قصيدة
سنختارُ سوفوكليس
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 58 بيتاً
- إذا كانَ هذا الخَريفُ الْخَريفَ النِّهائيَّ، فَلنَعْتَذِرْعَنِ الْمَدِّ والْجَزْرِ في الْبَحْرِ والْذِّكْرَياتِ.. وَعَمَّا صَنَعْنا
- بإخْوَتِنا قَبْلَ عَصْرِ النُّحاسِ: جَرَحْنا كثيراً مِنَ الكائناتِبأسْلِحَةٍ صُنَعَتْ مِنْ هَياكلِ إخْوتِنا كَي نَكونْ
- سُلاَلَتَهُمْ قُرْبَ ماءِ الْيَنابيعِ, ولْنَعْتَذِرْلأَهْلِ الغَزالةِ عَمّا صَنعْنا بِها قُرْبَ ماءِ الْينابيع، حِين
- تَدَفَّقَ خَيْطٌ مِنَ الأَرْجُوانِ على الماءِ، لم نَنْتَبِهْ أَنَّهُ دَمُنايُؤرِّخُ سِيْرتَنا في شَقائِقِ هذا المَكانِ الْجَميلْ
- وإنْ كانَ هذا الْخَريفُ الْخَريفَ النِّهائيَّ، فلْنتَّحِدْ بالسُّحُبْلنُمْطِرَ مِنْ أَجْلِ هذا النَّباتِ المُعَلَّقِ فَوقَ أَناشيدِنا
- لِنُمْطِرَ فَوْقَ جُذوعِ الأساطيرِ والأْمَّهاتِ اللَّواتي وَقَفْنَعلى أوَّلِ العُمْرِ كَي يَسْتَعِدْنَ حِكايَتَنا مِنْ رُواةٍ
- أطالوا عليها فُصولَ الرَّحيلْأما كَانَ في وُسْعِنا أَنْ نُعَدِّلَ فَصْلَ الرَّحيلِ قَليلا
- ليَهْدَأَ فينا صُراخُ النَّخيل؟وُلِدْنا هُناكَ على خَيْلنا, وَاُحْتَرَقْنا بشَمْسِ أَريحا القَديمَةْ
- رَفَعْنا سُقوفَ البُيوتِ ليَرْتَديَ الظلُّ أَجْسادنا, واحْتَفَلْنابعيدِ الكُرومِ وعَيدِ الشَّعيرِ, وزَيَّنتِ الأَرضُ أَسْماءَنا
- بِسَوْسنِها واُسْمِها. وصَقَلْنا حِجارتَنا كَي تَرِقَّ ...تَرِقَّعلى مَهَلٍ في بُيوتٍ يُلَمِّعُها الضَّوْءُ والْبُرْتُقالُ، وَكُنَّا
- نُعَلِّقُ أَيامَنا في مَفاتيح مِنْ مَنْ خَشبِ السَّروِ. كُنَّا نَعيشُعلى مَهَلٍ, كانَ لِلْعُمْرِ طَعْمُ الْفُرقِ الصَّغيرةَ بَيْنَ الْفُصول
- وإنْ كانَ هذا الخرَيفُ الخَريفَ النِّهائيَّ، فَلْنَبْتَعِدْ عَنْسَماءِ الْمنافي وَعَنْ شَجَر الآخرينَ. كَبِرْنا قَليلاً
- ولَم نَنتْبِهْ للتَّجاعيدِ في نَبْرَة النَّايِ.. طالَ الطَّريقولم نَعْتَرِفْ أَننَّا سائِرونَ على دَرْبِ قَيصَرَ. لَمْ نَنْتَبِهْ لِلْقَصيدَة
- وقد أَفْرَغَتْ أَهْلَها مِنْ عَواطِفِهمْ كَيْ تُوَسِّعَ شُطْآنهاوَتَنْصِبَ خَيْمَتَنا حَثْثُ أَلْقَتْ بِنا الحَرْبُ بَينَ أَثينا وفارِسْ
- وبَيْنَ الْعِراقِ وَمصْر وَنَحْنُ نُحِبُّ الْمَحاريثَ أَكْثَرَ مِمَّانُحِبُّ السُّيوفَ، نُحِبُّ هَواءَ الْخَريْفِ، ونُحِبُّ الْمطَرْ
- نُحِبُّ الطَّبيعَةَ عاشقَةً في تقاليدِ آلِهَةٍ وُلدَتْ بَيْنَنالِتَحْمِيَنَا مِنْ رِياحِ الْجَفافِ وخَيْلِ الْعَدُوَّ الَّذي نَجْهَلُهْ
- ولكنَّ أبوابَنا بين مصرَ وبابلَ مفتوحةٌ للحروبِومَفْتوحةٌ لِلرَّحيلْ
- ..وإنْ كان هذا الخريفُ الخَريفَ النِّهائِيَّ, فَلْنَخْتَصِرْمَدائِحَنا لِلأواني الْقَديمَةِ، حَيثُ حَفَرْنا علَيْها مَزاميرَنا
- فَقَدْ حَفَرَ الآخَرون على ما حَفَرْنا مزاميرَ أَخْرىولَمْ تَنكَسرْ بَعْدُ. تَصعَدُ فَوْقَ الدُّروعِ القَديمَةِ خُبيَّزَةٌ
- لِتُخْفِي أَزْهارُها الحُمْرُ ما صَنَعَ السَّيْفُ بالاسم. آثارُنَاسَتَخْضَرُّ منها الظِّلالُ إذا ما اُسْتَطَعْنا الْوُصولْ
- إلى أُمِّنا, في نِهايَةِ هذا الْمَمَرِّ الطِّويللَنا ما لنا كُلُّ شَيءٍ لَنا: مُفْرَداتُ الْوَداع
- تُعِدُّ لَنا طَقْسَ زينَتِها.. كُلُّ مُفْرَدَةٍ إِمْرَأةْعلى الْبابِ تَحْرُسُ رَجْعَ الصَّدى كلُّ مُفْرَدَةٍ شَجَرَةْ
- تُطِلُّ على بُقَعِ الغَيْمِ في السَّاحَةِ الخاليَةْتُطِلُّ على ظِلِّها فَوقَ ريشِ الهْديل..
