قصيدة
الهدهد
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 146 بيتاً
- لم نَقْتَربْ من أرض نجمتنا البعيدة بَعْدُ . تأخذُنا القصيدةْمن خُرْمِ إِبْرَتِنا لِنَغْزلَ للفضاء عباءَةَ الأْفق الجديدةْ ،
- أَسْرى ، ولو قَفَزَتْ سنابلُنا عن الأسوار وانبثق السنونُومن قَيْدنا المكسورِ ، أسرى ما نحبُّ وما نريدُ وما نكونُ
- لكنَّ فينا هُدْهُداً يُملي على زيتونةِ المنفى بريدهْعادتْ إلينا من رسائلُنا رسائلُنا ، لنكتب من جديد
- ما تكتبُ الأَمطارُ من زَهْرٍ بدائيَّ على صخر البعيدويسافرُ السَّفَرُ- الصدى منَّا إلينا . لم نكن حَبَقاً-
- لِنَرْجِعَ في الربيع إلى نوافذنا الصغيرة . لم نكن ورقاً –لتأخذنا الرياحُ إلى سواحلنا . هنا وهناك خطِّ واضحٌ
- للتيهِ . كم سنةٌ سنرفع للغموض العذب موْتانا مرايا ؟كم مَرَّةً سنحمِّل الجرحى جبالَ الملح كي نَجِدَ الوصايا ؟
- عادة إلينا من رسالتنا رسالَتُنا .هنا وهناك خط واضحٌ –للظل . كم بحراً سنقطع داخل الصحراء؟ كم لوحاً سنَنْسَى ؟
- كم نبياً سوف نَقتُلُ في ظهيرتنا ؟ وكم شعباً سنُشبْه كي نكونَ –قبيلةً؟ هذا الطريقُ – طريقُنا قَصَبٌ على الكلمات يرفو
- طَرَفَ العباءة بين وحْشتنا وبين الأرض إذ تنأى ، وتغفوفي زَعْفَران غُرُوبنا . فَلْنَنْبسَط كَيد لنرفع وقتنا للآلهةْ
- أنا هدهد – قال الدليلُ لسيِّد الأشياء – أبحثُ عن أسماء تائهةْلم يبق منِّا في البراري غيرُ ما تجد البراري
- منا: بقايا الجلْد فوق الشوك ، أغنية المحاربِ للديارِوفم الفضاء. أمامنا آثارنا . ووراءنا صدف العبث
- أنا هُدْهُدٌ قال- الدليل لنا – وطار مع الأشعَّة والغبارِمن أين جئنا ؟ يسأل الحكماءُ عن معنى الحكاية والرحيلِ
- وأمامنا آثارنا ، ووراءنا الصفصافُ . من أسمائنا نأتي إلىأسمائنا ونخبيءُ النسيان عن أبنائنا . نَثِبُ الوعولُ من الوعولِ-
- على المعابد. والطيُورُ تبيض فوق فكاهة التمثال . لم نسأل لماذالم يُولَد الإنسانُ من شَجَرٍ ليرجع ؟ أَنْبَأتْنَا الكاهناتُ
- أنَّ القلوب تُزَان بالميزان في مصر القديمة ، أنبأتنا الكاهناتُأن المسلِّة تُسْنِدُ الأْفُق المُهَدَّدَ بالسقوط على الزمان . وأَننا
- سنُعِيدُ رحلتُنا هناك على الظلام الخارجيِّ . وأَنبأتنا الكاهناتُأن الملوكً قضاتُنا ، وشهودَنا أعداؤُنا . والروحَ يحرسُها الرعاةُ
- جسر على نهرين رحلتُنا . ولم نولد لتمحونا وتمّحي الحياةُأنا هُدْهُدٌ – قال الدليل- سأهتدي إلى النبع إن جفَّ النباتُ
