قصيدة

سنختارُ سوفوكليس

محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 58 بيتاً

  1. إذا كانَ هذا الخَريفُ الْخَريفَ النِّهائيَّ، فَلنَعْتَذِرْعَنِ الْمَدِّ والْجَزْرِ في الْبَحْرِ والْذِّكْرَياتِ.. وَعَمَّا صَنَعْنا
  2. بإخْوَتِنا قَبْلَ عَصْرِ النُّحاسِ: جَرَحْنا كثيراً مِنَ الكائناتِبأسْلِحَةٍ صُنَعَتْ مِنْ هَياكلِ إخْوتِنا كَي نَكونْ
  3. سُلاَلَتَهُمْ قُرْبَ ماءِ الْيَنابيعِ, ولْنَعْتَذِرْلأَهْلِ الغَزالةِ عَمّا صَنعْنا بِها قُرْبَ ماءِ الْينابيع، حِين
  4. تَدَفَّقَ خَيْطٌ مِنَ الأَرْجُوانِ على الماءِ، لم نَنْتَبِهْ أَنَّهُ دَمُنايُؤرِّخُ سِيْرتَنا في شَقائِقِ هذا المَكانِ الْجَميلْ
  5. وإنْ كانَ هذا الْخَريفُ الْخَريفَ النِّهائيَّ، فلْنتَّحِدْ بالسُّحُبْلنُمْطِرَ مِنْ أَجْلِ هذا النَّباتِ المُعَلَّقِ فَوقَ أَناشيدِنا
  6. لِنُمْطِرَ فَوْقَ جُذوعِ الأساطيرِ والأْمَّهاتِ اللَّواتي وَقَفْنَعلى أوَّلِ العُمْرِ كَي يَسْتَعِدْنَ حِكايَتَنا مِنْ رُواةٍ
  7. أطالوا عليها فُصولَ الرَّحيلْأما كَانَ في وُسْعِنا أَنْ نُعَدِّلَ فَصْلَ الرَّحيلِ قَليلا
  8. ليَهْدَأَ فينا صُراخُ النَّخيل؟وُلِدْنا هُناكَ على خَيْلنا, وَاُحْتَرَقْنا بشَمْسِ أَريحا القَديمَةْ
  9. رَفَعْنا سُقوفَ البُيوتِ ليَرْتَديَ الظلُّ أَجْسادنا, واحْتَفَلْنابعيدِ الكُرومِ وعَيدِ الشَّعيرِ, وزَيَّنتِ الأَرضُ أَسْماءَنا
  10. بِسَوْسنِها واُسْمِها. وصَقَلْنا حِجارتَنا كَي تَرِقَّ ...تَرِقَّعلى مَهَلٍ في بُيوتٍ يُلَمِّعُها الضَّوْءُ والْبُرْتُقالُ، وَكُنَّا
  11. نُعَلِّقُ أَيامَنا في مَفاتيح مِنْ مَنْ خَشبِ السَّروِ. كُنَّا نَعيشُعلى مَهَلٍ, كانَ لِلْعُمْرِ طَعْمُ الْفُرقِ الصَّغيرةَ بَيْنَ الْفُصول
  12. وإنْ كانَ هذا الخرَيفُ الخَريفَ النِّهائيَّ، فَلْنَبْتَعِدْ عَنْسَماءِ الْمنافي وَعَنْ شَجَر الآخرينَ. كَبِرْنا قَليلاً
  13. ولَم نَنتْبِهْ للتَّجاعيدِ في نَبْرَة النَّايِ.. طالَ الطَّريقولم نَعْتَرِفْ أَننَّا سائِرونَ على دَرْبِ قَيصَرَ. لَمْ نَنْتَبِهْ لِلْقَصيدَة
  14. وقد أَفْرَغَتْ أَهْلَها مِنْ عَواطِفِهمْ كَيْ تُوَسِّعَ شُطْآنهاوَتَنْصِبَ خَيْمَتَنا حَثْثُ أَلْقَتْ بِنا الحَرْبُ بَينَ أَثينا وفارِسْ
  15. وبَيْنَ الْعِراقِ وَمصْر وَنَحْنُ نُحِبُّ الْمَحاريثَ أَكْثَرَ مِمَّانُحِبُّ السُّيوفَ، نُحِبُّ هَواءَ الْخَريْفِ، ونُحِبُّ الْمطَرْ
  16. نُحِبُّ الطَّبيعَةَ عاشقَةً في تقاليدِ آلِهَةٍ وُلدَتْ بَيْنَنالِتَحْمِيَنَا مِنْ رِياحِ الْجَفافِ وخَيْلِ الْعَدُوَّ الَّذي نَجْهَلُهْ
  17. ولكنَّ أبوابَنا بين مصرَ وبابلَ مفتوحةٌ للحروبِومَفْتوحةٌ لِلرَّحيلْ
  18. ..وإنْ كان هذا الخريفُ الخَريفَ النِّهائِيَّ, فَلْنَخْتَصِرْمَدائِحَنا لِلأواني الْقَديمَةِ، حَيثُ حَفَرْنا علَيْها مَزاميرَنا
  19. فَقَدْ حَفَرَ الآخَرون على ما حَفَرْنا مزاميرَ أَخْرىولَمْ تَنكَسرْ بَعْدُ. تَصعَدُ فَوْقَ الدُّروعِ القَديمَةِ خُبيَّزَةٌ
  20. لِتُخْفِي أَزْهارُها الحُمْرُ ما صَنَعَ السَّيْفُ بالاسم. آثارُنَاسَتَخْضَرُّ منها الظِّلالُ إذا ما اُسْتَطَعْنا الْوُصولْ
  21. إلى أُمِّنا, في نِهايَةِ هذا الْمَمَرِّ الطِّويللَنا ما لنا كُلُّ شَيءٍ لَنا: مُفْرَداتُ الْوَداع
  22. تُعِدُّ لَنا طَقْسَ زينَتِها.. كُلُّ مُفْرَدَةٍ إِمْرَأةْعلى الْبابِ تَحْرُسُ رَجْعَ الصَّدى كلُّ مُفْرَدَةٍ شَجَرَةْ
  23. تُطِلُّ على بُقَعِ الغَيْمِ في السَّاحَةِ الخاليَةْتُطِلُّ على ظِلِّها فَوقَ ريشِ الهْديل..
