قصيدة
حجر كنعاني في البحر الميت
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 55 بيتاً
- لا بابَ يَفْتَحُهُ أمامي البَحرُ..قُلتُ: قَصيدتي
- حَجَرٌ يَطيرُ إلى أبي حَجَلاً. أتَعْلَمُ يا أَبيماحَلَّ بي? لا بابَ يُغْلقُهُ عَلَيَّ الْبحْرُ, لا
- مرْآة أكْسِرُها لِيْنتشرَ الطّريقُ حَصىً.. أَمامِيأو زَبَدْ...
- هل مِنْ أَحَدْ..يبكي على أحَدٍ لأحْمِلَ نَايَهُ
- عنْهُ, وأْظْهِرَ ماتَبطَّنَ مِنْ حُطَامِي?أنا مِن رُعاة الْملح في الأَغْوَارِ. يَنْقُرُ طائرٌ
- لُغتي, ويَبْني عُشَّ زُرْقَتِهِ المُبَعْثَرَ في خِيامي..هل مِنْ بَلَدْ
- يَنْسَلُّ منّي كي أراهُ, كما أُريدُ، وكَي يَرانيفي الشاطئ الْغرْبيِّ من نَفْسي على حَجَرِ الأبَدْ?
- هذا غيابُكَ كله شَجَرٌ, يُطلُّ عليكَ مَنك ومِنْ دُخانينامَتْ أريحا تَحْتَ نَخْلَتها القديمةِ, لَمْ أَجدْ
- أَحَداً يَهُزُّ سَريرَها: هَدأتْ قَوافلُهُم فَنامي..وَبَحثْتُ لاسْميْ عن أَبٍ لاسمي, فشَقَّنني عَصاً
- سحْريةٌ, قتْلاي أمْ رؤياي تَطْلُعُ منْ مَنامي?الأنْبياءُ جَميعُهُمْ أهْلي, ولكنَّ السَّماءَ بَعيدةٌ
- عَنْ أرْضها, وأنا بعيدٌ عَنْ كَلَامي..لا ريحَ تَرفَعُني إلى أعْلى من الماضي هُنَا
- لا ريحَ تَرفعُ موْجةً عن ملْح هذا البحْر, لاراياتِ للموْتى لكي يسْتسْلِمُوا فيها, ولا
- أصْوات للأحْياء كي يَتبادلوا خُطُب السَّلامِ..والْبحْرُ يَحْمِلُ ظلِّي الفضّيَّ عِندَ الْفَجْرِ، يُرْشدُني إلى
- كلماتي الأَولى لثدْي المرْأة الأُولى, ويَحْيا مَيِّتاًفي رَقْصة الوَثَنيِّ حول فَضائِهِ،
- ويَموتُ حَيّاً في ثُنائِيِّ القَصيدةِ والحُسامِ,مابيْنَ مصرَ وبينَ آسيا والشَّمالِ.. فَيا غَريبُ
- أوقفْ حِصانَكَ تَحْتَ نَخْلَتِنا! على طُرُق الشَّآمِيَتَبادَلُ الغُرَباءُ في ما بَيْنَهم خُوَذاً سَيَنْبُتُ فَوْقَها
- حَبَقٌ يُوَزِّعُهُ على الدُّنْيا حَمَامٌ قد يَهُبُّ من البُيُوتوالبحرُ مَات, من الرَّتابَة, في وصَايَا لا تَمُوتْ
- وأَنا أَنا, إنْ كنتَ أنتَ هُناك أنتَ, أنا الغَريبُعن نَخْلَةِ الصَّحْراءِ مُنْذُ وُلِدْتُ في هذا الزَّحَامِ
- وأنا أنا, حَرْبٌ عليَّ وفيَّ حَرْبٌ.. ياغريبُعَلِّقْ سِلاحَكَ فوقَ نَخلَتِنَا, لأزْرَعَ حِنْطَتِي
- في حَقْل كَنْعانَ المُقْدِّس.. خُذْ نبيذاً من جرَاريخُذْ صفحةً من سِفْر آلهَتي.. وقْسطاً من طَعَامِي
- وخُذِ الغَزالةَ من فِخاخ غنائنا الرَّعويّ, خُذْصَلواتِ كنْعانيَّة في عيد كَرْمَتِهَا, وخُذْ عَادَاتِنَا
- في الرِّيِّ, خُذْ منِّا دُرُوس البيْتِ. ضَعْحَجَراً من الآجُرِّ, وارْفع فَوقَهُ بُرْجَ الْحَمَام
- لتكونَ منّا إن أرَدْتَ, وجارَ حِنْطتِنَا وخُذْمنَّا نُجوم الأبْجديَّة, ياغَريبُ
- واكتُبْ رسالاتِ السَّماء مَعي إلَىخَوْفِ الشُّعوبِ من الطَّبيعَة والشَّعوبْ،
- وأتْرُك أَريحَا تحْت نَخلتها, ولاتَسْرقْ منامِيوَحليبَ امرأتي, وقُوتَ النَّمْل في جُرْحِ الرُّخامِ!