- قلنا له : لسْنا طيوراً . قال : لن تصلوا إليه ، الكُلُّ لَهْوالكُلُّ فيه ،وَهْوَ في الكُلِّ ، اُبحثوا عنه لكي تجدوهُ فيه ، فَهْوَ فيهِ
- قلنا له : لسنا طيوراً كي نطير ،فقال : أجنحتي زمانيوالعشق نار العشق، فاحترقوا لتلقوا عنكم جسد المكان
- قلنا له : هل عدت من سبإ لتأخذنا إلى سبإ جديدة ؟عادت إلينا من رسائلنا رسالتُنا ولم ترجع .. ولم ترجعْ
- وفي اليونان لم تفهم أرسْطُوفان . لم تجد المدينة في المدينةلم تجد بَيْتَ الحنان لكي تُدَثِّرنا حريراً من سكينة
- لم تدرك المعنى فمسَّكَ هاجسُ الشعراء : ( طيرييا بنتَ ريشي ! يا طيور السهل والوديان ، طيري
- طيري سريعاً نحو أَجنحتي وطيري نحو صوتي ) .إنَّ فيناشبقاً إلى الطيران في أشواقنا . والناس طير لا تطيرُ
- يا هُدهدَ الكلمات حين تفرِّخُ المعنى وتخطفنا من اللغة الطيورُيا آبن التوتّر حين تنفصل الفراشةُ عن عناصرها ويسكنها الشعورُ
- ذوِّبْ هنا صلْصالَنا ليشقَّ صورة هذه الأشياء نورُحلِّقْ لتَّتضحَ المسافةُ بين ما كنا وما سيكون حاضرُنا الأخيرُ
- ننأى ، فندنو من حقيقتنا ومن أسوار غربتنا . وهاجِسُنا العبورُنحن الثنائيُّ السماء – الأرضُ ، والأرض – السماءُ . وحول سورٌ وسورٌ
- ماذا وراء السور ؟ علم آدَم الأسماءَ كي يتَفتح السر الكبيرُوالسرُّ رحلتنا إلى السريَّ . إن الناسَ طيرٌ لا تطيرُ
- أنا هُدْهُدٌ – قال الدليل – وتَحْتَنا طوفان نوحٍ . بابلُأشلاء يابسةٍ . بُخارٌ من نداءات الشعوب على المياه . هياكلُ
- ونهايةٌ كبدايةٍ كبدايةٍ لنهايةٍ . حلِّقْ لينسى القاتلُقتلاهُ. حلِّقْ فوقنا لينسى الخالقُ المخلوق
- والأشياءَ والأسماءَ في أسطورة الخلق الذي نتبادلُ- هل كنت تعرفُ ؟ - كنتُ أعرف أن بركاناً سيرسم صورةَ
- الكون الجديدة .- لم تَقُلْ شيئاً وأَنتَ بريدُ هذي الأرض .- كنتُ أَحاولُفيه من الأَشباح ما يكفي ليبحث في المقابر عن حبيبِهْ
- .. كانت له أُمٌّ ، وكان له جنوبٌ يستقرُّ على هُبُوبِهكانت له أسطورةُ الحَدْسِ . المتوج بالمياه .. وفي دروبِهْ
- مَلكٌ وإِمرأَة .. وجيشٌ يحرس الصبواتِ في الجسدين من أحلامناولنا من الصحراء ما يكفي لنُعطيهَ زمام سرابنا وغمامِنَا
- ومن الهشاشة ما سيكفي كي نسلّمه منامَ منامِناخُذْنَا . لقد هَهَّ اللسانُ فكيف نمتدح الذي طلب المديحْ
- ومديحُهُ فيه . وفيه الكلُّ للكلِّ . اعترفنا أننا بشرٌ ، وذُنْبافي هذه الصحراء حُبّاً . أين نخلتُنا لنعرف في التُمُور قلوبَنا ؟
- والله أجْمَلُ من طريق الله . لكن الذين يسافرونْلا يرجعون من الضياع لكي يرجعوا في الضياع . ويعرفونْ
