قصيدة
شتاء ريتا
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 75 بيتاً
- ريتا تُرَتِّبُ لَيْلَ غُرْفَتنا : قَليلْ هذا النَّبيذُوهذه الأزْهاُر أَكبَرُ مِنْ سَريري
- فافْتَحْ لَها الشُّبَّاكَ كَي يَتَعَطَّرَ اللَّيلُ الجَميلُضَعْ ههُنا قَمَراً على الكُرْسِيّ
- ضَعْ فوق البُحَيْرَةَحَوْلَ مِنْديلي ليَرْتَفع الْنَّخيلُ أَعْلى وأَعْلى
- هل لَبسْتَ سِواي ؟ هَلْ سكَنَتْكَ إمْرَأةٌلِتُجْهِشَ كُلَّما الْتفّتْ على جِذعي فُروعُكَ ؟
- حُكّ لي قَدَمي وحُكّ دَمي لِنَعْرفَ ماتُخَلِّفُهُ العُواصِفُ والسّيولُ
- مِنّي ومِنك....تَنامُ ريتا في حَديقَة جِسْمِها
- توتُ السَّياجِ على أَظافِرها يضيءُالمِلْحَ في جَسَدي . أُحبّك
- نامَ عُصْفورانِ تحت يَدَيّ....نامَتْ مَوْجةُ القَمْحِ النبيل على تَنَفُّسها البطيءِ
- وَ وَرْدَةٌ حَمْراءُ نامَتْ في المَمَرِّونامَ لَيْلٌ لا يَطولُ
- والبَحْرُ نامَ أمامَ نافِذَتي على إيقاعِ ريتايَعْلو ويَهْبِطْ في أَشِعَّة صدْرِها العاري
- فَنامي بَيْني وبَيْنَكِلا تُغَطِّي عَتْمَةَ الذَّهَبِ العَميقَةَ بَيْنَنَا
- نامي يَداً حَوْلَ الصِّدىويَداً تُبَعْثِرُ عُزْلَة الغابات
- نامي بين القميص الفُسْتُقيِّ ومَقْعَدِ اللَّيْموننامي فَرَساً على رايات ليلة عُرْسِها....
- هَدَأ الصَّهيلُهَدَأت خَلايا النَّحْلِ في دَمنا
- فَهَلْ كانَتْ هُنا ريتاوهَلْ كُنَّا مَعا ؟
- ... ريتا سَتَرْحَلُ بَعْدَ ساعاتٍ وتَتْرُكُ ظِلَّهازَنْزَانَةٌ بَيْضاءَ . أين سَنَلْتقي ؟
- سَألَتْ يَدَيْها ، فالْتفتّ إلى البَعيدالبَحْرُ خَلْفَ البابِ ، والصَّحراءُ خَلْفَ البَحْرِ
- قَبِّلْني على شَفَتَيَّ قالتْقُلْتُ : يا ريتا أأرْحَلْ من جَديد
- مادامَ لي عِنبٌ وذاكِرَةٌ ، وتَتْرُكُني الفُصولُبينَ الإشارَة والعِبارَة هاجِساً ؟
- ماذا تَقولُ ؟لا شَيْءَ يا ريتا ، أَقلِّدُ فارِساً في أغنية
- عن لَعْنَةِ الحُبِّ المُحاصَرِ بالمَرايا....عَنّي ؟
- وعن حُلُمَيْن فَوْق وسادَةٍ يَتَقاطعانِ ويهربانفَواحِدٌ يستل سكيناً وآخرُ يودِعُ النَّاي الوَصايا
- لا أَدْركُ المَعْنى ، تقولُو لا أنا ، لُغتي شظايا
- كغيابِ إمْرَأةٍ عن المَعْنى ،وتَنْتحِرُ الخْيولُ في آخِر المَيْدان....
