قصيدة
تعاليم حُوريَّة
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 29 بيتاً
- فَكَّرتُ يوماً بالرحيل، فحطَّ حَسُّونٌ علىيدها ونام. وكان يكفي أَن أُداعِبَ غُصْنَ
- دالِيَةٍ على عَجَلٍ... لِتُدْركَ أَنَّ كأسَ نبيديَامتلأتْ. ويكفي أَن أنامَ مُبَكِّراً لتَرَى
- مناميَ واضحاً، فتطيلُ لَيْلَتَها لتحرسَهُ...ويكفي أَن تجيء رسالةٌ منّى لتعرف أَنَّ
- عنواني تغيَّر، فوق قارِعَةِ السجون، وأَنَّأَيَّامي تُحوِّم حَوْلَها... وحيالها
- أُمِّي تَعُدُّ أَصابعي العشرينَ عن بُعْدٍ.تُمَشِّطُني بخُصْلَةِ شعرها الذَهَبيّ. تبحثُ
- في ثيابي الداخليّةِ عن نساءٍ أَجنبيَّاتٍ،وَتَرْفُو جَوْربِي المقطوعَ. لم أَكبرْ على يَدِها
- كما شئنا: أَنا وَهِيَ، إفترقنا عند مُنْحَدرِالرُخام... ولوَّحت سُحُبٌ لنا، ولماعزٍ
- يَرِثُ المَكَانَ. وأَنْشَأَ المنفي لنا لغتين:دراجةً...ليفهَمَها الحمامُ ويحفظَ الذكرى
- وفُصْحى... كي أُفسِّرَ للظلال ظِلالَهَا!ما زلتُ حيّاً في خِضَمِّكِ. لم تَقُولي ما
- تقولُ الأُمُّ للوَلَدِ المريضِ. مَرِضْتُ من قَمَرِالنحاس على خيام البَدْوِ. هل تتذكرين
- طريق هجرتنا إلى لبنانَ، حَيْثُ نسيتِنيونسيتِ كيسَ الخُبْزِ ]كان الخبزُ قمحيّاً[.
- ولم أَصرخْ لئلاَّ أُوقظَ الحُرَّاسَ. حَطَّتْنيعلى كَتِفَيْكِ رائحةُ الندى. يا ظَبْيَةً فَقَدَتْ
- هُنَاكَ كِنَاسَها وغزالها...لا وَقْتَ حَوْلَكِ للكلام العاطِفيِّ.
- عَجَنْتِ بالحَبَقِ الظهيرةَ كُلَّها. وَخَبَزْت للسُمَّاقِعُرْفَ الدِيك. أَعْرِفُ ما يُخَرِّبُ قلبَكِ المَثْقُوبَ
- بالطاووس، مُنْذُ طُرِدْتِ ثانيةً من الفردوس.عالَمُنا تَغَيَّر كُلُّهُ، فتغيَّرتْ أَصواتُنا. حتّى
- التحيَّةُ بيننا وَقَعَتْ كزرِّ الثَوْبِ فوق الرمل،لم تُسْمِعْ صدىً. قولي: صباح الخير!
- قولي أيَّ شيء لي لتمنَحَني الحياةُ دَلالَها.هي أُختُ هاجَرَ. أُختُها من أُمِّها. تبكي
- مع النايات مَوْتي لم يموتوا. لا مقابر حولخيمتها لتعرف كيف تَنْفَتِحُ السماءُ، ولا
- ترى الصحراءَ خلف أَصابعي لترى حديقَتَهاعلى وَجْه السراب، فيركُض الزَمَنُ القديمُ
- بها إلى عَبَثٍ ضروريٍّ: أَبوها طار مثلَالشَرْكَسيِّ على حصان العُرْس. أَمَّا أُمُّها
- فلقد أَعدَّتْ، دون أن تبكي, لِزَوْجَة زَوْجِهاحنَّاءَها, وتفحَّصَتْ خلخالها...
- لا نلتقي إلاّ وداعاً عند مُفْتَرَقِ الحديث.تقول لي مثلاً: تزوّجْ أَيَّةَ امرأة مِنَ
- الغُرَباء, أَجمل من بنات الحيِّ. لكنْ, لاتُصَدِّقْ أَيَّةَ امرأة سوايَ. ولا تُصَدِّقْ
- ذكرياتِكَ دائماً. لا تَحْتَرِقْ لتضيء أُمَّكَ,تلك مِهْنَتُها الجميلةُ. لا تحنَّ إلى مواعيد
- الندى. كُنْ واقعيّاً كالسماء. ولا تحنّإلى عباءة جدِّكَ السوداءِ، أَو رَشَوَاتِ
- جدّتكَ الكثيرةِ، وانطلِقْ كالمُهْرِ في الدنيا.وكُنْ مَنْ أَنت حيث تكون. واحملْ
- عبءَ قلبِكَ وَحْدَهُ... وارجع إذااتَّسَعَتْ بلادُكَ للبلاد وغيَّرتْ أَحوالَها...
- أُمِّي تضيء نُجُومَ كَنْعَانَ الأخيرةَ,حول مرآتي,
- وتَرْمي, في قصيدتِيَ الأَخيرةِ, شَالَها!
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.