- أن الطريق هو الوصول إلى البدايات الطريق المستحيلْيا هُدْهدَ الأسرار ، جاهِدْ كي نشاهدَ في الحبيب حبيبَنَا
- هي رحلةٌ أَبدية للبحث عن صفة الذي ليست لَهْصِفَةٌ . هو الموصوفُ خارجَ وَصْفِنا وصفَاتِهِ . حلِّقْ بنا
- لم تَبْقَ مِنَّا غيرُ رحلتنا إليه . إليه نشكو ما نُكابد في الرحيلدَمُناً نبيذُ شُعوبِهِ فوق الرخام وفوق مائدة الأصيل
- ( لا أنتَ إلا أنتَ ) فاخطِفْنا إليك إذا أذِنْتَ ، ودُلَّنايوماً على الأرض السريعة قبل دَوْرَتنا مَعَ العَدَم العميق ، ودُلَّنا
- يوماً على شَجِرة ولدنا تحته ، سراً ، ليُخْفيَ ظلَّناوعلى الطفولة دُلَّنا . وعلى يمام زافَ أَوَّلَ مرةٍ ليُذلَّنا
- يَفَعَ الصغارُ ولم يطيروا مثله . يا ليْتَنَا . يا ليتنا . ولعلَّناسنطير في يوم من الأيام .. إنَّ الناسَ طَيْرٌ لا تطيرُ
- والأرضُ تكبر حين نجهلُ ، ثم تصغر حين نعرف جهلنالكننا أحفادُ هذا الطين ، والشيطان من نار يحاول مثلنا
- أن يُدْرِكَ الأسرارَ عن كَثبٍ ليحرقنا ويحرق عقلناوالعقل ليس سوى دخان ، فليضعْ ! إنَّ القلوب تدلُّنا
- خُذْنَا إذاً يا هُدْهُدَ الأسرار نحو فَنَائنا بِفِنائه . حلِّقْ بناواهبطْ بنا .لنودِّعَ الأْمَّ التي انتظرتْ دهوراً خيْلنا
- لتموت غبَّ النور أَو تحيا لنيسابورَ أرملةً تُزيِّن ليلناهي ( لا تريد من الإله – الله إلاّ الله ) .. خذْنا
- والحبُّ أن لا يُدْرَكَ المحبوبُ .. أرْسَلَ عاشقٌ لفتاتهفَرَسَ الغياب على صدى الناياتِ واختصر الطريق : ( أنا هِيَ )
- وهي ( الأنا ) تنسلُّ من يأسٍ إلى أملٍ يعود إلىَّ يأسالا تنتهي طُرُقي إلى أًبوابها .. طارت أنايَ ( فلا أَنا إلاَّ أَنا ..)
- لا تنتهي طُرُقي إلى أبوابها .. لا تنتهي طُرُق الشعوبِ –إلى الينابيع القديمةِ ذاتها . قُلْنا ستكتملُ الشرائعُ –
- عندما نجتازُ هذا الأرخبيلَ ونعتقُ الأسرى من الألواحِ –فلْيَجْلِسْ على إيوانِهِ هذا الفراغُ ليكمل البشريُّ فينا هجرتَهْ
- عَمَّنْ تفتِّشُ هذه الناياتُ في الغابات ؟ والغرباء نحنُونحن أَهْلُ المعبد المهجور مهجورون فوق خيولنا البيضاءِ –
- ينبت فوقنا قَصَبٌ وتعبر فوقنا شهُب ونبحث عن محطتنا الأخيرةْلم تبق أرضٌ لم نعمِّر فوقها منفى لخيمتنا الصغيرةْ
- هل نحن جِلْدُ الأرض ؟ عَمَّنْ تبحثُ الكلماتُ فيناوهي التي عقدَتْ لنا في العالم السفليّ محكمة البصيرةْ
- وهي التي بَنَتِ المعابدَ كي تُروِّضَ وحش عزلتها بمزمارٍ وصورةْوأمامنا آثارُنا . ووراءنا آثارُنا . وهنا هناك . وأنبأتْنا الكاهناتُ:
- الجد يأخُذُ عَرْشَه مَعَهْ إلى القبر المقدَّس ، يأخذُ –الفتياتِ زوجاتٍ وأسرى الحرب حُرّاساً له . قد أنبأتنا الكاهناتٌ
