون هنا. قاعدون هنا. دائمون هنا.خالدون هنا. ولنا هدف واحد واحد:
- أن نكون.ومن بعده نحن مختلفون على كل شيء:
- على صورة العلم الوطنيستحسن صنعاً لو اخترت يا
- شعبي الحيّ رمز الحمار البسيطومختلفون على كلمات النشيد الجديد
- ستحسن صنعاً لو اخترت أغنية عن زواج الحمامومختلفون على واجبات النساء
- ستحسن صنعا لو اخترت سيدة لرئاسة أجهزة الأمنمختلفون على النسبة المئوية، والعام والخاص،
- مختلفون على كل شيء. لنا هدف واحد:أن نكون...
- ومن بعده يجد الفرد متسعاً لاختيار الهدفعميقاً ، عميقاً
- يواصل فعل المضارعأشغاله اليدوية،
- في ما وراء الهدف .. .قال لي في الطريق إلى سجنه:
- عندما أتحرر أعرفأن مديح الوطن
- كهجاء الوطنمهنة مثل باقي المهن
- بلاد على أهبة الفجر،أيقظ حصانك
- واصعدخفيفاً خفيفاً
- لتسبق حلمك،واجلس _ إذا ما طلتك السماء _
- على صخرة تتنهدكيف أحمل حريتي، كيف تحملني؟ أين
- تسكن من بعد عقد النكاح، وماذاأقول لها في الصباح: أنمت كما ينبغي
- أن تنامي إلى جانبي؟ وحلمتِ بأرض السماء؟وهمتِ بذاتك. هل قمتِ سالمة من منامك
- هي تشربين معي الشاي أم قهوة بالحليب؟وهل تؤثرين عصير الفواكه، أم قُبلي؟
- كيف أجعل حريتي حرّة ؟ يا غريبة !لستً غريبك. هذا السرير سريرك. كوني
- إباحية، حرة، لانهائية، وانثري جسديزهرة زهرة بلهاثك. حريتي! عوديني
- عليك. خذيني إلى ما وراء المفاهيم كينصبح اثنين في واحد!
- كيف أحملها، كيف تحملني، كيف أصبح سيدهاوأنا عبدها. كيف أجعل حريتي حرّة
- دون أن نفترق؟قليل من المطلق الأزرق اللانهائي
- يكفيلتخفيف وطأة هذا الزمان
- وتنظيف حمأة المكانسيمتد هذا الحصار إلى أن
- نقلم أشجارنابأيدي الأطباء والكهنة
- سيمتد هذا الحصار، حصاري المجازي،حتى أعلم نفسي زهد المتأمل:
- ما قبل نفسي - بكت سوسنةوما بعد نفسي - بكت سوسنة
- والمكان يحملق في عبث الأزمنةعلى الروح أن تترجل
- وتمشي على قدميها الحريريتينإلى جانبي، ويداً بيد، هكذا صاحبين
- قديمين يتقاسمان الرغيف القديموكأس النبيذ القديم
- لنقطع هذا الطريق معاًثم تذهب أيامنا في اتجاهين مختلفين:
- أنا ما وراء الطبيعة. أما هيفتختار أن تجلس القرفصاء
- على صخرة عاليةإلى شاعر: كلما غاب عنك الغياب
- تورطت في عزلة الآلهةفكن " ذات" موضوعك التائهة
- و " موضوع " ذاتك ،كن حاضراً في الغياب
- إلى الشعر: حاصر حصاركإلى النثر: جرّ البراهين من
- معجم الفقهاء إلى واقع دمرتهالبراهين. واشرح غبارك.
- إلى الشعر والنثر: طيرا معاًكجناحي سنونوة تحملان الربيع المبارك
- كتبت عن الحب في عشرين سطراًفخيل لي
- أن هذا الحصارتراجع عشرين متراً! ...
