قصيدة
فرس للغريب
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 49 بيتاً
- أعِدُ لأرْثيك، عِشْرينَ عاماً من الحُبِّ. كُنْتَوَحيداً هناكَ تُؤَثِّثُ مَنْفىً لسَيِّدةِ الزَّيْزَفُونِ، وبَيْتا
- لِسَيِّدنا في أعالي الكَلام، تَكَلِّمْ لِنَصْعَدَ أًعْلىوأَعْلى ... على سُلِّم الْبِئْرِ، ياصاحِبي، أينَ أنت؟
- تَقَدَّمْ، لأحْمِلَ عنكَ الكَلاَم ... وأَرْثيك.... لو كانَ جسْراً عَبَرْناهُ. لكِنَّه الدّارُ والهاوية
- وللقَمَر البابِليِّ على شَجَر اللَّيلِ مملكة لم تَعُدْلنا، مُنْذُ عادَ التَّتارُ على خَيْلنِا. والتتَّارُ الجُدُدْ
- يَجُرُّونَ أسْماءَنا خَلْفَهُم في شعابِ الجِبال، ويَنْسَوْنَناويَنْسَوْنَ فينا نَخيلاً ونَهْرَيْنِ: يَنْسَوْنَ فينا العِراقْ
- أَما قُلْتَ لي في الطَّريقِ إلى الرِّيحِ : عمَّا قَليلسَنَشْحَنُ تاريخَنا بالمَعاني ’ وتَنْطَفِئُ الحَرْبُ عمَّا قَليل
- وعمَّا قَليلٍ نُشَيَّدُ سُومَرَ , للنَّاسِ والطَّيْرِ من كلّ جِنْسِ؟وَنَرْجعُ مِنْ حَيْثُ جاءَتُ بِنا الرِّيح ..../
- ...لم يَبْقَ في الأَرْضِ مُتَّسَعٌ لِلقَصيدَةِ ’ يا صاحِبيفَهَلْ في القَصيدَةِ مُتَّسَعٌ ’ بَعْدَ الْعِراق؟
- وَروما تُحاصِرُ أَمْطارَ عالَمِنا , والزُّنوجُ يَدُقُّونَ أقْمارَهانُحاساً عَلَى روما تُعيدُ الزَّمانَ إلى الْكَهْفِ روما
- تَهُبُّ على الأَرْضِ فَاُفْتَحْ لِمَنْفاكَ مَنْفى....لَنا غُرَفٌ في حَدائِقِ آبَ , هُنا في البِلادِ الَّتي
- تُحِبُّ الكِلابَ وَتَكْرَهُ شَعْبَكَ واسْمَ الْجَنوبِ لَنابَقايا نِساءٍ طُرِدْنَ من الأُقْحُوانِ . لَنا أَصْدِقاءُ
- من الغَجَرِ الطَّيِّبينَ لَنا دَرَجُ الْبارِ رامبو لنا ولنارَصيفٌ مِنَ الكَسْتَناءِ لَنا تكنولوجيا لِقَتْل الْعِراق
- تَهُبُّ جَنُوبيّةً ريحُ مَوْتاكَ . تَسْأَلُني : هَلْ أَراك؟أَقولُ : تَراني مَساءً قَتيلاً على نَشْرَةِ الشَّاشَةِ الْخامِسَة
- فَما نَفْعُ حُرّيّتي يا تَماثيلَ رودانَ ؟ لا تَتَساءَلْ ’ ولاتُعَلِّقْ على بَلَحِ النَّخْلِ ذاكِرَتي جَرَسً قَدْ خَسِرْنا
- مَنافِينَا مُنْذُ هَبَّتْ جَنوبِيّةً ريحُ مَوْتاك...../...لا بُدَّ مِنْ فَرَسٍ لِلْغَريبِ لِيتْبَعَ قَيْصَرَ , أوْ
- لِيَرْجِعَ مِنْ لَسْعَةِ النَّاي . لاَ بُدَّ مِنْ فَرَسٍ لِلَغَريبْأَما كانَ في وُسْعِنا أَنْ نَرى قَمَراً وَاحِداً لا يَدُلُّ