- ريتا تَحْتسي شايَ الصَّباحِوتُقَشِّرُ التُّفاحة الأُولى بعشر زنابقٍ
- وتقول لي:لا تقرأ الآن الجريدة ، فالُّطبول هي الطُّبولُ
- والحَرْبُ لَيْسَتْ مِهْنَتي . وأَنا أَنا . هَلْ أَنتَ أَنتَ ؟أَنا هُوَ
- هو مَنْ رآكِ غَزالةً ترمي لآلئَها عَلَيْههُوَ مَنْ رَأى شَهَواتِهِ تَجْري وَراءَك كالغَدير
- هُوَ مَنْ رَآنا تائهَيْن تَوَحَّدا فَوْقَ السَّريروتَباعَدا كَتَحيَّة الْغُرباء في الْميناءِ
- يأْخُذُنا الرَّحيلُ في ريحِهَ وَرَقاًأمام فَنادِق الْغُرَباء
- مثلَ رسائلٍ قُرِئَتْ على عَجَلٍأَتأَخُذُني مَعَكْ ؟
- فَأكونَ خاتم قَلْبكَ الْحافي ، أتأْخُذُني مَعَكْفَأكونَ ثَوْبَكَ في بلادٍ أَنْجَبَتْكَ ... لتَصْرعَكْ
- وأكون تابوتا من النعناع يحمل مصرعكوتَكونَ لي حَيّاً ومَيْتاً
- ضاعَ يا ريتا الدِّليلُوالحُبُّ مِثْلُ المَوْتِ وَعَدٌ لا يُرَدُّ .. ولا يَزولُ
- ... ريتا تُعِدّ لِي النَّهارْحَجَلاً تَجمَّعَ حَوْلَ كَعْبِ حِذائها العالي:
- صَباحُ الخَيْرِ يا ريتاوغَيْماً أزْرَقاً للياسَمينَة تَحْتَ إبْطَيْها:
- صَباحُ الخَيْرِ يا ريتاوفاكِهَةً لضَوْء الفَجْرِ: يا ريتا صَباحُ الخَيْرِ
- يا ريتا أعيديني إلى جَسَدي لِتَهْدَأ لَحْظَةَإبَرُ الصَّنَوْبِر في دَمي المَهْجورِ بَعْدَك
- كُلَّما عانَقْتُ بُرَجَ العاجِ فرت من يَدَيّ يَمامتانقالت : سَأَرْجعُ عِنْدما تَتبَدِّلُ الأيَّامُ والأحْلامُ
- يا ريتا طويلُ هذا الشَّتاءُ ، ونَحنُ نَحنُفلا تقولي ما أقولُ أنا هي
- هِيَ مَنْ رَأتْكَ مُعلَّقاً فوق السَّياج ، فأنْزَلتك وضَمَّدتْكْوبِدَمْعها غَسَلَتْكَ ، انْتَشَرَتْ بسَوْسَنها عَلَيْكْ
- وَمَررْتَ بينَ سُيوفِ إخوتها ولَعْنَةِ أمِّها وأنا هِيَهل أنتَ أنتْ ؟
- .. تَقومُ ريتا عن رُكْبَتَيَّتَزُورُ زينَتَها ، وتَرْبُطُ شَعْرَها بفَراشةٍ فضيةٍ
- ذَيْلُ الحِصانِ يُداعبُ النمش المُبَعْثَرْكَرَذاذ ضَوْءٍ فوق الرُّخام الأْنْثَويِّ
- تُعيدُ ريتا زر القميصِ إلى القميصِ الخَرْدليَّ ... أأنتَ لي ؟لَك ، لو تَرَكْتِ الباب مَفْتوحاً على ماضِيّ ،
- لي ماضٍ أراهُ الآن يُولَدُ في غِيابِكِمن صَريرِ الوَقْتِ في مِفْتاح هذا البابِ
- لي ماضٍ أراهُ الآن يَجْلسُ قُرْبنا كالطَّاوِلةْلي رَغْوةُ الصَّابونِ
- والعَسَل المُمَلَّحُوالنَّدى
- والزَّنْجُبيلُولكَ الأيائلُ ،إنْ أرَدْتَ ، لَكَ الأيائلُ والسُّهولُ
- ولكَ الأَغاني ،إنْ أرَدْتَ، لكَ الأغاني والذُّهولُإني وُلدُتُ لكي أحبَّكْ
- فَرَساً تُرقّص غابَةً ، وتَشُقُّ في المرْجان غيْبَكْووُلدتُ سيِّدةً لسيِّدها ، فخُذْني كَي أَصُبَّكْ
- خَمْراً نهائيّاً لأشْفي مِنْك فيكَ ، وهات قلْبَكْإني وُلدْتُ لكي أحبَّكْ
- وتَرَكْتُ أُمِّي في المزامير القديمةِ تلْعنُ الدُّنْيا وشَعْبَكْوَوَجدْتُ حُرَّاس المَدينة يُطْعمون النَّار حُبَّكْ
- وإنا وُلدْتُ لكي أَحبَّكْريتا تُكسِّرُ جوْزَ أيَّامي ، فتَتَّسع الحُقولُ
- لي هذه الأرْضُ الصَّغيرةُ في غُرْفَةٌ في شارعٍفي الطَّابِقَ الأرضيَّ من مَبْنًى على جَبَلٍ
- يُطلُّ على هَواء البَحْرِ . لي قَمَرٌ نَبيذيٌ ولي حَجَرٌ صَقيلُلي حِصَّةٌ من مَشْهَدِ المَوْجِ المُسافِرِ في الغُيوم ، وحِصَّةُ
- من سفْرِ تَكْوينِ البدايةِ و سِفْرِ أيّوبٍ ، وَمنْ عيد الحصادِوحِصَّةٌ مما ملكْتُ ، وحصَّةٌ من خُبْز أُمي
- لي حِصَّةٌ من سَوْسَنِ الودْيانِ في أشعار عُشَّاقٍ قُدامىلي حصَّةٌ من حِكْمةِ العُشَّاق : يَعْشقُ وَجْهَ قاتِلهِ القتيلُ
- لَو تَعْبُرين النَّهْرَ يا ريتاوأين النَّهْرُ ، قالَتْ....