- يجد الوقت للسخرية :هاتفي لا يرن
- و لا جرس الباب أيضاً يرنفكيف تيقنت من أنني
- لم أكن ههنا؟يجد الوقت للأغنية:
- في انتظارك، لا أستطيع انتظاركلا أستطيع قراءة دوستويفسكي
- ولا الاستماع إلى "أم كلثوم" أو " ماريا كالاس"وغيرهما. في انتظارك تمشي العقارب في
- ساعة اليد نحو اليسار، إلى زمنلا مكان له،
- في انتظارك لم انتظرك، انتظرت الأزليقول لها: أي زهر تحبينه؟
- فتقول: أحب القرنفل... أسوديقول: إلى أين تمضين بي،
- والقرنفل أسود؟تقول: إلى بؤرة الضوء في داخلي
- وتقول: وأبعد ... أبعد.. أبعد.إلى الحب: يا حب، يا طائر الغيب!
- دعنا من الأزرق الأبدي وحمّى الغياب.تعال إلى مطبخي لنعدّ العشاء معاً.
- سوف أطهو، وأنت تصب النبيذ،وتختار ما شئت من أغنيات تذكرنا
- بحياد المكان وفوضى العواطف: إنقيل إنك جنس من الجن... صدّق!
- وإن قيل إنك نوع من الأنفلونزا... فصدّق!وحدق إليك ومزق حجابك. لكنك الآن
- قربي أليف لطيف تقشّر ثوماً، وبعد العشاءستختار لي فيلماً عاطفياً قديماً،
- لنشهد كيف غدا البطلان هناكهنا شاهدين
- في الصباح الذي سوف يعقب هذا الحصارسوف تمضي فتاة إلى حبها
- بالقميص المزركش، والبنطلون الرماديشفافة المعنويات كالمشمشيات في
- شهر آذار: هذا النهار لنا كلهكلّه، يا حبيبي، فلا تتأخر كثيراً
- لئلا يحط غراب على كتفي...وستقضم تفاحة في انتظار الأمل
- انتظار الحبيب الذيربّما لن يصل
- " أنا" أو "هو"هكذا تبدأ الحرب. لكنها
- تنتهي بلقاء حَرِج:" أنا وهو"
- " أنا هي حتى الأبد"هكذا يبدأ الحب. لكنه
- عندما ينتهيينتهي بوداع حرج:
- " أنا وهي"لا أحبك، لا أكرهك
- قال معتقل للمحقق: قلبي مليءبما ليس يعنيك. قلبي يفيض برائحة المريميّة،
- قلبي بريء، مضيء، مليء،لا وقت في القلب للامتحان. بلى،
- لا أحبك. من أنت حتى أحبك؟هل أنت بعض أناي؟ وموعد شاي
- وبحّة ناي، وأغنية كي أحبك؟لكنني أكره الاعتقال ولا أكرهك.
- هكذا قال معتقل للمحقق: عاطفتيلا تخصك. عاطفتي هي ليلي الخصوصيّ...
- ليلي الذي يتحرك بين الوسائد حرّاًمن الوزن والقافية!
- سيمتد هذا الحصار إلى أن يُنَقِّحسادة " أولمب " إلياذة الخالدة
- سيولد طفل، هنا الآن،في شارع الموت... في الساعة الواحدة
- سيلعب طفل بطائرة من ورقبألوانها الأربعة
- أحمر، أسود، أبيض، أخضرثم يدخل في نجمة شاردة
- جلسنا بعيدين عن / مصائرنا كطيورتؤثث أعشاشها في ثقوب التماثيل ،
- أو في المداخن،أو في الخيام التي نُصبت
- في طريق الأمير إلى رحلة الصيد ....إلى حارس: سأعلمك الانتظار
- على باب موتي المؤجلتمهل، تمهل
- لعلك تسأم منيوترفع ظلك عني
- وتدخل ليلك حرّاًبلا شبحي!
