قصيدة
قرويون, من غير سوء..
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 22 بيتاً
- لم أكن بعد أعرف عادات أمي, ولا أهلهاعندما جاءت الشاحنات من البحر. لكنني
- كنت أعرف رائحة التبغ حول عباءة جديورائحة القهوة الأبدية, منذ ولدت
- كما يولد الحيوان الأليف هنادفعة ً واحدة!
- نحن أيضا لنا صرخة في الهبوط إلي حافةالأرض. لكننا لا نخزن أصواتنا
- في الجرار العتيقة. لا نشنق الوعلفوق الجدار, ولا ندعي ملكوت الغبار,
- وأحلامنا لا تطل عل عنب الآخرين,ولا تكسر القاعدة!
- لم يكن بعد لاسمي ريش فأقفز أبعدبعد الظهيرة. كانت حرارة إبريل مثل
- ربابات زوارنا العابرين تطيرنا كالحمامات.لي جرس أول: جاذبلية أنثي تراوغني
- لأشم الحليب علي ركبتيها, فأهربمن لسعة المائدة!
- نحن أيضا لنا سرنا عندما تقع الشمسعن شجر الحور: تخطفنا رغبة في البكاء
- علي أحد مات من أجل لا شيء مات,وتجرفنا صبوة لزيارة بابل أو جامع
- في دمشق, وتذرفنا دمعة من هديلاليمامات في سيرة الوجع الخالدة!
- قرويون, من غير سوء, ولا ندمفي الكلام. وأسماؤنا مثل أيامنا تتشابه,
- أسماؤنا لا تدل علينا تماماً. ونندسبين حديث الضيوف. لنا ما نقول عن
- الأرض للأجنبية حين تطرز منديلها ريشةريشة من فضاء عصافيرنا العائدة!
- لم تكن للمكان مسامير أقوي من الزنزلختعندما جاءت الشاحنات من البحر. كنا
- نهييء وجبة أبقارنا في حظائرها, ونرتبأيامنا في خزائن من شغلنا اليدوي
- ونخطب ود الحصان, ونومئُللنجمة الشاردة.
- نحن أَيضاً صعدنا إلى الشاحنات. يُسَامِرُنالَمَعانُ الزُمُرُّدِ في لَيْلِ زَيْتُونِنا، ونُباحُ
- كلابٍ على قَمَرٍ عابرٍ فوق بُرْجِ الكنيسةِ،لكننا لم نكن خائفين. لأن طفولتنا لم
- تجئْ معنا. واكتفينا بأغنيَّة: سوف نرجععمَّا قليل إلى بيتنا... عندما تُفْرِغُ الشاحناتُ
- حُمُولَتَها الزائدةْ !
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.