  24. لَنا ما لَنا. كُلُ شيءٍ هُناكَ لَنا.. أَمْسُنَايُرَتِّبُ أحْلامَنا, صُورَةً صورةً، ويُهَذِّبُ أيَّامَنَا
  25. وأيَّامَ إِخْوَتنا السّابقين، وأَيَّام أَعْدائِنا السَّابِقينْ،وَنَحْنُ الَّذينَ اُحْتَرَقْنا بشَمْسِ الْبلادِ الْبَعيدةِ، نَحْنُ الَّذينْ
  26. نَجيءُ إلى أوَّلِ الأَرضِ كَيْ نَسْلُكَ الطُّرُق السابقةوكي نَملِكَ الوَرْدَةَ السَّابقَة
  27. وكَي نَنْطِقَ اللُّغَةَ السَّابِقَةسَنَخْتارُ "سوفوكلَ" قَبْلَ "اُمْرِئِ ألقيس"، مَهْما
  28. تَغَيَّرَ تِينُ الرُّعاةِ, وصَلَّى لِقَيْصَرَ إخْوَتُنا السَّابقونوأَعْداؤُنا السَّابقونَ مَعاً في احتفالِ الظَّلام
  29. ومَهْما تَغَيَّرَ دِينُ الرُّواةِ, فلا بُدَّ مِنْ شاعرٍيُفَتِّشُ عَنْ طائِرٍ في الزِّحامِ ليَخْدِشَ وَجْهَ الرُّخامْ
  30. ويفتَحَ فَوْقَ السُّفوحِ مَمَرات آلِهةٍ عَبَرتْ مِنْ هُنالِتَنْشُرَ أَرْضَ. لا بُدَّ مِنْ ذَاكِرَة
  31. لِنَنْسى ونَغْفِر حِيْنَ يَحُلُّ السَّلامُ النِّهائيُّ مَا بَيْنَناوَبَيْنَ الغزالَةِ والذِّئْبِ، لا بُدَّ مِنْ ذاكرة
  32. لِنَخْتارَ "سوفوكل" في آخِرِ الأَمرِ هذا الصَّهيل..لَنا في الخَريفِ قَصيدةُ حُبِّ.. قَصيدةُ حُبِّ قَصيرَة
  33. تَدورُ بِنا الرَّيحُ، يا حُبُّ، نَسْقُطُ قُرْبَ الْبُحَيْرَةِ أَسرىنُداوي الْهواءَ الْمَريضَ، نَهُزُّ الغُصونَ لِنَسْمَعَ نَبْضَ الْهَواء
  34. نُخَفِّفُ طَقْسَ الْعِبادةَ, نَتْرُكُ آلهةً للشُّعوبِ على الشَّاطِئَيْنونَحْمِلُ أَصْغَرَها مَعَ زادِ الطريق، وَنَحْمِلُ هذا الطَّريقَ .. وَنَمْشِي
  35. وَعِنْدَ الْينابيعِ نَقْرأْ آثارَنا: هَل مَرَرْنا هُنا؟وهَلْ نَحْنُ أصْحابُ هذا الزُّجاجِ المُلَوَّنِ.. هَلْ نحنُ نحنُ؟
  36. سَنَعْرِفُ ما صنعَ السَّيْفُ بالاسم عمَّا قليلفَيا حُبُ أَبْقِ لَنا ما لَنا ..مِنْ هَواءِ الْحُقولْ..
