قصيدة
ربِ الأيائل ياأبي .. ربها
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 74 بيتاً
- .... مُسْتَسْلماً لخُطى أَبيكَ ذَهَبْتُ أَبحثُ عنكَ يا أَبتي هناكْعند احتراق أَصابعي بشموع شوْككَ ’ عندما
- كان الغروبُ يَقُصُّ خَرُّوبَ الغروبِ وعندماكنا – أَنا وأَبوكَ – يا أَبتي وراءك وَالِدَيْكْ
- أَنتَ المُعَلَّقُ فوق صُبَّار البراري من يديكْوعليكَ صَقْرٌ من مخاوفنا عليكْ
- وعليك أَن ترث السماء من السماءْوعليكَ أَرضٌ مثل جلد الروح تثقُبُهُ زهورُ الهِنْدباء
- وعليكَ أَن تختار فَأْسَكَ من بنادقهمْ عليكْوعليكَ أَن تنحاز ’ يا أَبتي ’ لفائدة الندى في راحتيكْ
- ولقمحكَ المهجورِ حول معسكرات الجيش , فاصنعْ ما تشاءْبقلوب سَجَّانيكَ , واصمدْ فوق شوكك حين يقهرك الصهيلُ
- حول الجهات الستَّ ’ واصمدْ ’ فالسهول لكَ السهولُ..وأَبي خَجُولُ يا أبي ’ ماذا يقولُ
- حدَّثْتُهُ عنه فأَومأَ للشتاء ’ ودسّ شيئاً في الرمادْلا تُعْطني حُبّاً , همستُ ’ أُريدُ أَن أَهب البلادَ
- غزالةً فاشرحْ بدايتَكَ البعيدةَ كي أَراك كما أَراكأَباً يُعَلِّمني كتابَ الأَرض من أَلِفٍ إلى ياءٍ..ويزرعني هناك
- لُغْزٌ هو الميلاد: ينبتُ مثل بَلُّوط يشقُّ الصخر فيعَتَبات هذا المشهد العاري ويصعَدُ..ثم يكسره السوادْ
- نَحْبُو ونَصْبُو . تنهض الأَفراس تركضُ في المدى .نكبو ونخبو فمتى وُلِدْنا يا أَبي ومتى نموتُ؟ فلا يُجيبُ ’ هُوَ الخجولُوالوقت ملْك يديه يُرْسِلُهُ إلى الوادي ويرجعه إليه
- وَهُوَ الحديقةُ في مهابتها البسيطة . لا يحدِّثُني عن التاريخ فيأَيَّامِهِ : كُنَّا هنا قبل الزمان وههُنا نبقى ’ فتخضرُّ الحقولُ
- رَبَّ الأَيائل ... رَبِّها في ساحة الدار الكبيرة يا أبي !فيغُضّ عني الطَرْفَ . يُصْلح غُصْنَ داليةٍ يُقَدِّم للحصان شعيرَةُ
- والماءَ . يَعْرفُهُ على مَهَل ’ يلاطفه ويهمس: يا أَصِيلُ.يتناولُ النعناعَ من أُمي . يُدَخِّن تبغه . يُحْصي ثُرَيَّات العِنَبْ
- ويقول لي : إِهدأْ ! فأَغفُو فوق ركبته على خَدَرِ التَعَبْأَتذكَّرُ الأَعشابَ : يأَخذني قطيعُ الأْقحوان إلى حَلَبْ
- من ههُنا قطعتْ مُخَيلتي جبالَ الناي ’ خلف الناي أَعدوأَعدو وراء الطير كي أَتعلَّم الطيرانَ . قد خَبَّأْتُ سرِّي
- في ما يقول الأَوَّلون هناك , خلف التلِّ . كم أَبعدتنيعمَّا أُحاول أَن أَكون ولا أَكون...وأَنت تدري
- أَني أُريدُ فوائدَ الأَزهار ’ قَبْلَ الملح . كم قرَّبْتَنيمن نجمة العَبَث البعيدة ’ يا أبي لِمَ تَقُلْ لي مَرَّةً
- في العمر : يا ابني !... كي أَطير إِليكَ بعد المدرسةْ؟لِمَ لَمْ تحاول أَن تربِّيني كما رَبَّيْتَ حقلك سمسماً , ذُرَةً ’ وحنطةْ
- أَلانَّ فيكَ من الحروب توجُّسَ الجنديَّ من حَبَق البيوت؟كُنْ سَيِّدي ’ يا سيِّدي ’ لأفرَّ منك إِلى الرعاة على التلالْ
- كُنْ سَيِّدي لتحبنَّي أُمِّي...وينسى إِخوتي موز الهلالْكُنْ سيِّدي أَحفظ القرآن أَكثرَ ..كي أُحبَّ الإِمرأَةْ
- أَكون سيِّدها وأَسجنها معي ! كن سيَّدي لأَرى الدليلْخَبَّأْتَ قلبك ’ يا أَبي , عني لأَكبُر فجأَة وحدي على شجر النخيلْ