- لَنا ما لَنا. كُلُ شيءٍ هُناكَ لَنا.. أَمْسُنَايُرَتِّبُ أحْلامَنا, صُورَةً صورةً، ويُهَذِّبُ أيَّامَنَا
- وأيَّامَ إِخْوَتنا السّابقين، وأَيَّام أَعْدائِنا السَّابِقينْ،وَنَحْنُ الَّذينَ اُحْتَرَقْنا بشَمْسِ الْبلادِ الْبَعيدةِ، نَحْنُ الَّذينْ
- نَجيءُ إلى أوَّلِ الأَرضِ كَيْ نَسْلُكَ الطُّرُق السابقةوكي نَملِكَ الوَرْدَةَ السَّابقَة
- وكَي نَنْطِقَ اللُّغَةَ السَّابِقَةسَنَخْتارُ "سوفوكلَ" قَبْلَ "اُمْرِئِ ألقيس"، مَهْما
- تَغَيَّرَ تِينُ الرُّعاةِ, وصَلَّى لِقَيْصَرَ إخْوَتُنا السَّابقونوأَعْداؤُنا السَّابقونَ مَعاً في احتفالِ الظَّلام
- ومَهْما تَغَيَّرَ دِينُ الرُّواةِ, فلا بُدَّ مِنْ شاعرٍيُفَتِّشُ عَنْ طائِرٍ في الزِّحامِ ليَخْدِشَ وَجْهَ الرُّخامْ
- ويفتَحَ فَوْقَ السُّفوحِ مَمَرات آلِهةٍ عَبَرتْ مِنْ هُنالِتَنْشُرَ أَرْضَ. لا بُدَّ مِنْ ذَاكِرَة
- لِنَنْسى ونَغْفِر حِيْنَ يَحُلُّ السَّلامُ النِّهائيُّ مَا بَيْنَناوَبَيْنَ الغزالَةِ والذِّئْبِ، لا بُدَّ مِنْ ذاكرة
- لِنَخْتارَ "سوفوكل" في آخِرِ الأَمرِ هذا الصَّهيل..لَنا في الخَريفِ قَصيدةُ حُبِّ.. قَصيدةُ حُبِّ قَصيرَة
- تَدورُ بِنا الرَّيحُ، يا حُبُّ، نَسْقُطُ قُرْبَ الْبُحَيْرَةِ أَسرىنُداوي الْهواءَ الْمَريضَ، نَهُزُّ الغُصونَ لِنَسْمَعَ نَبْضَ الْهَواء
- نُخَفِّفُ طَقْسَ الْعِبادةَ, نَتْرُكُ آلهةً للشُّعوبِ على الشَّاطِئَيْنونَحْمِلُ أَصْغَرَها مَعَ زادِ الطريق، وَنَحْمِلُ هذا الطَّريقَ .. وَنَمْشِي
- وَعِنْدَ الْينابيعِ نَقْرأْ آثارَنا: هَل مَرَرْنا هُنا؟وهَلْ نَحْنُ أصْحابُ هذا الزُّجاجِ المُلَوَّنِ.. هَلْ نحنُ نحنُ؟
- سَنَعْرِفُ ما صنعَ السَّيْفُ بالاسم عمَّا قليلفَيا حُبُ أَبْقِ لَنا ما لَنا ..مِنْ هَواءِ الْحُقولْ..
