قصيدة
محاولة انتحار
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 32 بيتاً
- كتب الوصيَّهْ:عشرون أُغنيةً لعينيها، وللرمل البقيَّهْ.
- لم أَحترقْلم أَحترقْ
- والنار ما زالت مُسَوَّدَةً خفيَّهْ.لم يبقَ لي غير النزول عن الصدى
- والسير خارج داخلي بين الشظايا والمدىعبثاً أُقدِّس ما يدنِّسُهُ الكلامُ. سدىِّ سدى
- فلأنصرفْ مني ومنكِ إلى الغيوم الليلكيَّهْفَتَحَ النوافذ للكآبة: كم أرى
- سُحُباً تغطيني وتمطرُ خارجي . كَمْ مِنْ قُرىألِفَتْ حنيني واختفت بدخانها كم من شعاعٍ أخضرا
- شقَّ السماء وشَقَّني لأكون: قاعاً، أو ذُرىوقصيدتي لا تنتهي إلاّ لتبدأ منكِ يا لُغَتي العصيَّهْ.
- لم يبقَ لي غيرُ الذي لم يبقَ لي . تعب المغنّي والمحاربْفليستريحا، ريثما تُنهي مراكبُنا عويل البحر أو تُسْبَى المراكبْ
- وليستريحا ليلةً، حتى نرى حجراً نُسَمِّرُ فوقه ضوء الكواكبْوليستريحا فيَّ. هل من قِمَّةٍ أُخرى
- لنسرٍ لا يريد الموتَ في حقلِ الحقائبْ؟لم يبقَ لي غير انكسارِ السيفِ في جَسَد الضَحيَّهْ.
- ماذا تبقَّي منك, يا شعري، سوى امرأة تُغنِّي ما استطاعت أن تُغنِّيللقادمين من الغياب ومن أصابع أدمنت شارات نصرٍ كَسَّرتني؟
- مات الذين أُحبُّهُم، واللوزُ يُزهر كلَّ عامٍ بانتظامْماتوا، ولكنَّ الصخور تبيضُ لي حجلاً وتسحب ظلَّها البُني عني
- طُرق بلا طُرق هناكَ,وههنا أفقٌ، وأغنية تمنَّتني ولكن حطمتني
- وحدي أُجدِّد صرختي: عودوا لأسمع صرختي . عودوا إلىَّ الآن مني.ماذا تبقَّى منك، يا شعري، سوى أسماء قتلانا، ووشمٍ في الهويّهْ؟
- ماذا تبقَّى منك، يا امرأتي، سوى يأسٍ تُكَلِّلني يداهُ؟قد خفتُ من هذا النسيج وخفت من النشيج ومن عَدُوَّ لا أراهُ
- لا نهر فيَّ لتعبريه إليّ فجراً. كُلُّ ما فيَّ انتباهُ وانتباهُ.لا بحر فيك لكي أصبَّ نهايتي . لا برَّ فيك لأهتدي من حيث شرَّدني الإلهُ
- وهبطتُ من قدميكِ كي أعلو إلى قدميكِ ثانيةً، ويخطفني مَتَاهُلكنَّ قلبي كان يعرف أنه لا يستطيع الارتفاع إلى مداكِ.. إلى مداهُ.
- ماذا تبقَّى منك، يا امرأتي، سوى عسل يُجرِّحني، وملح جرَّحتني ضَفَّتاهُ؟ماذا تبقَّى منكِ غير قصيدةِ الحبَّ الشقيَّهْ؟
- كتبَ الوصيَّهْ:عشرون أغنيةً لعينيها .. وللرمل البقيَّه.
- لا تشرحي أسباب هذا الانتحار لأصدقائيلا تريد فحم الثياب, ولا تُغطيني بريحانٍ ورايهْ
- لا تحفري فوق الهواء تحيَّةَ القلب الأخيرهْوإذا استطعتِ فلا تُحبِّي أيَّ شخصٍ تعرفينه.
- وإذا استطعت تجنَّبي مطر الخريف وصوتَ أُمِّي,وخُذي من النسيان زنبقةَ البياضِ العائليَّةِ.
- فَتَحَ النوافذ للذى يأتي، فلم يسمع سوى دقَّات ساعته الأخيرهْ.دقَّتْ، تدقُّ، تعدّ ساعات النهاية. كم نهايهْ
- ستدقُّ ساعتهُ لتُنهي دورة العمر القصيرهْ؟لم يبقِ لي غير النزولِ من البداية ...للبدايهْ
- والسير داخل خارجي . لكن سدىوسدى تطول المسرحيَّهْ.
- هو لا يُوَدِّع أيَّ شيء أو أحدْعبثاً يُحِسُّ بأنه قد مَرَّ فوق الأرض يوما.
- لا شيء يغريه بأن يبقي على حبل الفراغ من الفراغ إلى الفراغ مُعَلَّقاً.قال: الحياةُ هديَّةُ الأفعى، فما شأني أنا
- فيمَنْ سيفرحُ بالهديَّهْ؟وَضَعَ المُسَدَّس بين رؤياهُ، وحاول أن ينامْ
- إن لم أجد حلماً لأحلمهُ سأطلقُ طلقتيوأموت مثل ذبابةٍ زرقاءَ في هذا الظلامْ
- وبلا شهيَّهْ.كتب الوصيَّهْ:
- عشرون أُغنيةً لعينيها ، وللرمل البقيَّهْ.كتب الوصيَّه :
- لا، لا وصيَّهْ.
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.