- قُلْتُ فيك وفيّ نهرٌ واحدوأنا أسيلُ دَماً وذاكرَةً أسيلُ
- لمْ يَتْرُك الحُرَّاس لي باباً لأدخل فاتَّكأتُ على الأفُقْوَنَظرُتُ تَحْتَ
- نظرتُ فوْقَنَظرْتُ حَوْلَ
- فلَمْ أجِدْأفقاً لأنْظُرَ ، لَمْ أَجِدْ في الضوء إلا نظرتي
- تَرْتَدُّ نَحْوي . قُلتُ عُودي مَرَّةً أُخْرى إليَّ ، فَقْدَ أَرىأَحَداً يُحَاوِلُ أنْ يَرَى أُفُقاً يُرَمِّمُهُ رَسولُ
- بِرِسالةٍ من لَفْظَتَيْن صَغيرَتَيْن : أنا ، وأنتِفَرَحٌ صَغيرٌ في سَريرٍ ضيِّقٍ ... فَرَحٌ ضَئيلُ
- لَمْ يَقْتُلونا بَعْدُ ، يا ريتا ، ويا ريتا .. ثَقيلُهذا الشِّتاءُ وبارِدٌ
- ... ريتا تُغنِّي وَحْدهالبريدِ غُرْبتها الشَّماليِّ البَعيد : تَرَكْتُ أَمّي وَحْدَها
- قُرْبَ البُحَيْرةِ وحْدَها ، تَبْكي طُفولتَي البعيدَةَ بَعْدَهافي كُلَّ أُمْسيةٍ تَنامُ ضَفيرَتي الصَّغيرةِ عندَها
- أمي ، كَسرْتُ طُفولتي وخَرجْتُ إمْرَأةً تربّي نَهْدَهابِفم الحَبيب . تدورُ ريتا حَوْلَ ريتا وَحْدَها:
- لا أرْضَ للجسَدَيْن في جَسَدٍ ، ولا مَنْفىً لمَنْفَىفي هذه الغُرَف الصَّغيرَة ، والخُروجُ هو الدُّخولُ
- عَبَثاً نُغَنِّي بينَ هاويَتَيْن ، فَلْنَرْحَلْ ليَتَّضح السَّبيلُلا أسْتَطيعُ ، ولا أنا ، كانَتْ تَقولُ ولا تَقولُ
- وتُهَدئُ الأفْراسَ في دَمها : أمِنْ أرْضٍ بعيدَةْتأتي السُّنونو ، يا غَريبُ ويا حَبيبُ ، إلى حديقتك الوَحيدَة ؟
- خُذْني إلى أرْضٍ بَعيدَةخُذْني إلى الأرْض البَعيدة ، أجْهَشَتْ ريتا : طويلُ هذا الشَّتاءُ
- وكَسَّرتْ خَزَف النَّهار على حَديد النَّافِذَةوَضَعتْ مُسدَّسَها الصَّغير على مُسَوَّدَة القَصيدَةْ
- وَرَمَتْ جَواربها على الكُرْسيِّ فَانْكسَرَ الْهديلُومَضَتء إلى المَجْهول حَافيةً ، وأدْرَكَني الرَّحيلُ
طول القصيدة
- 1
- 2
- 4
- 6
- 9
- 14
- 19
- 29
- 49
- 79
- 516
75 بيتاً. شريحتها 3.9% من المتن، ودونها 95.1%.
المقام: 54,927 قصيدة، والتغطية 100%. الرقم تحت كل عمود أعلى شريحته، وعدد الأبيات الموسوم يطابق عدّ الأبيات المخزّنة في كل قصيدة.
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.