- أن الأْلوهةَ توأمُ الإنسان في الهند القديمة. أنبأتنا الكاهناتٌما أنبأتنا الكائنات به.. ( و أنتَ تكون أيضاً مَنْ هُوَ)
- لكننا لم نُعْلِ تِينَتَنَا ليشنقنا عليها القادِمُون من الجنوبْهل نحن جلدُ الأرض؟ كُنَّا إذ نَعَضُّ الصخْرَ نفتحُ-
- حَيَّزاً للفُلِّ.كُنا نحتمي بالله من حُرَّاسه و من الحروبْكنا نصدِّقُ ما تعلِّمْنا من الكلمات. كان الشعر يهبطٌ-
- من فواكِهِ لَيْلنا، وقيودُ معزنا إلى المرعى على درب الزبيبْالفجر أَزرقُ، ناعمٌ، رطبٌ. وكُنَّا حين نحلُمُ نكتفي
- بحدود منزلنا: نرى عَسَلا على الخروب، نَجْنِيه.نرىفي النوم أنَّ مُرَبَّعات السمسم اكتنزتْ، فنْنخُلُهَا. نرى
- في النوم ما سنراه عند الفجر.كان الحلم منديل الحبيبْلكننا لم نُعْلِ تينَتَنَا ليشنقنا عليها القادمون من الجنوبْ
- أنا هُدْهدٌ – قال الدليل – وطار منَّا . طارت الكلماتُ –منا . قبْلَنا الطوفان . لم نَخْلَعْ ثيابَ الأرض عنَّا –
- قبْلَنا الطوفانُ . لم نبدأ حروبَ النفس بعدُ . وقبلناالطوفانُ. لم نحصدْ شعيرَ سهولنا الصفراء بعدُ
- وقبْلَنا الطوفانُ . لم نَصْقُلْ حجارتنا بقَرْنِ الكبش بعدُوقبْلَنا الطوفانُ . لم نيأس من التفاح بعدُ
- .. ستنجبالأمُّ الحزينةُ إخوةً من لحمنا لا من جذوع الكستناء ولا
- الحديد . ستنجب الأُم الحزينة إخوةً ليعمِّروا منفىالنشيدِ . ستنجب الأْم الحزينة إخوةً كي يسكنوا
- سعفَ النخيل إذا أرادوا أو سطوح خيولنا . وستنجبالأمُّ الحزينةُ إخوة ليتوِّجُوا هابيلَهُمْ ملكاً على عرش الترابْ
- لكنَّ رحلتنا إلى النسيان طالت . والحجاب أمامنا غطى الحجابْولَعَلَّ منتصفَ الطريق هو الطريق إلى الطريق من سحابْ
- ولعلنا ، يا هُدهدَ الأسرار ، أشباحٌ تفتِّش عن خرابْقال: اتركُوا أجسادكم كي تتبعوني واتركوا الأرض - السرابْ
- كي تتبعوني . واتركوا أسماءكم . لا تسألوني عن جوابْإن الجوابَ هو الطريقُ ولا طريقَ سوى التلاشي في الضبابْ
- هل مَسَّكَ ( العَطَّارُ ) بالأشعار ؟ قلنا . قال : خاطبني وغابْفي بطن وادي العشق . هل وقف ( المعرِّيْ) عند وادي المعرفةْ ؟
- قلنا . فقال : طريقُهُ عَبَثٌ . سألنا : وابن سينا .. هل أجابَعن السؤال وهل رآكَ ؟ أنا أرَى بالقلب لا بالفلسفةْ
- هل أنت صوفيُّ إذاً ؟أنا هدهدٌ . أنا لا أريد . ( أنا أريدْ
- أنا لا أريد ) وغاب في أشواقه : عذَّبْتَنَايا حبُّ . من سَفَرٍ إلى سَفَرٍ تُسَفِّرنا سدى . عَذَّبتنَا ،