- على امْرَأَةٍ ما ؟ أما كان في وُسْعِنا أَنْنُمَيَّيزَ بَيْن البصيرَةِ ’ يا صاحبي , والبَصَرْ؟
- لَنا ما عَلَيْنا من النَّحْلِ والمُفْرَداتِ . خُلِقْنا لِنَكْتُبَ عَمّايُهَدِّدُنا مِنْ نِساءٍ وَقَيْصَرَ ... والأَرْضِ حِيْنَ تَصيرُ لُغَةْ,
- وَعَنْ سِرِّ جلجامشَ الْمُسْتَحيلِ , لِنَهْرُبَ مِنْ عَصْرِناإلى أَمْسَ خَمْرَتنا الذَّهَبِيَّ ذَهَبْنا , وَسِرْنا إلى عُمْرِ حِكْمَتِنا وكانت أَغاني الحَنينِ عِرَاقيّةً , والعراقُ نَخيلٌ ونَهْران.../
- .... لِي قَمَرٌ الرَّصافَةِ . لي سَمَكٌ في الفُراتِ ودجْلَةْولي قارِئُ في الجَنُوبِ ولي حَجَرُ الشَّمْسِ في نَيْنَوى
- وَنَيْروزُ لي في ضَفائِرِ كُرْديّةٍ في شَمالِ الشَّجَنْولي وَرْدَةٌ في حَدائقِ بابلَ لي شاعرٌ في بُوَيْب
- ولي جُثَّتي تَحْتَ شَمْسِ العِراقعلى صورَتي خَنْجَري وعلى خَنْجري صورَتي كُلَّما
- بَعُدْنا عَنِ النَّهْر مَرَّ الْمَغولشيُّ , يا صاحبي , بَيْنَناكَأَنَّ القَصائِدَ غَيْمُ الأَساطيرِ لا الشَّرْقُ شَرْقٌ
- ولا الغَربُ غَرْبٌ تَوَحَّدَ إِخْوَتُنا فِي غَريزَةِ قابيلَ . لاتُعاتِبْ أَخاكَ , فإنَّ الْبَنَفْسَجَ شاهِدَةُ الْقَبَر.../
- ....قَبْرٌ لِباريسَ , لُنْدنَ , روما , نيويورك . موسكو , وقبرلِبَغْدادَ , هَلْ كانَ من حَقَّها أَن تُصَدِّقَ ماضَيَها الْمُرْتَقَبْ؟
- وَقَبْرٌ لإيتاكَةِ الدَّرْبِ وَالْهَدَفِ الصَّعْبِ , قَبْرٌ لِيافا...وَقَبْرٌ لِهوميرَ أَيْضاً وَلِلْبُحْتُرِيِّ , وقبرٌ هو الشِّعْرُ , قبرٌ
- من الرِّيحِ...يا حَجَرَ الرُّوحِ ’ يا صَمْتَنا !نُصَدِّقُ , كَي نُكْمِلَ التّيهَ , أنَّ الخَريفَ تَغَيَّرَ فينا
- نَعَمْ, نَحْنُ أَوْراقُ هذا الصَّنَوْبَر , نَحْنُ التَّعَبوقَدْ خَفَّ , خارجَ أجسادِنا , كالنَّدى ..وَانْسَكَب
- نَوارِسَ بيضاءَ تبحثُ عن شُعَراءِ الْهَواجِس فيناوعَنْ دَمْعَةِ الْعَرَبيَّ الأَخيرةِ , صَحْراء... صَحْراء /
- ..... لَمْ يَبْقَ فِي صَوْتِنا طائِرٌ واحِدٌ لِلرَّحيلِ إلىسَمَرْقَنْدَ أَو غَيرها , فالزَّمانُ تَكَسَّرَ واللُّغَةُ انْكَسَرَتْ
- وهذا الهَواءُ الَّذي قد حَمَلْناهُ يَوْماً على كَتِفَيْنافمَنْ يَحْمِلُ الآنَ عِبْءَ الْقَصيدةَ عَنّا؟
- ولا صَوْتَ يَصْعَدُ , لا صَوْتَ يَهْبطُ , بَعْدَ قَليلسَنُفْرِغُ آخِر أًلفاظِنا في مَديحِ المكانِ ،وَبَعْدَ قليل