- شَجَرٌ ’ وأَفكارٌ ’ ومزمارٌ ... سأَقفزُ من يديكَ إِلى الرحيلْلأَسيرَ عكس الريح ’ عكس غروبنا ... منفايَ أَرضُ
- أَرضُ من الشهوات ’ كنعانيةٌ ’ ترعى الأُيائل والوعولْ..أَرضٌ من الكلمات يحملها اليمام إِلى اليمام ..وأَنتَ منفَى
- منفِّى من الغزوات ينقلها الكلام إِلى الكلام .. وأَنت أَرضُأَرضٌ من النعناع تحت قصائدي ’ تدنُو وتنأى ثم تدنو
- ثم تنأُى في اُسم فاتحها , وتدنو في اسم فاتحها الجديدْكُرَةً تخاطفها الغزاةُ وَثبَّتُوها فوق أَطلال المعابد والجنودْ
- لو كُنْتَ من حَجَرٍ لكان الطقسُ آخرَ..يا بن كنعان القديمْلكنهم كتبوا عليك نشيدَهُمْ لتكون ((أَنت)) ((هو)) الوحيدْ
- لمْ تأتِ سوسنةٌ لتشهد , مَرَّةً’ مَنْ كان شاعُرها الشهيدْسَرَقَ المؤرَّخُ عندما واجهتُهُ بعظام أَسلافي : ((إلهي ..يا إلهي
- لِمَ لمْ يموتوا كُلُّهم لتكون لي وحْدِي ..؟)) أَتغفر يا أَبيلِيَ ما صَنَعْتُ بقلبكَ المثقوبِ بالصُبَّار حين كبرتُ وحْدِي
- وذهبتُ وحدي كي أُطِلَّ على القصيدة من بعيد ؟فَلِمَ اندفعتَ الآن في السفر الكبير وأَنتَ توراةُ الجذورْ
- أَنت الذي ملأَ الجرارَ بأَوَّل الزيت المُقدَّس ’ وابتكرتَ من الصخورْكَرْماً . وأَنت القاتلُ الأَبديُّ : لا ترحل إِلى صيْدَا وصُورْ؟
- أَنا قادمٌ حَيّاً وَمَيْتاً ’ يا أَبي ’ تَوّاً ...أَتغفر لي جنونيبطيور أَسئلتي عن المعنى ؟ أَتغفر لي حنيني
- هذا الشتاءَ إِلى انتحارٍ باذخٍ ؟ شاهدتُ قلبي يا أَبيوأَضَعْتُ قلبك يا أَبي ’ خَبأَته عني طويلاً ’ فالتجأتُ إلى القمرْ
- قل لي : أُحبُّكَ ’ قبل أَن تغفو..فينهمر المطرْ...متداخلاً في صُوفِهِ البُنِّيِّ ’ مُتَّكِئاً على دَرَجِ الشجرْ
- يرنو إِلى فِرْدَوْسِه المفقود , خلف يديه ’ يرمي ظِلَّهُفوق التراب – تُرابهِ ويشدُّهُ..يصطادُ زهرة أُقحوانْ
- بعباءة الظلَّ المراوغِ أَيُّ صَيَّادٍ يغافل سارقَ الأَشجارِ !أَيّ أَبٍ أَبي ! يرمي نِبَالَ الظلّ نحو ترابِهِ
- المسروقِ .. يخطفُ منه زهرة أْقحوانْ!ويعود قبل الليل . كم جيش جديد سوف يحتلُّ الزمانْ
- يأتون كي يتحاربوا فينا ..هُمُ الأْمراءُ ’ والشهداءُ نحنُيأتون ,يبنون القلاع على القلاع , ويذهبون ’ ونحْنُ نحْن
- لكنَّ هذا الوحش يسرق جلدنا وينام فيه فوق خَيْش فراشنا ويعضُّنا , ويصيح من وَجَع إِلى عيون الأقحوانْيا أَرضُ ! لم أَسأَلك : هل رحلَ المكانُ من المكان ؟
- لأَكون زائركِ الغريبَ على حِراب القادمين من الدخانبيني وبين حقولَي الشقراء مترٌ واحدٌ..مترٌ مِقَصُّ قَصَّ قلبي
- أَنا من هنا .. ورأَيتُ أَحشائي تطلُّ عليَّ من زَغَبِ الذُرَةْورأيتُ ذاكرتي تَعُدُّ حُبُوبَ هذا الحقلَ والشهداءَ فيه
- أَنا من هنا . أَنا ههُنا ... وأُمشَّطُ الزيتون في هذا الخريفأَنا من وهنا . وهنا أَنا . دَوَّى أَبي : أَنا من هنا
- وأَنا هنا . وأَنا أَنا . وهنا هنا . إِني أَنا . وأَنا هنا . وهناأَنا . وأَنا أَنا .وهنا أَنا . وأَنا هنا . إِني هنا . وأَنا أَنا
- ودنا الصدى . كَسَرَ المدى . قامت قيامَتُهُ . صدى وجد الصدىدَوَّى الصدى ...أَبداً هنا أَبداً هنا . وغدا الزمان غدا