- غَرَّبتنا عن أهلنا ، عن مائنا وهوائنا . خَرَّبتنَا . أفرغتَساعات الغروب من الغروب . سلبتنَا كلماتنا الأُولى
- نهبْتَ شُجَيْرةَ الدُرَّاق من أيامنا ، وسلبتنا أيامنا . ياحُبُّ قد عَذَّبتَنا ، ونهبتنَا . غرّبْتنَا عن كُلِّ شيء واحتجبْتَ
- وراء أوراق الخريف . نهبتنا يا حب . لم تترك لنا شيئاًصغيراً كي نُفَتِّش عنكَ وكي نقبِّل ظلِّه ، فأتركْ
- لنا في الروح سنبلة تحبُّكَ أَنت . لا تَكْسِر زُجَاجَالكون حول نِدائنا . لا تضطربْ . لا تصطخبْ . واهدأْ
- قليلاً كي نرى فيك العناصر وهي ترفع عُرْسَها الكُليَّنحوك . واقتربْ منا لنُدرك مَرَّةً : هل نستحقُّ
- بأن نكون عبيد رَعْشَتِكَ الخفيةِ ؟ لا تبعثر ماتبقَّى من حُطام سمائنا . يا حبُّ قد عذّبتنا ، يا
- حب ، يا هِبَةً تُبَدِّدُنا لترشد غيبنا فيهبّهذا الغيب ليس لنا وليس لنا مصبُّ النهر،
- والدنيا تهبُّ أمامنا ورقاً من السّرْوِ القديم ليُرْشدَالأشواق للأشواق . كم عذَّبتنَا يا حُبُ ، كم غيّبْتَنَا
- عن ذاتنا ، وسلبتنَا أسماءنا يا حُبُّقال الهدهدُ السكرانُ : طيروا كي تطيروا . نحن عُشَّاقٌ وحَسْبْ
- قلنا : تَعِبْنَا من بياض العشق واشتقنا إلى أمّ ويابسةٍ وأَبْهل نحن مَنْ كنا وما سنكون ؟ قال: توحَّدوا في كل دربْ
- وتبخَّروا تصِلُوا إلى مَنْ ليس تدركه الحواسُّ . وكُلُّ قلبْكونٌ من الأسرار . طيروا كي تطيروا . نحن عُشَّاقٌ وحسبْ
- قلنا ، وقد مِتناً مراراً وانتشيْنَا : نحن عُشَّاقٌ وحسبْمنفىً هي الأشواقُ . منفَى حُبُّنا . نبيذُنا مَنْفىً . ومنفَى
- تاريخُ القلبِ . كم قلنا لرائحةِ المكان : تَحَجّرِي لننام . كمقلنا لأشجار المكان تجرَّدي من زينَةِ الغزوات كي نجد المكانْ
- واللا مكانُ هو المكانُ وقد نأى في الروح عن تاريخهِمنفىً هِيَ الروحُ التي تنأى بنا عن أرضنا نحو الحبيبْ
- منفى هي الأرضُ التي تنأى بنا عن روحنا نحو الغريبْلم يَبْقَ سَيْفٌ لم يجد غِمْداً له في لحمنا
- والأخوةُ – الأعداءُ منا أسْرَجُوا خَيْلَ العَدُوِّ ليخرجوا العدو ليخرجوا من حُلْمِنامنفىً هو الماضي : قَطَفْنا خوخَ بهجتنا من الصيف العقيمْ
- منفىً هي الأفكارُ : شاهدنا غداً تحت النوافذ فاخترقناأسوارَ حاضرنا لنبلغه فأصبح ماضياً في درع جُنْديِّ قديمْ
- والشعرُ منفى حين نَحْلُمُ ثم ننسى حين نصحو أَين كناهل نستحقُّ غزالةً ؟ خُذْنا إلى غَدِنا الذي لا ينتهي
- يا هُدْهُدَ الأسرارِ ! علِّقْ وقتنا فوق المدى . حلّقْ بناإنَّ الطبيعة كُلَّها روحٌ ، وإن الأرضَ تبدو من هنا
- ثدْياً لتلك الرعشة الكبرى ، وخيلُ الريح مركبةٌ لنايا طيرُ .. طيري كي تطيري فالطبيعةُ كُلُّها رُوحٌ . ودوري