  37. قَصيدَةُ حُبِّ لَنا في الْخَريفِ, قَصيدةَ حُبِّ أخيرَةوَلم نَسْتَطِعْ أَنْ نُقَصِّرَ عُمْرَ الطَّريقِ, ولكنَّ أَعْمارَنَا
  38. تُطارِدُنا كَيْ نَحُثَّ خُطانا إلى أول الْحُبِّ، يا حُبُّ كُنّاثَعالِبَ ذاكَ السِّياجِ وَبابونِجَ السَّهلَ. كُنَّا نَرى ما نُحِسُّ
  39. وَكُنَّا نَدُقُّ على جَرَسِ الْوَقْتِ بُنْدُقنا كان فينا طَرِيقٌوَحيدٌ إلى السَّاحَةِ الْقَمَريَّةِ, وَاللَّيْلُ لا لَيْلَ فيهِ
  40. سِوى ثَمَر التُّوتِ, كانَ لنَا قَمَرٌ واحِدٌ في الْكَلاموكُنَّا رُواة الحِكايَةِ قَبْلَ وُصولِ الغُزاةِ إلى غَدِنا..
  41. فَيا لَيْتَنا شَجَرٌ في الأَغاني لِنُصْبحَ باباً لِكُوخٍ, وسَقْفاًلِبيْتٍ, وَطاولَةً لِعَشاءِ الْمُحِبِّينَ, أوْ مَقْعَداً لِلظَّهيرة
  42. ويا حُبُّ أَبْقِ عَلَيْنا قليلاً لِنَغْزِلَ ثَوْبَ السَّرابِ الْجَميلْيُسامِرُنا ظِلُّنا في الْجنوب، وتَعْوي إِناثُ الْوُحوشْ
  43. على قَمَرٍ أَحْمَرٍ فَوْقَنَا. سَوْف نَلْمُسُ خُبْزَ الرُّعاهْونَلْبِسُ كَتَّانَ أَثْوابِهِمْ كَيْ نُفاجِئَ أَنْفُسَنا..
  44. تِلكَ أَيَّامُنَاتَمُرُّ, قُبالَتنا, في اُنْتِظامٍ بطيءِ الْخُطى..
  45. تِلك أَيَّامُناتَمُرُّ على عَرَباتِ الْجْنودِ وَتَرْمِي تَحِيَّتَها لِلسُّفوحِ الْخَفيفَهْ
  46. "سلاماً على أَرضِ كَنْعانَ، أَرْضِ الْغَزالَةِ، والأْرْجُوان"وأيَّامنا تلك..
  47. تَنْسَلُّ خَيْطاً وخَيْطاً, ونَحْنُ الَّذيننَسَجْنا عَباءَة أَيَّامِنا لَمْ يَكُنْ للإلهَةِ دَوْرٌ
  48. سِوى أَنَّها سامَرَتْنا, وَصَبَّت لَنا خَمْرَها...تِلك أَيَّامُنا
  49. تُطِلُّ عَلَيْنا لنَعْطَش أَكْثَرَ.. لَمْ نَتَعرَّفْ على جُرحِنا فيزِحام الْجُروحِ الْقَديمَة، لكِنَّ هذا الْمكانَ – النَّزيفْ
  50. يُسَمَّى بأَسْمائِنا. لمْ نَكَنْ مُخْطِئينَ لأنَّا وُلدْنا هُناولا مُخْطِئينَ.. لأَنَّ غُزاةً كَثيرينَ هَبُّوا عَليْنا
  51. هُنا, وأَحَبُّوا مدائِحَنا للِنَّبيذ، أَحَبُّوا أَساطيرَناوفضَّةَ زَيْتوننا. لَمْ نكنْ مُخطِئينَ لأنَّ الْعَذارى
  52. على أَرْضِ كَنْعانَ عَلَّقْنَ فَوْقَ رُؤوس الْوعولسَراويلَهُنَّ, لِيَنْضَجَ تينُ الْبراري ويَكْبَرَ خَوْخُ الُّسهولْ،
  53. ولا مُخْطِئينَ.. لأنَّ رُواةً كَثيرينَ جاؤوا إلى أَبْجَديَّتِنالِكيْ يَصفوا أَرْضَنا , مِثلنا مِثلَنا , تلْكَ أَصْواتُنا
  54. وَأَصَواتُهُمْ تتَقاطعُ فَوْقَ التَّلالِ صَدىً واحداً للِصَّدىوَيخْتَلطِ النَّايُ في النَّاي، والرِّيحُ تَعْوي وتَعْوي سُدَى
  55. كأنَّ أَناشيدَنا في الْخَريفِ أَناشيدُهُمْ في الخَريفْكأَنَّ الْبلادَ تُلَقِّنُنا ما نَقول..
  56. ولكنَّ عِيدَ الشَّعيرِ لَنا, وَأَريحا لَنا, ولَناتَقاليدُنا فِي مَديحِ الْبيُوتِ وَتَرْبِيِةَ الْقَمْحِ والأُقْحُوان
  57. سَلاماً على أَرْضِ كَنْعانَ،أَرضِ الْغَزالَةِ،
  58. والارْجُوانْ

المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.