- بدا شكلُ الصدى بلداً هنا ورد الردى , فاكسرْجدار الكون يا أبتي صدى حول الصدى ، ولتنفجرْ :
- أَنامِنْ
- هُنَاوَهُنَا
- هُنَاوأَنَا
- أَنَاوَهُنا
- أَنَاوأَنَا
- هُنَاالأَرضُ تكسرُ قِشْرَ بَيْضَتها وتسبَحُ بيننا
- خضراءَ تحت الغيم . تأخذ من سماء اللون زينَتَهالتسحرنا ’ هي الزرقاءُ والخضراءُ ’ تولد من خُرافتها
- ومن قُرْبانِنا في عيد حنطتها . تُعَلِّمنا فُنُونَ البحث عن أُسطورة التكوينسَيِّدَةٌ على إِيوانها المائيِّ
- سيدة المديح . صغيرة لا عمر يخدش وجهها لا ثوريحملها على قرنيه . تحمل نفسها وتنام في أَحضانها
- هِيَ . لا تودِّعنا ولا تستقبلُ الغرباء . لا تتذكَّرُ الماضيفلا ماضي لها . هي ذاتُها ولذاتِها في ذاتِها . تحيا فنحيا
- حين تحيا حُرَّةً خضراءَ لم تركب قطاراً واحداً معنا , ولا جملاًوطائرةً . ولم تفقد وليداً واحداً . لم تبتعد عنا ولم تفقد
- معادنها . ولم تخسر مفاتنها . هي الخضراء فوق مياهها الزرقاء..فاُنهَضْ , يا أَبي ’ من بين أَنقاض الهياكِلِ واكتُب
- اُسمَكَ فوق خاتَمِها كما كتب الأَوائل ’ يا أَبي ’ أَسماءهم.وانهض أَبي لتحبَّ زوجتك الشهيَّة من ضفائرها إِلى خلخالها
- وانهض , فلا زيتون في زيتون هذي الأَرض غير ظلالها ,وانهض ’ لتحمدها وتعيدها وتَرْوِي سيرة النسيان :
- كم مَرَّ الغزاة وغيَّروك وغيّروا أَسماءهاكم أصلحوا عربَاتهم وتقاسموا شهداءها,
- وهي التي بقيت , كما كانت , لك امرأةً وأُماً يا أَبيفانهض ’ ليرجعك الغناءُ
- كشقائق النعمان في أَرض تَبنَّتْهَا وغَنَّتها لتسكنها السماءُ...ولِمَ القصيدةُ يا أَبي ؟ إِنَّ الشتاءَ هو الشتاءُ
- سأَنام بعدك , بعد هذا المهرجان الهشِّ , تَسْوَدُّ الدماءُعلى تماثيل المعابد كالنبيذ ... وتكسر العُشَّاقَ نرجسةٌ وماءُ
- وسيكسرون الآن غيرتهم وغربتهم وبَلُّور الحنين إِلى حنينْوأَنا حزين , يا أَبي ’ سَلِّم على جَدِّي إذا قابلتَهُ
- قَبِّلْ يديهِ نيابةً عني وعن أَحفاد ((بَعْلٍ)) أَو ((عَنَاةْ))واملأْ له إِبريقه بالخمر من عنب الجليل أَو الخليل ’ وقل له:
- أُنثايَ تأبى أَن تكون إِطارصُورَتها. وتخرج من رفاتي
- عنقاءَ أُخرى . يا أَبي سَلِّمْ عليَّ هناك إِنْ قابلتَنِيوانسَ انصرافي عن خيولك يا أَبي واغفر لأَعرف ذكرياتي
- أَنت الذي خَبَّأْتَ قلبك يا أَبي عني ’ فآوتني حياتيفي ما أَرى من كائناتٍ لا تُكَوِّنُ كائناتي..
- والآن تسحبني أْبوَّتُك القصيَّةُ من يديَّ ومن شتاتيبشِباك ظِلِّك نحو آجُرٍّ من الظلّ المعلَّق في القصيدة..
- لُغْزٌ هو الميلاد .. يا أَبتي سألتك : هل وُلِدْتَلتموت؟ كم أَرجأَتَ عمرَك ..كم تعبتَ .. وكم وَعَدْتَ
- بأن تعيش غداً , ولكنْ لم تعش من دَمِنا إِلى لغة الحمامْ؟يا سيِّد الشجر المسجَّى فوق ظلِّ الظلِّ من شَجَر الخزامْ
- يا سيِّد الحجر الذي أَدْمَتْهُ كَفُّكَ ...هل خَرجْتَ من الرخامْلتعود يا أَبتي إِليه ؟ دُلَّني لِمَ جِئْتَ بي ...لم جئتَ بي
- أَلِكَيْ أُنادي حين أَتعَبُ : يا أَبي , يا صاحبي ؟يا صاحبي ! مَنْ مات مَنَّا قبل صاحبِهِ...
- أَنا ؟أَم صاحبي ؟
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.