قصيدة
كحادثة غامضة
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 37 بيتاً
- في دار پابلو نيرودا، على شاطئالـپـاسفيك، تذكَّرْتُ يانيس ريتسوس.
- كانت أَثينا ترحَّبُ بالقادمين من البحر،في مَسْرحٍ دائريٍّ مُضاءٍ بصرخة ريتسوس:
- ((آهِ فلسطينُ،يا اُسْمَ الترابِ،
- ويا اُسْمَ السماءِ،سَتَنْتَصِرين...))
- وعانَقَني، ثُمَّ قَدَّمني شاهراً شارةَ النصرِ:((هذا أَخي)).
- فَشَعَرْتُ بأنني انتصرتُ، وأَني انكسرتُكقطعة ماسٍ، فلم يَبْقَ منِّي سوى الضوءِ/
- في مطعم دافئٍ, نتبادلُ بَعْضَ الحنينإلى بَلَدَيْنا القديمين، والذكرياتِ عن
- الغد: كانت أَثينا القديمةُ أَجملَ.أَما يَبُوسُ، فلن تتحمَّل أكثر. فالجنرال
- اُستعار قناعَ النبيّ ليبكي ويسرِقدمعَ الضحايا: "عزيزي العَدُوَّ!
- قَتَلْتُكَ من دون قصدٍ، عدوِّي العزيزَ،لأنَّكَ أزعجتَ دبَّابتي" /
- قال ريتسوس: لكنَّ اسبارطةَ انكسرَتْفي مهبِّ الخيال الأثينيِّ. إنَّ الحقيقةَ
- والحق صنوان ينتصران معاً. يا أَخيفي القصيدة! للشعر جسْرٌ على
- أمسِ والغد. قد يلتقي باعةُ السَّمَكِالمُتْعَبون مع الخارجين من الميثولوجيا.
- وقد يشربون النبيذ معاً.قلتُ: ما الشعْرُ؟... ما الشِعْرُ في
- آخر الأمر؟قال: هو الحَدَثُ الغامضُ، الشعرُ
- يا صاحبي هو ذاك الحنينُ الذي لايُفسَّرُ، إذ يجعلُ الشيءَ طيفاً، وإذْ
- يجعلُ الطَّيْفَ شيئاً. ولكنه قد يُفَسِرُحاجَتَنا لاقتسامِ الجمال العُمُوميِّ.../
- لا بحر في بيته في أَثينا القديمةِ،حيث الإلهاتُ كنّ يُدِرْنَ شؤون الحياة
- مع الَبشَر الطيِّبين , وحيث إلكترا الفتاةُتناجي إلكترا العجوزَ وتسألها: هل
- أَنا أنت حقّاً؟ولا لَيْلَ في بيته الضيِّق المُتَقَشِّفِ
- فوق سطوح تطلُّ على الغابة المعدنيَّةِ.لَوْحَاتُهُ كالقصائد مائيَّةٌ، وعلى أرض
- صالونه كُتُبٌ رُصِفَتْ كالحصى المُنْتَقَى.قال لي: عندما يحرُنُ الشعرُ أَرسمُ
- فوق الحجارةِ بَعْضَ الفخاخ لصَيْدِ القَطَا.قُلْتُ: من أَين يأتي إلى صوتك
- البحرُ، والبحر منشغلٌ عنك يا صاحبي؟قال: من جهة الذكريات، وإن
- كنت "لا أتذكر أَنَيَ كُنْتُ صغيراً"وُلدت ولي أخَوانِ عَدُوِّانِ:
- سجني ودائي.- وأَين وَجَدْتَ الطُّفُولَةَ؟
- - في داخلي العاطفيّ. أَنا الطفلُوالشيخُ. طفلي يُعَلِّمُ شيخي المجازَ.
- وشيخي يُعلِّمُ طفلي التأمُّل في خارجي.خارجي داخلي
- كُلَّما ضاق سجني تَوزَّعْتُ في الكُلِّ،واتَّسَعَتْ لغتي مثل لُؤْلُؤةٍ كُلِّما عَسْعَسَ
- الليل ضاءتْ/وقلت: تعلَّمتُ منك الكثير. تعلَّمت
- كيف أدرِّبُ نفسي على الانشغال بحبِّالحياة، وكيف أُجدِّفُ في الأبيض
- المتوسِّط بحثاً عن الدرب والبيت أوعن ثُنَائيَّة الدربِ والبيتِ/
- لم يَكْتَرِثْ للتحيَّة. قدَّم لي قهوةً.ثم قال: سيرجعُ أوديسُكُمْ سالماً،
- سوف يَرْجِعُ.../في دار پابلو نيرودا، على شاطئ
- الـپـاسفيك، تذكَّرْتُ يانيس ريتسوسفي بيته. كان في ذلك الوقت يدخُلُ
- إحدى أساطيرِهِ، ويقول لإحدى الإلهاتِ:إنْ كان لا بُدَّ من رحلةٍ، فلتَكُنْ
- رحلَةً أبديّةْ!
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.