قصيدة
هدنة مع المغول أمام غابة السنديان
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 30 بيتاً
- (1)كائنات من السنْدِيان تُطيلُ الوقوفَ على التلّ .. قَدْ يصعَدُ العُشْبُ من خبزنا نحوها إِنْ تركنا المكانَ , وَقَدْ يهبط اللازوردُ السماويُّ منها إِلى الظلِّ فوق الحصونْ
- مَنْ سيملأ فُخُارنا بعدنا ؟مَنْ يُغَيِّرُ أَعداءنا عندما يعرفونْ أَننا صاعدون إِلى التلِّ كي نمدَحَ الله ..
- في كائناتٍ من السنديانْ ؟كلُّ شيء يدلُّ على عَبَث الريح لكننا لا نَهُبُّ هباءْ رُبَّما كان هذا النهارُ أَخَفَّ علينا من الأَمس , نجن الذينْ قد أَطالوا المكوثَ أَمام السماء , ولم يعبدوا غير ما فَقَدُوا من عبادتهمْ رُبَّما كانت الأَرضُ أَوسعَ من وَصفْها
- ربما كان هذا في الطريقُ دخولاً مع الريحفي غابة السنديانْ
- الضحايا تَمُرُّ من الجانبينْ , تقول كلاماً أَخيراً وتسقط في عالَمٍ واحدٍسوف ينتصرُ النسْرُ والسنديانُ عليها
- فلا بُدَّ مِنْ هُدْنَةٍ للشقائق في السهل كي تُخْفِيَ الميتين على الجانبين , وكيْ نَتَبَادَلَ بَعْض الشتائم قبل الوصول إِلى التلّلا بُدَّ مِنْ تَعَبٍ آدمي يُحَوِّل تلك الخيولَ إِلى ..
- كائناتٍ من السنديانْالصدى واحدٌ في البراري : صدى ,والسماءُ على حجر غرْبَةٌ عَلَّقْتها الطيورُ على لا نهايات هذا الفضاء , وطارتْ… والصدى واحدٌ في الحروب الطويلة : أُمٌّ , أَبٌ وَلَدٌ صَدَّقوا أَنَّ خلف البحيرات خيلاً تعود إِليهم مُطَهَّمةً بالرجاء الأَخيْر فأَعدُّوا لأحلامهم قهوةً تمنع النوَمَ
- في شَبَح السنديانْكُلُّ حربٍ تُعَلِّمنا أَن نحبَّ الطبيعة أَكثرَ : بعد الحصارْ نَعْتَني بالزنابقِ أَكثرَ , نقطف قُطْنَ الحنان من اللَوْزِ في شهر آذارَ
- نزرع غاردينيا في الرخام , ونَسْقي نباتاتِ جيراننا عندما يذهبون إِلى صَيْد غزلاننافمتى تَضَعُ الحربُ أَوزارها كي نفُكَّ خُصُورَ النساء على التلّ..
- من عُقدة الرَّمز في السنديانْ ؟ليت أَعداءَنا يأخذون مقاعدنا في الأساطير ’ كي يعلموا كم نُحبُّ الرصيفَ الذي يكرهون..ويا ليتهم يأخذونْ
- ما لنا من نُحاس وبرْق...لنأخذ منهم حرير الضجرْليت أعداءنا يقرءون رسائلنا مرتين , ثلاثاً .. ليعتذروا للفراشة عن لعبة النار...