- حول افتتانِك باليدِ الصفراءِ ، شمسِكِ ، كي تذوبي واستديريبعد احتراقك نَحْوَ تلك الأرض ، أرضِكِ ، كي تنيري
- نَفَقَ السؤال الصلْب عن هذا الوجود وحائطِ الزَمَن الصغيرِإنَّ الطبيعةَ كلها روحٌ ، وروحٌ رقصةُ الجَسَدِ الأخيرِ
- طيري إلى أعلى من الطيران .. أعلى من سمائِك .. كي تطيريأعلى من الحُبِّ الكبير .. من القَدَاسَةِ .. والأْلوهةِ .. والشعورِ
- وتحرري من كل أجنحة السؤال عن البدايةِ والمصيرالكونُ أَصغرُ من جناح فراشَةٍ في ساحة القلب الكبيرِ
- في حَبَّة القمح التقْينَا ، وافترقْنَا في الرغيف وفي المسرمَنْ نحنُ في هذا النشيدِ لنَسْقُفَ الصحراءَ بالمطر الغزيرِ ؟
- مَنْ نحن في هذا النشيدِ لنُعْتِقَ الأحياءَ من أسر القبورِ ؟طيري بأجنحةِ انخطافِك ، يا طيورُ ، على عواصفَ من حرير
- لكِ أن تطيري مثل نشوتنا. يناديكِ الصدى الكونيُّ : طيريلكِ وَمْضَةُ الرؤيا . سنهبط فوق أنفسنا .. سنرجع إن صَحَوْنا
- سنزور وقتاً لم يكن يكفي مَسَرَّتَنا ولا طَقْسَ النُشُورمَنْ نحن في هذا النشيد لنلتقي بنقيضهِ باباً لسورِ
- ما نفُع فِكْرتَنا بلا بَشَرٍ ؟ ونحن الآن من نارٍ ونورِ ؟أنا هُدْهُدٌ – قال الدليل – ونحن قلنا : نحن سرْبٌ من طيورِ
- ضاقتْ بنا الكلماتُ أو ضقنا بها عطشاً وشرَّدنا الصدىوإلى متى سنطير ؟ قال الهدهدُ السكرانُ : غايتُنَا المدى
- قلنا : وماذا خلْفَه ؟ قال المدى خلفَ المدى خلف المدىقلنا : تعبنَا . قال : لنا تجدوا صنوبرةً لترتاحُوا . سدى
- ما تطلبون من الهبوط ، فحلّقوا لتُحَلِّقوا . قلنا : غداًسنطيرُ ثانيةً . فتلك الأرضُ ثديٌ ناضجٌ يمتصُّه هذا الغمامُ
- ذهبٌ يَحُكُّ الرعشةَ الزرقاء حول بيوتنا . هل كان فيها –كلُّ ما فيها ولم نعرفْ ؟ سنرجع حين نرجع كي نراها
- بعُيون هُدْهُدِنا وقد مَسّت بصيرتَنا . سلامٌ حولها ولها السلامُولها سريرُ الكون مفروشٌ بقُطن الغْيمِ والرؤيا . تنامُ
- وتنامُ فوق ذراعها المائيِّ سيدةً لصورتها وصورتنا . لهاقَمَرٌ صغيرٌ مثل خادمها يمشّط ظلَّها . ويمرُّ بين قلوبنا
- خوفاً من المنفى ومن قَدرِ الخرافة ، ثم يُشعِلُهُ الظلامُسهراً لحال النفس قرب المُعجزات . أمِنْ هنا وُلدَ الكلامُ
- ليصير هذا الطين إنساناً ؟ عرفناها لننساها وننْسىسمك الطفولة حول صرتها . أعن بُعدٍ نرى ما لا نَرَى
- في القرب ؟ كم كانتْ لنا الأيامُ أحصنةً على وَتَرِ اللغةْكم كانتِ الأنهارُ ناياتٍ . ولم نَعْلَمْ . وكم سَجَنَ الرخامُ