- إلى حارس آخر: سأعلمك الانتظارعلى باب مقهى
- فتسمع دقات قلبك أبطأ، أسرعقد تعرف القشعريرة مثلي
- تمهل،لعلك مثلي تُصفّر لحناً يهاجر
- أندلسي الأسى، فارسي المدارفيوجعك الياسمين، وترحل
- إلى حارس ثالث: سأعلمك الانتظارعلى مقعد حجري، فقد
- نتبادل أسماءنا، قد نرىشبهاً طارئاً بيننا:
- لك أمولي والدة
- ولنا مطر واحدولنا قمر واحد
- وغياب قصير عن المائدةعلى طللي ينبت الظل أخضراً،
- والذئب يغفو على شعر شاتيويحلم مثلي،
- ومثل الملاكبأن الحياة هنا
- لا هناك...الأساطير ترفض تعديل حبكتها
- ربما مسّها خلل طارئربما جنحت سفن نحو يابسة
- غير مأهولة،فأصيب الخيالي بالواقعي...
- ولكنها لا تغير حبكتها.كلّما وجدت واقعاً لا يلائمها
- عدّلته بجرّافة،فالحقيقة جارية النص، حسناء
- بيضاء، من غير سوء...إلى شبه مستشرق: ليكن ما تظن
- لنفترض الآن أني غبيّ، غبيّ، غبيّولا ألعب الجولف،
- لا أفهم التكنولوجيا،ولا أستطيع قيادة طيارة!
- ألهذا أخذت حياتي لتصنع منها حياتك؟لو كنتَ غيرك، لو كنتُ غيري
- لكنّا صديقين يعترفان بحاجتنا للغباء...أما للغبيّ ، كما لليهودي في
- " تاجر البندقية" قلب، وخبزوعينان تغرورقان؟
- في الحصار، يصير الزمان مكاناًتحجّر في أبده
- في الحصا، يصير المكان زماناًتخلّف عن موعده
- المكان هو الرائحةعندما أتذكر أرضاً
- أشم دم الرائحةوأجن إلى نفسي النازحة
- هذه الأرض واطئة، عاليةأو مقدسة، زانية
- لا نبالي كثيراً بفقه الصفاتفقد يصبح الفرج،
- فرج السماوات،جغرافية!
- الشهيد يحاصرني كلما عشت يوماً جديداًويسألني: أين كنت؟
- وأعد للقواميس كلّ الكلام الذيكنت أهديتنيه،
- وخفف عن النائمين طنين الصدى!الشهيد يوضّح لي: لم أفتش وراء المدى
- عن عذارى الخلود، فإني أحب الحياةعلى الأرض، وبين الصنوبر والتين، لكنني
- ما استطعت إليها سبيلا،ففتشت عنها بآخر ما أملك:
- الدم في جسد اللازوردالشهيد يعلمني: لا جماليَّ خارج حريتي
- الشهيد يحذرني: لا تُصدّق زغاريدهنَّوصدّق أبي حين ينظر في صورتي باكياً:
- كيف بدَّلت أدوارنا، يا بنيّ،وسرت أمامي؟
- أنا أولاًأنا أولاً!
- الشهيد يحاصرني: لم أغير سوى موقعيوأثاثي الفقير،
- وضَعتُ غزالاً على مخدعيوهلالاً على إصبعي
- كي أخفّف من وجعيالشهيد يحاصرني: لا تَسِر في الجنازة
- إلا إذا كنت تعرفني.لا أريد المجاملة من أحد
- سيشتد هذا الحصارليقنعنا
- باختيار عبودية لا تضر،ولكن بحرية كاملة
- أن تقاوم يعني: التأكد منصحة القلب والخصيتين،
- ومن دائك المتأصل:داء الأمل
- وفي ما تبقّى من الفجر أمشي إلى خارجيوفي ما تبقّى من الليل أسمع وقع الخطى داخلي
- إذا مَرِض الحب عالجتهبالرياضة والسخرية
- وبفصل المغني عن ... الأغنيةالحصار يحولني من مغنٍ إلى ...