- في غابة السنديانْكم أردنا السلامَ لسيدنا في الأعالي ..لسيدنا في الكُتُبْ
- كم أَردنا السلام لغازلة الصوف .. للطفل قرب المغارةْ لِهُواة الحياةلأولاد أعدائنا في مخابئهمْ.. للمَغُولْ عندما يذهبون إِلى ليل زوجاتهم , عندما يرحلونْ عن برِاعم أزهارنا الآن .. عَنَّا ,
- وعن ورق السنديانْالحروب تُعَلِّمنا أَن نذوق الهواء وأَن نمدح الماء
- كَمْ ليلةً سوف نفرح بالحُمُّص الصلْب والكستنا في جيوب معاطفنا ؟أَمْ سننسى مهارتنا في امتصاص الرذاذ ؟
- ونسأَل : هَلْ كان في وُسْع مَنْ مات أَلاَّ يموت ليبدأ سيرتَهُ من هنا ؟رُبَّما نستطيع مديح النبيذ ونرفعُ
- نخْباً لأَرملة السنديانْكُلُّ قَلْبٍ هنا لا يردُّ على الناي يسقط في شَرَك العنكبوت
- تمهَّلْ تمهَّلْ لتسمع رَجْعَ الصدى فوق خيل العَدُوّ , فإِنُ المغُول يُحبُّون خمرتنا ويريدون أَن يَرْتَدوا جلد زوجاتنا في الليالي , وأَن يأخذوا شعراء القبيلة أسرى, وأَنْيقطعُوا شَجَرَ السنديان
- المغُول يريدوننا أَن نكون كما يبتغون لنا أن نكونْ حفنةً من هبوب الغبار على الصين أَو فارسٍ , ويريدوننا أَن نُحبَّ أَغانِيَهُمْ كُلَّها كي يَحُلَّ السلامُ الذي يطلبونْسوف نحفظ أَمثالهم … سوف نغفر أَفعالَهُم عندما يذهبونْ مَعَ هذا المساء إِلى ريح أجدادهمْ
- خلفَ أُغنيةِ السنديانْلمْ يجيئوا لينتصروا , فالخرافةُ ليست خرافتَهُمْ
- إِنهم يهبطونْ من رحيل الخيولِ إِلى غرب آسيا المريضِ , ولا يعرفونْ ..أَنَّ في وسعنا أَن نقاوم غازان – أَرغون أَلفَ سَنَةْبَيْدَ أَن الخرافةَ ليست خرافَتهُ . سوف يدخل عَمَّا قليلْ دينَ قتلاهُ كي يتعلَّم منهم كلامَ قُرَيش ..
- ومعجزةَ السنديانْالصّدَى واحدٌ في الليالي.
- على قمة الليل نُحْصي النجومَ على صدر سَيِّدنا, عُمْرَ أَولادنا – كبروا سَنَةً بعدنا – غَنَمَ الأَهل تحت الضباب , وأَعدادَ قتلى المغول, وأعدادَنا والصدى واحدٌ في الليالي سنرجع يوماً , فلا بُدَّ من شاعرٍ فارسيٍّلهذا الحنين ..
- إلى لُغَةِ السنديانْالحُروبُ تعلَّمنا أَن نحبَّ التفاصيل : شكْل مفاتيحِ أَبوابنا , أن نُمَشِّطَ حنطتنا بالرموش , ونمشي خِفَافاً على أرضنا , أَن نقدِّسَ ساعات قبل الغروب على شجَر الزَّنْزَلَخْت
- والحروبُ تُعَلِّمُنا أَن نرى صورة الله في كل شيء , وأَنْ نَتَحَمَّل عبء الأساطير كي نُخْرِجَ الوحشَ .من قصَّة السنديانْ
- كم سنضحك من سُوس خُبْز الحروب ومن دُود ماء الحروب , إِذا ما انتصرنا نُعَلِّقُ أَعلامنا السودَ فوق حبال الغَسيلْ ثم نَصْنَع منها جواربَ …وأَما النشيدُ , فلا بُدَّ من رَفْعِهِ في جنازات أَبطالنا الخالدين ..وأَما السبايا , فلا بُدَّ من عَتْقهنَّ, ولا بُدَّ من مَطَرٍفَوق ذاكرة السنديانْ
- خَلْفَ هذا المساء نرى ما تبقَّى من الليل , عما قليلْ يشرب القَمَرْ الحُرُّ شايَ المُحَارب تحت الشجَرْ قَمَرٌ واحدٌ للجميع على الخندقين لَهُمْ ولنا , هَلْ لَهُمْ خلف تلك الجبال بيوتٌ من الطين , شايٌ , ونايٌ , وهَلْ عندهُمْ حَبَقٌ مثلنا يُرجع الذاهبين من الموت.....في غابة السنديانْ ؟
- ...وأَخيراً , صعدْنا إِلى التَلِّ ها نحن نرتفع الآن فوق جذور الحكاية ..ينبت عُشْبٌ جديد على دمنا وعلى دمهِمْسوف نحشو بنادقنا بالرياحين , سوف نُطَوِّق أَعناقَ ذاك الحمام بأَوسمة العائدين …ولكننا لم نجد أَحداً يقبل السِّلْم .. لا نحن نحن ولا غيرنا غيرنا
- البنَادِقُ مكسورة .. والحمامُ يطير بعيداً بعيداً ..لم نجد احداً ههنالم نجد أَحداً...
- لم نجد غابة السنديانْ!
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.