- سَنَرْنو إلى غَدِنا , خَلْفَنا , في حَريرِ الكَلامِ القَديموسَوْفَ نُشاهِدُ أحْلامَنا في الْمَمَرَّاتِ تَبْحَثُ عَنّا
- وعَنْ نَسْرِ أَعْلامِنا السُّود..../صَحْراءُ للصَّوْتِ , صَحْراءُ لِلصَّمْتِ , صحراءُ لِلْعَبَثِ الأَبَدِيّ
- لِلَوْحِ الشَّرائِع صَحْراءُ للكُتُبِ المَدْرَسيَّةِ , للأَنبِياءِ وللعُلَماءْلشيكسبيرَ العَرَبِيُّ الأَخَيرُ : أَنا العَرَبِيُّ الّذي لَمْ يَكُنْ
- أَنا العَرَبِيُّ الَّذي لَمْ يَكُنْقُلِ الآنَ إنَّكَ أَخْطَأْتَ , أَو لا تَقُلْ
- فَلَنْ يَسْمَعَ المَيِّتونَ اعْتِذارَكَ منهم , ولَنْ يَقْرَؤوامَجَلاٌتِ قاتِلِهمْ كَيْ يَرَوْنَ , ولن يَرْجِعوا
- إلى الْبصْرةِ الأَبَديَّةِ كَيْ يَعْرِفوا ما صَنَعْتبأُمِّكَ , حِينَ انْتَبَهْتَ إلى زُرْقَةِ الْبَحَر..../
- ....قُلْ إنَّنا لَمْ نُسافِرْ لِنَرْجِعَ .... أَوْ لا تَقُلْ سفإنَّ الكلامَ النِّهائِيَّ قيل لأُمِّكَ , باسْمِك :
- أَعِنْدَكَ ما يُثْبِتُ الآنَ أَنَّكِ أُمِّي الوَحيدَة؟وَإن كانَ لا بُدَّ من عَصْرِنا , فَلْيَكُنْ مَقْبَرَةْ
- كَما هُوَ , لا مِثْلَما تَتَجَلّى سُدُومُ الجَديدَةوَلَنْ يَغْفِرَ المَيِّتونَ لِمَنْ وَقَفوا , مِثْلَنا ’ حائِرين
- على حافَّةِ الْبِئْر : هَلْ يُوسُفُ السُّومَرِيُّ أَخُوناأَخُونا الْجَميلُ , لنَخْطَفَ مِنْهُ كَواكبَ هذا المساءِ الْجَميل ؟
- وإن كانَ لا بُدَّ من قَتْلِهِ , فَيَكُنْ قَيْصَرٌهُوَ الشَّمْسُ فَوْقَ الْعِراقِ الْقَتيل !
- سَأْولَدُ مِنْكَ وَتُولَدُ مِنّي . رُوَيْداً رُوَيْداً سَأَخْلَعُ عَنْكأصابعَ مَوْتايَ , أَزْرارَ قُمْصانهمْ , وبِطاقاتِ ميلادِهِمْ
- وتخلعُ عنِّي رَسائلَ مَوْتاكَ لِلْقُدْسِ ’ ثُمَّ نُنَظَّفُ نظَّارَتَيْنامن الدَّمِ ’ يا صاحِبي ’ كَيْ نُعيدَ قِراءَةَ كافْكا
- ونَفْتَحَ نافِذَتَيْنِ على شارعِ الظِّلّ.../....في داخِلي خارجي . لا تُصَدِّقْ دُخانَ الشِّتاءِ كثيراً
- فعمّا قليلٍ سَيَخْرُجُ إِبْريلُ مِن نَوْمِنا خارِجي داخليفلا تَكْتَرِثْ بِالتَّماثيلِ ... سَوْفَ تطَرزُ بِنْتُ عِراقيَّةٌ ثَوْبَها
- بأَوَّلِ زَهْرَةِ لَوْزٍ , وتَكْتُبُ أَوَّلَ حَرْفٍ من اسْمِكعلى طَرَفِ السَّهْمِ فَوْقَ اسْمِها......
- في مَهَبَّ الْعِراق
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.