- قَصيدَةُ حُبِّ لَنا في الْخَريفِ, قَصيدةَ حُبِّ أخيرَةوَلم نَسْتَطِعْ أَنْ نُقَصِّرَ عُمْرَ الطَّريقِ, ولكنَّ أَعْمارَنَا
- تُطارِدُنا كَيْ نَحُثَّ خُطانا إلى أول الْحُبِّ، يا حُبُّ كُنّاثَعالِبَ ذاكَ السِّياجِ وَبابونِجَ السَّهلَ. كُنَّا نَرى ما نُحِسُّ
- وَكُنَّا نَدُقُّ على جَرَسِ الْوَقْتِ بُنْدُقنا كان فينا طَرِيقٌوَحيدٌ إلى السَّاحَةِ الْقَمَريَّةِ, وَاللَّيْلُ لا لَيْلَ فيهِ
- سِوى ثَمَر التُّوتِ, كانَ لنَا قَمَرٌ واحِدٌ في الْكَلاموكُنَّا رُواة الحِكايَةِ قَبْلَ وُصولِ الغُزاةِ إلى غَدِنا..
- فَيا لَيْتَنا شَجَرٌ في الأَغاني لِنُصْبحَ باباً لِكُوخٍ, وسَقْفاًلِبيْتٍ, وَطاولَةً لِعَشاءِ الْمُحِبِّينَ, أوْ مَقْعَداً لِلظَّهيرة
- ويا حُبُّ أَبْقِ عَلَيْنا قليلاً لِنَغْزِلَ ثَوْبَ السَّرابِ الْجَميلْيُسامِرُنا ظِلُّنا في الْجنوب، وتَعْوي إِناثُ الْوُحوشْ
- على قَمَرٍ أَحْمَرٍ فَوْقَنَا. سَوْف نَلْمُسُ خُبْزَ الرُّعاهْونَلْبِسُ كَتَّانَ أَثْوابِهِمْ كَيْ نُفاجِئَ أَنْفُسَنا..
- تِلكَ أَيَّامُنَاتَمُرُّ, قُبالَتنا, في اُنْتِظامٍ بطيءِ الْخُطى..
- تِلك أَيَّامُناتَمُرُّ على عَرَباتِ الْجْنودِ وَتَرْمِي تَحِيَّتَها لِلسُّفوحِ الْخَفيفَهْ
- "سلاماً على أَرضِ كَنْعانَ، أَرْضِ الْغَزالَةِ، والأْرْجُوان"وأيَّامنا تلك..
- تَنْسَلُّ خَيْطاً وخَيْطاً, ونَحْنُ الَّذيننَسَجْنا عَباءَة أَيَّامِنا لَمْ يَكُنْ للإلهَةِ دَوْرٌ
- سِوى أَنَّها سامَرَتْنا, وَصَبَّت لَنا خَمْرَها...تِلك أَيَّامُنا
- تُطِلُّ عَلَيْنا لنَعْطَش أَكْثَرَ.. لَمْ نَتَعرَّفْ على جُرحِنا فيزِحام الْجُروحِ الْقَديمَة، لكِنَّ هذا الْمكانَ – النَّزيفْ
- يُسَمَّى بأَسْمائِنا. لمْ نَكَنْ مُخْطِئينَ لأنَّا وُلدْنا هُناولا مُخْطِئينَ.. لأَنَّ غُزاةً كَثيرينَ هَبُّوا عَليْنا
- هُنا, وأَحَبُّوا مدائِحَنا للِنَّبيذ، أَحَبُّوا أَساطيرَناوفضَّةَ زَيْتوننا. لَمْ نكنْ مُخطِئينَ لأنَّ الْعَذارى
- على أَرْضِ كَنْعانَ عَلَّقْنَ فَوْقَ رُؤوس الْوعولسَراويلَهُنَّ, لِيَنْضَجَ تينُ الْبراري ويَكْبَرَ خَوْخُ الُّسهولْ،
- ولا مُخْطِئينَ.. لأنَّ رُواةً كَثيرينَ جاؤوا إلى أَبْجَديَّتِنالِكيْ يَصفوا أَرْضَنا , مِثلنا مِثلَنا , تلْكَ أَصْواتُنا
- وَأَصَواتُهُمْ تتَقاطعُ فَوْقَ التَّلالِ صَدىً واحداً للِصَّدىوَيخْتَلطِ النَّايُ في النَّاي، والرِّيحُ تَعْوي وتَعْوي سُدَى
- كأنَّ أَناشيدَنا في الْخَريفِ أَناشيدُهُمْ في الخَريفْكأَنَّ الْبلادَ تُلَقِّنُنا ما نَقول..
- ولكنَّ عِيدَ الشَّعيرِ لَنا, وَأَريحا لَنا, ولَناتَقاليدُنا فِي مَديحِ الْبيُوتِ وَتَرْبِيِةَ الْقَمْحِ والأُقْحُوان
- سَلاماً على أَرْضِ كَنْعانَ،أَرضِ الْغَزالَةِ،
- والارْجُوانْ
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.