- مِنّا الملائكةً ولم نعرفْ . وكم ضَلِّتْ هنا مصرٌ وشامُللأرضِ . أرضٌ كان هُدْهُدُنا سجيناً فوقها . في الأرض روحٌ –
- شَرَّدَتْها الريحُ خارجها . ولم يترك لنا نوحُ الرسائل كُلَّهاومشى المسيحُ إلى الجليل فصفَّقَتْ فينا الجروحُ . هنا اليمامُ
- كلماتُ موتانا . هنا أطلال بابل شامةٌ في إبْطِ سيرتنا . هناجَسَدٌ من التفاح يسبح في المجرَّة . والمياهُ له حزامُ
- يسري مع الأبد المجسّد في مدائحنا ، ويرجع نحو ذاتِهْأمّاً تُغَطّينا بفَرْو حنانها العاري ، وتُخْفي ما فَعَلْنا بالرئة
- وبنار وردتها،وتخفي حرب سيرتنا ، وما صنع الحسامُبخريطة الأعشاب حول شواطئ الزغَبِ المقدّس . أُمُّنا هي أمنا
- أم الإثنيين والفُرْس القدامى أمُّ أفلاطون زارادشت أفلوطين أم السهرورْدِيأمُّ الجميع . وكُلُّ طفلٍ سيّد أَمه . ولها البداية والختامُ
- وكأنها هِي ما هِي الميلادُ إن شاءتْ ، وإن شاءت هي الموتُ الحرامُأطعمتِنا وأكلتِنا يا أمنا كي تُطْعِمي أولادنا يا أمَّنا ، فمتى الفِطامُ ؟
- يا عنكبوت الحُبِّ . إن الموتَ قتلٌ . كم نحبُّك كَمْ نحبك فارحمينَالا تقتلينا مرةً أُخرى ولا تلدي الأفاعي قرب دِجْلة .. واتُركينا
- نسري على الغزلان خصْرك قرب خصْركِ ، والهواءُ هو المقامُواستدرجينَا مثلما يُسْتَدْرَجُ الحَجَلُ الشقيُّ إلى الشِباك ، وعانقِينَا
- هل كنتِ أنتِ قبيل هجرتنا ولم نعرف ؟ يغيرنا الهيامُفنصير مثل قصيدة فتحتْ نوافذَهَا ليحملَها ويُكمِلها الحمامُ
- معنىً يُعيد النسْغَ للشجر الخفيِّ على ضفاف الروح فينَاطيري إذاً ، يا طَيْرُ في ساحات هذا القلب طيري
- ما نفع فِكْرَتنا بلا بَشَرٍ .. ونحن الآن من طين ونور ؟- هل كنتَ تعرف أيِّ تاجٍ فوق رأسك ؟ - قَبْرُ أُمِّي
- وأَنا أَطيرُ وأَحملُ الأسرار والأَخبار أُمِّي فوق رأسي مهرجانُهُوَ هُدْهُدٌ ، وهو الدليل وفيه ما فينا ، يعلِّقه الزمانُ
- جرساً على الوديانِ . لكنّ المكان يضيق في الرؤيا وينكسر الزمانُماذا ترى .. ماذا ترى في صورة الظل البعيدةِ ؟
- - ظِلَّ صورته علينا فلْنحلِّق كي نراه ، فلا هُو / إلاّ هُو( يا قلب .. يا أُمِّي ، ويا أُختي ) ويا امرأتي تدفَّقْ كي تراهُ
- وله .. لهدْهُدِنَا عُروشُ الماء تحت جَفَافِهِ تَعْلُو ويعلو السنديانُللماء لَوْنُ الحَقْل يرفَعُهُ النسيمُ على ظهور الخيل فجْرَا
- للماء طعْمُ هَديَّة الإنشاد وهو يَهُبُّ من بستان ذكرىللماء رائحةُ الحبيب على الرخام تزيدنا عَطَشاً وسُكْراً
- للمائ شَكْلُ هُنَيْهَةِ الإشراق حين تَشُقُّنا نِصْفَيْنِ : إنساناً وطيْرَاًوله .. لهُدْهُدِنَا خيولُ الماء تحت جفافه تعلو ، ويعلو الصولجانُ