- وتر سادس في الكمانإلى قارئ : لا تثق بالقصيدة،
- بنت الغياب،فلا هي حدس
- ولا هي فكرولكنها حاسة الهاوية
- الكتابة جرو صغير يعضّ العدمالكتابة تجرح من دون دم
- أصدقائي يعدون لي دائماً حفلةللوداع، وقبراً مريحاً يظلله السنديان
- وشاهدة من رخام الزمنفأسبقهم دائماً في الجنازة:
- من مات... من ؟الشهيدة بنت الشهيدة بنت الشهيد
- وأخت الشهيد وأخت الشهيدة كِنَّةأم الشهيد حفيدة جد الشهيد
- وجارة عم الشهيد الخ ... الخ...ولا شيء يحدث في العالم المتمدن،
- فالزمن البربري انتهى،والضحية مجهولة الاسم، عاديّة
- والضحية.. مثل الحقيقة... نسبيةالخ... الخ...
- هدوءاً، هدوءاً، فإن الجنود يريدونفي هذه الساعة الاستماع إلى الأغنيات
- التي استمع الشهداء إليها، وظلّتكرائحة البنّ في دمهم... طازجة
- هدنة، هدنة لاختبار التعاليم:هل تصلح الطائرات محاريث ؟
- قلنا لهم: هدنة، هدنة لامتحان النوايا،فقد يتسرب شيء من السلم للنفس!
- عندئذ نتبارى على حبِّ أشيائنابوسائل شعرية.
- فأجابوا: ألا تعلمون بأن السلام مع النفسيفتح أبواب قلعتنا
- لمقام الحجاز أو النهوند؟قلنا: وماذا؟... وبعد؟
- فناجين قهوتنا. والعصافير. والشجر الأخضرالأزرق الظل. والشمس تقفز من
- حائط نحو آخر مثل الغزالة...والماء في السحب اللانهائية الشكل
- في ما تبقى لنا من سماء،وأشياء أخرى مؤجلة الذكريات
- تدل على أن هذا الصباح قوي بهيّ،وأنّا ضيوف على الأبدية .
- بلاد على أهبة الفجر،عما قليل
- تنام الكواكب في لغة الشعر.عمّا قليل
- نودع هذا الطريق الطويلونسأل: من أين نبدأ؟
- عما قليلنحذّر نرجسنا الجبلي الجميل
- من الافتتان بصورته: لم تعدصالحاً للقصيدة ، فانظر
- إلى عابرات السبيلسلام على من يشاطرني الانتباه إلى
- نشوة الضوء، ضوء الفراشة، فيليل هذا النفق!
- سلام على من يقاسمني قدحيفي كثافة ليل يفيض من المقعدين:
- سلام على شبحي!السلام كلام المسافر في نفسه
- للمسافر في الجهة الثانية...السلام حمام غريبين يقتسمان الهديل
- على حافة الهاويةالسلام حنين عدوَّين، كلٌّ على حدة
- للتثاؤب فوق رصيف الضجرالسلام أنين محبين يغتسلان
- بضوء القمرالسلام اعتذار القوي لمن هو
- أضعف منه سلاحاً، وأقوى مدىالسلام انكسار السيوف أمام الجمال
- الطبيعي، حيث يفلُّ الحديد الندىالسلام نهارٌ أليف، لطيف، خفيف
- الخطى، لايعادي أحدالسلام قطار يوحّد سكانه العائدين
- أو الذاهبين إلى نزهة في ضواحي الأبدالسلام هو الاعتراف، علانية، بالحقيقة:
- ماذا صنعتم بطيف القتيل؟السلام هو الانصراف إلى عمل في الحديقة:
- ماذا سنزرع عما قليل؟السلام هو الانتباه إلى الجاذبيّة في
- مقلتي ثعلب تغويان الغريزة في امرأة خائفةالسلام هو الآه تسند مرتفعات
- الموشح، في قلب جيتارة نازفةالسلام رثاء فتى ثقبت قلبه شامة
- امرأة، لا رصاص و لا قنبلةالسلام غناء حياة هنا، في الحياة،
- على وتر السنبلة
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.