- أأتيْتَ... ثُمَّ قَتَلْتَ.. ثُمَّ وَرِثْتَ, كَييَزْدادَ هذا البحْرُ مِلْحاً?
- وأنا أنا أخضرُّ عاماً بعد عامٍ فوْقَ جِذْع السَّنديانِهذا أنا, وأنا أنا, هنا مَكاني في مَكاني
- والآن في الماضي أراكَ, كما أتيْت, ولا تَرَانِيوالآن في الماضي أُضيءُ لحاضِرِي
- غده.. فَينْأَى بي زَماني عَنْ مَكانيحيناً, ويَنْأَى بي مكاني عَنْ زَماني
- والأَنْبَياءُ جَميعُهُمْ أَهْلي, ولكِنَّ السَّماءَ بَعيدَةٌعَنْ أَرْضِها, وأَنا بَعيدٌ عن كَلامي
- والبَحْرُ يَنْزِلُ تَحْتَ سَطْحِ الْبحْر كَيْ تَطْفُو عِظاميشَجَراً. غيابي كُلُّهُ شَجرٌ. وبابي ظِلُّهُ
- قَمَرٌ. وكَنْعانيَّةٌ أُمِّي. وهَذا البَحْرُ جِسْرٌ ثابِتٌلِعُبورِ أَيَّامِ القيامَةِ يا أبي كَمْ مَرَّةً
- سَأَموتُ فوْقَ فِراش إِمْرَأَةِ الأَساطيرِ الَّتيتَختَارُهَا "آناثُ" لي، فَتَشُبُّ نارٌ في الْغَمامِ
- كَمْ مَرَّةً سَأَموتُ في نَعْناعِ أَحْواضي القَديمَةِ كُلَّمَافَرَكَتْهُ رِيحُ شَمالِكَ الْعالي رَسائِلَ من يمامِ؟
- هَذَا غَيابي سَيِّدٌ يَتْلُو شَرائِعَهَ علىأحْفادِ لُوطَ, ولا يَرى لِسَدومَ مَغْفِرَةً سِوَايْ
- هذا غِيابي سَيِّدٌ يَتْلو شَرائِعَهُ، ويَسْخَرُ من رُؤايْما قيمةُ الْمرْآةِ لِلْمرْآةِ ؟ لي وَجْهٌ عَليكَ, وأَنتَ لا
- تَصْحو منَ التَّاريخِ، لا تَمْحو بُخارَ الْبَحْرِ عَنْكْ..والْبَحْرُ, هذا الْبَحْرُ، أَصْغَرُ من خُرافَتِهِ وأَصْغَرُ مِنْ يَدَيْكْ
- هو بَرْزَخُ البلُّورِ, أَوَّلُهُ كآخِرِهِ، وَلاَ مَعْنًى هُنالِدخولِكَ اُلعبثِيِّ في أْسْطورَةٍ تَرَكَتْ جُيوشاً للرُّكَامِ
- لِيَمُرَّ جَيْشٌ آخَرٌ يَرْوي رِوايَتَهُ وَيَحْفِرَ لاِسْمِهِجَبَلاً، ويَأْتي ثالِثٌ ويَخُطُّ سِيْرَةَ زَوْجَةٍ خَانَتْ, ويَمْحُو رابعٌ
- أَسْماءَ مَنْ سَبَقوا هُنَاك لِكُلِّ جَيْشٍ شاعِرٌومُؤَرِّخٌ, ورَبابَةٌ لِلرَّاقصاتِ السَّاخِراتِ مِنَ الْبِدايَةِ والخِتامِ...