- وله .. لهُدْهُدِنَا زمانٌ كان يحمله ، وكان له لسانُوله .. لهُدْهُدِنَا بلاد كان يحملها رسائلَ للسماوات البعيدةْ
- لم يَبْقَ دِينٌ لم يجرِّبْهُ ليمتحن الخليقةَ بالرحيل إلى الإلهْلم يَبْقَ حُبُّ لم يعذبه ليخترق الحبيبَ إلى سواهْ
- وهو المسافر دائماً . من أنتَ في هذا النشيد ؟ أنا الدليلُوهو المسافر دائماً . من أنتَ في هذا النشيد ؟ أنا الرحيلُ
- ( يا قلب .. يا أُمي وأختي ) تدفقْ كي يراكَ المستحيلُ –وكي تراه وتأخذني نحو مرآتي الأخيرة . قال هُدهُدُنَا وطارْ
- هل نحن ما كنا ؟ على آثارنا شَجَرٌ وفي أسفارنا قَمَرُ جميلُولنا حياةٌ في حياة الآخرين هناك . لكنا أَتيْنَا –
- مُكرهينَ إلى سمرقَنْدَ اليتيمِة . ليس في أجدادنا مَلِكٌ نُعيدُهْتركتْ لنا الأيام إرْثَ الناي فِي الأًيام .. أقربُهُ بعيدُهْ
- ولنا من الأمطار ما لشُجيْرَةِ اللبلاب . نحن الآن ما كنا وعُدْنَامُكرهينَ إلى الأساطير التي لم تَتَّسع لوصُولنا ، لم نستطعْ
- أن نَحْلبَ الأغنامَ قرب بيوتنا ، ونُرَتِّبَ الأَيام حول نشيدناولنا هناك معابدٌ ، ولنا هنا رَبٌ يمجده شهيدُهْ
- ولنا من الأزهار ( مِسْكُ الليل ) يُوصِدُهُ نهارٌ لا يريدُهْولنا حياةٌ في حياة الآخرين . لنا هنا قمحٌ وزيتٌ –
- نحن لم نقطع من الصفصاف خيْمَتَنَا ، ولم نصنع مِنَ –الكبريت آلهةً ليعبدها الجنود القادمون . لقد وجدْنا –
- كل شيء جاهزاً : أسماءنا مكسورةً في جَرَّةِ –الفُخَّار .. دَمْعَ نسائنا بُقَعاً من التوت القديم على
- الثياب .. بنادقَ الصيد القديمة .. واحتفالاً سابقاً لا نستعيدُهْالفَقْر مكتظ بآثار الغياب الآدميَّ . كأنَّنا كُنَّا هنا
- وهنا من الأدوات ما يكفي لنصب خيمةً فوق الرياحْلا وَشْمَ للطوفان فوق تَجَعَّيِد الجَبَل الذي اخضرَّتْ حدودُهْ
- لكنَّ فينا أًلفَ شعبٍ مَرَّ ما بينا الأغاني والرماحْجئنا لنعْلَم أننا جئنا لنرجعَ من غياب لا نريدُهْ
- ولنا حياةٌ لم نُجَرِّبْها ، وملحٌ لم يخلِّدنا خلودُهُولنا خطى لم يَخْطُها قبلنا أًحَدٌ .. فطيرِي
- طيري ، إذاً ، يا طيرُ في ساحات القلب طيريوتجمِعي من حول هُدْهُدِنَا ، وطيري .. كي .. تطيري!
طول القصيدة
- 1
- 2
- 4
- 6
- 9
- 14
- 19
- 29
- 49
- 79
- 516
146 بيتاً. شريحتها 1% من المتن، ودونها 99%.
المقام: 54,927 قصيدة، والتغطية 100%. الرقم تحت كل عمود أعلى شريحته، وعدد الأبيات الموسوم يطابق عدّ الأبيات المخزّنة في كل قصيدة.
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.