- سُدىً أُفَتِّشُ عَن غِيابي, فهو أَبْسَطُ من حَمِيرِالأَنْبِياء تَمُرُّ فَوقَ السَّفْحِ حامِلَةً سَماءً للأنامِ..
- والْبَحْرُ، هذا الْبَحْرُ, في مُتنَاوَل الأَيْدي سَأَمْشي فَوْقَهُوأَسُكُّ فِضَّتَهُ, وأَطْحَنُ مِلْحَهُ بِيَدَيَّ هَذا الْبَحْرُ لا
- يَحْتَلُّهُ أَحَدٌ. أَتى كِسْرَى وَفرْعَوْنٌ وقَيْصَرُ والنَّجاشيّوالآخَرُونَ, لِيَكْتُبُوا أَسْماءَهم, بيديْ، على ألْواحِهِ
- فَكَتَبْتُ: لاِسْمي الأَرْضُ، واُسْمُ الأرضِ آلِهةٌ تُشاركُني مَقَامِيفي الْمَقْعَدِ الْحَجَريِّ. لَمْ أَذَهَبْ ولَمْ أَرْجِعْ مَعَ الزَّمَنِ الهُلامي
- وأَنا أَنا، ولو انْكَسَرْتُ.. رَأَيْتُ أَيَّامي أَمَاميذَهَباً على أَشْجاريَ الأْولَى, رَأَيْتُ رَبيعَ أْمِّي، يا أبي
- وَرَأَيْتُ رِيشَتَها تُطَرِّزُ طائِريْنِ: لِشالِها، وَلشالِ أَخْتيوفَراشَةً لَمْ تَحْتَرِقْ بِفَراشَةٍ مِنْ أَجْلِنا, وَرَأَيْتُ لاسْمِي
- جَسَداً: أَنا ذَكَرُ الْحَمامِ يَئنُّ في أُنْثَى الْحَمامِ.ورَأَيْتُ مَنْزلَنا المُؤثَّثَ بِالنَّباتِ, رَأَيْتُ باباً للِدُّخولْ
- ويأيتُ باباً للخرُوج، رأيتُ باباً للخُروجِ وللدُّخولْ..هَلْ مَرَّ نوحٌ مِنْ هُناكَ إلى هُناكَ لِكيْ يَقُولْ
- ما قال في الدُّنْيا: لَها بابانِ مُخْتَلِفان, لكنَّ الْحِصانَ يَطيرُ بيويَطيرُ بي أَعْلى وأسْقُطُ مَوْجَةً جَرَحَتْ سُفوحاً، يا أبي
- وأنا أَنا وَلَوِ اُنْكَسَرْتُ, رَأَيْتُ أَيَّامي أَمامِيورَأَيْتُ هاويَةً, رَأَيْتُ الْحَرْبَ بَعْدَ الْحَرْبِ, تِلْكَ قَبيلَةٌ
- دالَتْ, وتِلْكَ قَبيلَةٌ قَالَتْ لِهولاكو الْمُعاصِر: نَحْنُ لَكْوأَقُولُ: لَسنا أْمَّةً أَمَةً، وأَبْعَثُ لاِبْنِ خَلْدونَ احْتِرامِي
- وأَنَا أَنَا وَلَوِ اُنْكَسَرْتُ على الْهَواءِ المَعْدِنِيِّ.. وأَسْلَمَتْنِيحَرْبُ الصَّليبِيِّ الجَديدَ إلى إلهِ الانْتِقامِ
- وإلى المَغوليِّ المُرابِطِ خَلْفَ أقنِعَةِ الإمامِوإلى نِساءِ المِلْحَ في أُسْطورَةٍ نَخَرَتْ عِظامِي..
- وأَنا أنا, لا بابَ يُغْلقُهُ عَليَّ الْبَحْرُ. لامِرْآةَ أَكْسرُها لِتَنْتَشِر الطَّريقُ رُؤىً.. أَمامي
- والأِنْبِياءُ جَمِيعُهُمْ أهْلي، ولكنَّ السَّماءَ بَعيدَةٌ عنأَرْضِها، وأَنَا بَعيدٌ عَنْ كَلامي..
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.